ذو الكفل عليه الصلاة والسلام قال الله تبارك وتعالى: {وإسماعيلَ وإدريسَ وذا الكفلِ كلٌّ مِنَ الصابرينَ* وأدخلناهم في رحمَتِنا إنَّهُم منَ الصالحينَ} [سورة الأنبياء].

 

نسبه عليه الصلاة والسلام

قيل: هو ذو الكفل عليه السلام ابن سيدنا أيوب نبي الله صلى الله عليه وسلم، واسمه في الأصل بِشر، وقد بعثه الله نبيًا بعد أبيه أيوب، وسماه ذو الكفل لأنه كان قد تكفل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم ويقضي بينهم بالعدل، ولم يذكر في القرءان شيئًا عن دعوته ورسالته والقوم الذين أرسلَ إليهم لا بالإجمال ولا بالتفصيل. ذكر الاختلاف في نبوة ذي الكفل اختلف العلماء في ذي الكفل فمنهم من قال: إنه كان رجلاً صالحًا وحكمًا مقسطًا عادلاً من بني إسرائيل وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم، ويقضي بينهم بالعدل ففعل فسُمّي ذا الكفل، وجاء في الأخبار أنّ نبيًا من الأنبياء قال: من يتكفل لي أن يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب؟ فقام شاب فقال: "أنا" فقال: اجلس، ثم عاد فقال: من يتكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم عاد فقال: من يتكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب، فقال: أنا، فقال: تقوم الليل وتصوم النهار ولا تغضب، ثم مات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بين الناس ولا يغضب فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليُغضبه وهو صائم يريد أن يقيل [أن ينام بعد الظهر] فضرب الباب ضربًا شديدًا فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل معه رجلاً فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه ءاخر، فقال: لا أرضى بهذا، فخرج إليه وأخذه بيده وانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاه هناك وذهب فسمي ذا الكفل. ومن العلماء من قال إنه كان نبيًا وهذا الصحيح لأنه الظاهر من ذكره في القرءان الكريم بالثناء عليه مقرونًا مع هؤلاء السادة الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين، يقول الله تبارك وتعالى بعد ذكر قصة أيوب في سورة الأنبياء: {وإسماعيلَ وإدريسَ وذا الكفلِ كلٌّ مِنَ الصابرينَ* وأدخلناهم في رحمَتِنا إنَّهُم منَ الصالحينَ} [سورة الأنبياء]، ويقول الله جل جلاله أيضًا بعد ذكر أيوب عليه السلام أيضًا: {واذكرْ عبدنا إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ اولي الأيدي والأبصارِ* إنَّا أخلصناهم بخالصةٍ ذكرى الدَّارِ* وإنَّهُم عندنا لَمِنَ المُصطفينَ الأخيارِ* واذكر إسماعيلَ واليسعَ وذا الكفلِ وكُلٌّ مِنَ الأخيار} [سورة ص].

فائدة: وينبغي التنبيه هنا إلى أن ذا الكفل هذا هو غير "الكفل" الذي ذكر في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد بالإسناد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين – حتى عد سبع مرار- لم أحدث به، لكني قد سمعته أكثر من ذلك قال: "كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارًا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال لها: ما يُبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملتني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط! قال: ثم نزل فقال: اذهبي فالدنانير لك. ثم قال: والله لا يعصي الله الكفلُ أبدًا، فمات من ليلته فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل". ورواه الترمذي من حديث الأعمش به وقال: حسن، قال بعضهم: حديث غريب جدًا وفي إسناده نظر. وفاته: قيل: مات ذو الكفل وكان عمره خمسًا وسبعين سنة على ما يرويه أهل التواريخ، ويقال إن قبره في قرية كفل حارس من أعمال نابلس في فلسطين.

قال الله تعالى: {وخُذ بيدِكَ ضِغْثًا فاضرِبْ بهِ ولا تَحْنث إنّا وجدناهُ صابرًا نِعمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص].

 

نسبه عليه الصلاة والسلام

 

قيل: هو أيوب بن موص بن رازح بن العيص بن اسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام، وقيل غير ذلك في نسبه، إلا أن الثابت أنه من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام.

وحُكي أن أمه بنت نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام. وأما زوجته فقيل: إنّ اسمها رحمة بنت يوسف بن يعقوب، وقيل غير ذلك.

وسيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام من الأنبياء المنصوص على الوحي إليهم في القرءان الكريم قال الله تبارك وتعالى: {إنَّا أوحينا إليكَ كما أوحينا إلى نوحٍ والنَّبيِّنَ مِنْ بعدِهِ وأوحينا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ وعيسى وأيوب} [سورة النساء].

وكان عليه الصلاة والسلام عبدًا تقيًا شاكرًا لأنعم الله رحيمًا بالمساكين، يُطعم الفقراء ويُعين الأرامل ويكفل الأيتام، ويكرم الضيف، ويؤدي حق الله عليه على أكمل وجه.

 

إبتلاء الله لأيوب عليه الصلاة والسلام

 

يقول الله تبارك وتعالى: {واذكُر عبدنا أيوبَ إذْ نادى ربَّهُ أنِّي مَسَّني الشيطانُ بنُصبٍ وعذابٍ} [سورة ص].

كان أيوب كثير المال ءاتاه الله الغنى والصحة والمال وكثرة الأولاد، وابتلاه بالنعمة والرخاء ولم تفتنه زينة الحياة الدنيا ولم تخدعه ولم تشغله عن طاعة الله، وكان عليه السلام يملك الأراضي المتسعة من أرض حوران، ثم ابتلاه الله بعد ذلك بالضرّ الشديد في جسده وماله وولده فقد ذهب ماله ومات أولاده جميعهم، فصبر على ذلك صبرًا جميلاً ولم ينقطع عن عبادة الله تعالى بأنواع من الأمراض الجسيمة في بدنه وهو في كل هذا البلاء صابرٌ محتسب يرجو ثواب الله في الآخرة، ذاكرًا لمولاه في جميع أحواله في ليله ونهاره وصاحبه ومسائه. وطال مرضه عليه الصلاة والسلام ولزمه ثماني عشرة سنة وكانت زوجته لا تفارقه صباحًا ولا مساء إلا بسبب خدمة الناس بالأجرة لتطعمه وتقوم بحاجاته، وكانت تَحْنو عليه وترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها وحسن معاشرتها لها في حالة السراء، لذلك كانت تتردد إليه فتصلح من شأنه وتعينه على قضاء حاجته ونوائب الدهر، وكانت تخدم الناس لتطعمه الطعام وهي صابرة معه محتسبة ترجو الثواب من الله تبارك وتعالى.

 

دعاء أيوب وشفاؤه عليه الصلاة والسلام، ورفع البلاء عنه بعد ثماني عشرة سنة من الضر والعذاب

 

كثرت البلايا والأمراض على نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام طيلة ثماني عشرة سنة، وهو صابرٌ محتسبٌ يرجو الثواب من الله تعالى، فدعا الله وابتهل إليه بخشوع وتضرع قائلاً: {أنِّي مَسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ} [سورة الأنبياء]، ثم خرج عليه الصلاة والسلام لقضاء حاجته وأمسكت زوجته بيده إلى مكان بعيد عن أعين الناس لقضاء حاجته فلما فرغ عليه الصلاة والسلام أوحى الله تبارك وتعالى إليه في مكانه: {اركُض برجلكَ هذا مُغتسلٌ باردٌ وشرابٌ} [سورة ص] فأمره تعالى أن يضرب برجله الأرض، فامتثل عليه الصلاة والسلام ما أمره الله به وأنبع الله تبارك وتعالى له بمشيئته وقدرته عَينين فشرب من إحداهما واغتسل من العين الأخرى فأذهب الله عنه ما كان يجده من المرض وتكاملت العافية وأبدله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة، ولما استبطأته زوجته وطال انتظارها، أقبل نبي الله عليه الصلاة والسلام إليها سليمًا صحيحًا على أحسن ما كان فلما رأته لم تعرفه فقالت له: بارك الله فيك هل رأيت نبي الله أيوب هذا المبتلى؟ فوالله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحًا، فقال لها عليه الصلاة والسلام: فإني أنا هو.

وكان لنبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام بَيدران بيدرٌ للقمح وبيدر للشعير فبعث الله تبارك وتعالى بقدرته سحابتين، فلما كانت إحداهما على بيدر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت السحابة الأخرى على بيدر الشعير الفضة حتى فاض وعمّ، وبينما كان أيوب عليه الصلاة والسلام يغتسل خرّ عليه وسقط جراد من ذهب وهذا إكرامٌ من الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام ومعجزة له، فشرع عليه السلام يحثي ويجمع في الثوب الذي كان معه استكثارًا من البركة والخير الذي رزقه الله إياه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيك عمّا ترى، فقال عليه الصلاة والسلام: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك، رواه البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، ورواه أحمد في مسنده موقوفًا، ورواه بنحوه ابن أبي حاتم وأحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بإسناد على شرط الصحيح.

وأغنى الله تبارك وتعالى عبده أيوب عليه السلام بالمال الكثير بعد أن كان قد فقد أمواله، وردَّ الله تبارك وتعالى لأيوب عليه السلام أولاده فقد قيل: أحياهم الله تبارك وتعالى له بأعيانهم، وزاده مثلهم معهم فضلاً منه وكرمًا، والله يؤتي فضله من يشاء ويرزق من يشاء بغير حساب.

يقول الله تبارك وتعالى: {واذكر عبدنا أيوبَ إذ نادى ربهُ أنِّي مسَّني الشيطانُ بنُصْبٍ وعذابٍ* اركُض برجلكَ هذا مُغتَسَلٌ باردٌ وشرابٌ* ووهَبْنا لهُ أهلهُ ومثلهم معهم رحمةً مِنَّا وذكرى لأولي الألبابِ} [سورة ص]، ويقول عز من قائل: {وأيوبَ إذ نادى ربَّهُ أنِّي مَسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ* فاستجبنا لهُ فكشفنا ما بهِ من ضرٍّ وءاتيناهُ أهلهُ ومثلهم معهم رحمةً مِنْ عِندنا وذكرى للعابدين} [سورة الأنبياء].

 

أيوب عليه الصلاة والسلام يبرُّ بيمينه ولا يحنث

 

يقولُ الله تبارك وتعالى: {وخُذْ بيدِكَ ضِغثًا فاضربْ بهِ ولا تَحْنَث إنَّا وجدناهُ صابرًا نِعْمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص] ضاق الحال بزوجة أيوب عليه السلام ذات يوم فباعت نصف شعرها لبعض بنات الملوك فصنعت له من ثمنه طعامًا فحلف أيوب عليه الصلاة والسلام إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة، ولما أراد أيوب عليه الصلاة والسلام أن يبرّ بيمينه بعد شفائه أمره الله أن يأخذ ضغثًا وهو الحُزْمة من الحشيش أو الريحان أو ما أشبه ذلك فيه مائة قضيب فيضرب بها زوجته ضربة واحدة وبذلك لا يحنث في يمينه، ولقد شرع الله تعالى له ذلك رحمة بها ولحسن خدمتها إياه وإحسانها إليه وشفقتها عليه أثناء مرضه ومصائبه التي ابتُلي بها طوال الثماني عشرة سنة التي ابتلاه الله بها، ولأنها امرأة مؤمنة صالحة تقية صابرة تؤدي حق زوجها عليها وتحسن معاشرته في السراء والضراء، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه وخافه، ولهذا قال الله تعالى: {إنَّا وجدناهُ صابرًا نِعْمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص]، قيل: أي رجّاع منيب مقبل على طاعة الله.

 

موت أيوب عليه الصلاة والسلام

 

لقب نبي الله أيوب عليه السلام بالصدّيق وضرب به المثل في الصبر بسبب صبره الجميل طيلة الثماني عشرة سنة على المصائب والبلايا، وعاش أيوب عليه الصلاة والسلام بعد رفع الضر والمصائب عنه مُسَارعًا في طاعة الله لا تغرّه الحياة الدنيا وزهرتها يؤدي ما فرض الله عليه ويدعو إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده لا شريك له، ويستعمل ما رزقه الله من أموال كثيرة في طاعة الله، إلى أن توفاه الله وهو عنه راضٍ.

وقيل إنه لما توفي كان عمره ثلاثًا وتسعين سنة، وقيل أكثر من ذلك.

 

عصمة نبي الله أيوب من الأمراض المنفرة

 

اعلم رحمك الله بتوفيقه أنّ علماء العقيدة قد قرروا أن أبياء الله ورسه هم صفوة خلق الله، فيجب للأنبياء الصدق ويستحيل عليهم الكذب، ويجب لهم الفطانة [الذكاء] ويستحيل عليهم البلادة والغباوة، ويجب لهم الصيانة فيستحيل عليهم الرذيلة والسفاهة والجبن، ويجب لهم الأمانة ويستحيل عليهم الخيانة، فالأنبياء سالمون من الكفر وكبائر الذنوب وصغائر الخسة كسرقة حبة عنب، وكذلك يستحيل عليهم الأمراض المنفرة التي تنفر الناس عنهم، وهذا من العصمة الواجبة لهم.

لذلك قال العلماء: إن من نسب إلى نبي من الأنبياء الكذب أو الخيانة أو الرذائل أو السفاهة أو الجُبن أو نحو ذلك من صفات النقصان فقد كفر، فإذا علم ذلك تبيّن أن ما يرويه وينسبه بعض الناس إلى سيدنا أيوب من أنه ابتلي في جسمه بأمراض منفرة لا أساس ولا صحة له، بل هو أكاذيب لا تقوم بها الحجة. ومن هذه الأخبار الكاذبة في بلاء أيوب أن الله سلط عليه إبليس فنفخ عليه فأصابه مرض الجذام الخبيث حتى صار الدود يتناثر من بدنه وجسمه ويقول لها: كلي من رزقك يا مُباركة، إلى ءاخر ما يذكره أهل القصص وبعض المفسرين وهي لا تجوز في حق الأنبياء بل تستحيل عليهم وذلك للعصمة التي عصمهم الله بها. فهذا تكذيب للدين وكفر لأن هذا لا يليق بنبي من الأنبياء، وكيف يرد الدود إلى جسمه ليتأذى به والله تعالى يقول: {وأنفِقوا في سبيل اللهِ ولا تُلقوا بأيديكُم وأحسنوا إنَّ اللهَ يحبُّ المُحسنينَ} [سورة البقرة]، ويقول: {يا أيها الذينَ ءامنوا لا تأكلوا أموالكُم بينكم بالباطلِ إلا أن تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكُم ولا تقتلوا أنفُسَكم إنَّ اللهَ كانَ بكم رحيمًا} [سورة النساء].

ولا صحة لما ذكر في كتاب الإبريز أن مرضه كان شهرين خلاف ما جاء في حديث رسول الله، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "كان بلاء أيوب ثمانية عشر عامًا" رواه ابن حبان وصححه ولم يقل عليه الصلاة والسلام في حق أيوب أصابته الجدري أو كان الدود يغلي في جسمه، والتفاسير الصحيحة ليس فيها شيء من هذه الأكاذيب هذا وأن الأنبياء لتمكنهم في الصبر وبلوغهم في ذلك إلى ما لم يبلغه غيرهم جعل الله في الدنيا حظهم من البلاء أكثر ليتأسى بهم أتباعهم المؤمنون. والله أعلم وأحكم.

قال الله تبارك وتعالى: {ووهبنا لهُ إسحاق ويعقوب كُلاً هدينا ونوحًا هدينا من قبل} [سورة الأنعام].

وقال تعالى: {فلمَّا اعتزلهم وما يعبدون من دونِ اللهِ وهبنا لهُ إسحاق ويعقوب وكُلاً جعلنا نبيًا* ووهبنا لهم من رحمتِنا وجعلنا لهم لسانَ صِدقٍ عليًّا} [سورة مريم].

 

نسبه عليه الصلاة والسلام

 

هو يعقوب ابن نبي الله إسحاق ابن نبي الله إبراهيم، وأمه "رفقة" بنت بتوئيل بن ناصور بن ءازر أي بنت ابن عمه، ويُسمى يعقوب "إسرائيل" الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، قال الله تبارك وتعالى: {كُلُّ الطعامِ كانَ حِلاً لبني إسرائيلَ إلا ما حرَّمَ إسرائيلُ على نفسِهِ من قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ قُلْ فأتوا بالتوراةِ فاتلوها إن كنتم صادقين} [سورة ءال عمران].

وقد مدحه الله في القرءان الكريم فقال تعالى: {وبشَّرناهُ بإسحاقَ نبيًّا مِنَ الصالحينَ* وباركنا عليهِ وعلى إسحاق ومِن ذريتهما محسنٌ وظالمٌ لنفسه مبينٌ} [سورة ءال عمران].

ومدحه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "إنَّ الكريمَ ابنَ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بنُ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" رواه البخاري. فهؤلاء الأنبياء الأربعة عليهم الصلاة والسلام وهم: يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم.

 

حياته

 

قال أهل التواريخ: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام ولد في "فلسطين" أرض الكنعانيين وشبّ في كنف أبيه إسحاق، وقد أمرته أمه "رفقة" أن يسافر إلى خاله "لابان" الذي بأرض حران ليقيم عنده لأنها خافت عليه من أخيه العيص الذي توعده وهدده، فسافر يعقوب عليه السلام إلى خاله ووجد عنده ابنتين: الكبرى اسمها "ليّا" والصغرى "راحيل" وكانت أجملهما، ويروي أهل التاريخ أنه جمع بين الأختين، وكان ذلك جائزًا في شريعتهم ثم نسخ في شريعة التوراة. وقيل: وهب خاله "لابان" لكل واحدة من ابنتيه جارية فوهب "زلفى" لابنته "ليا" ووهب "بلها" لابنته "راحيل" ثم وهبت كل منهما جاريتها ليعقوب عليه السلام فصار عنده أربع نسوة اثنتان منهما زوجتان واثنتان ملك اليمين لا تسميان زوجتين بل تسميان سُرّيَتين، وقد ولدن له أولاده الاثني عشر، وكان من ذريتهم الأسباط. أما "ليّا" فقد ولدت له ستة أولاد وهم: روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولاوى ويهوذا وايساخر وزابلون، وقيل: جاء من نسل لاوى موسى عليه الصلاة والسلام، وأما راحيل فقد ولدت له ولدين وهما: نبي الله يوسف عليه السلام وشقيقه بنيامين، وأما بلها جارية راحيل فقد ولدت له ولدين وهما دان ونفتالي، وأما زلفى جارية ليّا فقد ولدت له ولدين أيضًا وهما: جاد وأشير، والله أعلم بصحة ذلك.

دعا نبي الله يعقوب عليه السلام إلى دين الإسلام وإلى عبادة الله وحده وترك عبادة غير الله، وقد ابتلى الله نبيه يعقوب بالبلايا الكثيرة فصبر ونال الدرجات العالية، ومن جملة البلاء الذي ابتلي به عليه السلام أنه فقد بصره حزنًا على ولده يوسف الذي مكر به إخوته العشرة وهم من سوى بنيامين، ثم ردّ الله تعالى له بصره بعد أن جاء البشير بقميص يوسف ووضعه على وجهه فعاد بصيرًا بعد طول غياب وشدة حزن وألم على فقد ابنه وحبيبه يوسف عليه الصلاة والسلام قال تعالى: {فلمَّا أن جاءَ البشيرُ ألقاهُ على وجههِ فارتَدَّ بصيرًا} [سورة يوسف]. وقد اجتمع يعقوب بابنه يوسف عليهما السلام في مصر بعد طول غياب حيث مكث يوسف بعيدًا عن أبيه يعقوب ما يقارب الأربعين سنة.

 

وفاته

 

توفي يعقوب عليه السلام وله من العمر ما يزيد على المائة، وكان ذلك بعد سبع عشرة سنة من اجتماعه بيوسف، وقد أوصى نبيُّ الله يعقوب ابنه يوسف عليه السلام أن يدفنه مع أبيه إسحاق وجده إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ففعل ذلك، وسار به إلى فلسطين ودفنه في المغارة بحبرون وهي مدينة الخليل في فلسطين.

 

 

وصية يعقوب لأولاده

 

جاء في القرءان الكريم أن سيدنا يعقوب عليه السلام أوصى أولاده وبنيه بما وصى به إبراهيم عليه السلام من اتباع دين الإسلام والثبات عليه حتى الممات قال تعالى: {ووصَّى بها إبراهيمُ بَنيهِ ويعقوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللهَ اصطفى لكُم الدِّينَ فلا تَمُوتُنَّ إلا وأنتُم مسلمونَ} [سورة البقرة]، وقال تعالى: {أم كنتم شُهداءَ إذْ حَضَرَ يعقوبَ الموتُ إذْ قالَ لِبَنيهِ ما تعبدونَ من بعدي قالوا نعبدُ إلهكَ وإلهَ ءابائِكَ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلهًا واحدًا ونحنُ لهُ مسلمونَ} [سورة البقرة].

قال الله تعالى: {لقد كانَ في يوسفَ وإخوتِهِ ءاياتٌ للسائِلينَ} [سورة يوسف]، وقال الله تعالى في حق نبيه يوسف عليه السلام: {ولمَّا بلغَ أشُدَّهُ ءاتيناهُ حُكمًا وعِلمًا وكذلكَ نَجْزي المُحسنينَ} [سورة يوسف].

 

نسبه عليه السلام

 

هو يوسف ابن نبي الله يعقوب – إسرائيل- بن إسحاق بن إبراهيم، وقد أعطي يوسف عليه السلام شطرَ الحُسن.

وقد أثنى الله عليه ووصفه بالعفة والنزاهة والصبر والاستقامة قال تعالى: {كذلكَ لِنَصرِفَ عنهُ السُّوءَ والفحشاءَ إنَّهُ من عبادنا المُخلصينَ} [سورة يوسف].

كما أثنى عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنّ الكريمَ ابنَ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" رواه البخاري.

 

عدد المرات التي ذكر بها في القرءان

 

ذكر اسم يوسف عليه السلام في القرءان الكريم في ست وعشرين ءاية، منها أربع وعشرون ءاية في سورة يوسف، وءاية في الأنعام، وءاية في سورة المؤمن [غافر].

وهو من أشهر أنبياء بني إسرائيل، وقد ذُكرت قصة سيدنا يوسف عليه السلام في سورة يوسف مُفصلة، وفيها بيانٌ لحياته ومحنته مع إخوته ومحنته مع امرأة العزيز، ودخوله السجن ودعوته فيه إلى الله تعالى، ثم خروجه من السجن وتفسيرُه الرؤيا للملك واستلامه لخزائن الأرض أي أرض مصر، ثم مجيء إخوته إلى مصر بسبب القحط، وإبقاؤه لأخيه بنيامين عنده، ثم اجتماعه بأبيه وإخوته ودخولهم عليه وسجودهم له على وجه التحية والتعظيم وكان ذلك جائزًا في شريعتهم، إلى غير ذلك من إشارات دقيقة وعظات بالغة يُستفاد بها من حياة هذا النبي الكريم.

 

إخوته عليه السلام والأسباط

 

تقدم أن يعقوب عليه السلام تزوج ابنتي خاله "ليّا" و"راحيل" وجمع بينهما وكان ذلك جائزًا في شريعتهم، ثم نسخ في شريعة التوراة، وأنهما ولدتا له عددًا من الأولاد.

وليعلم أن الأسباط هم ذرية إخوة يوسف عليه السلام وهم شعوب بني إسرائيل، وكان يوجد فيهم أنبياء نزل عليهم الوحي، ولم يكن من أولاد يعقوب نبي غير يوسف عليه السلام إلا أن هناك احتمالاً أن يكون بنيامين نبيًّا، وأما ما ذهب البعض إليه من القول بنبوة أخوته فمردودٌ لأنّ النبوة لا تصح لإخوة يوسف الذين فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة وهم من سوى بنيامين، فالأسباط الذين أنزل عليهم الوحي هم من نُبّئ من ذريتهم.

 

قصة يوسف الصديق في القرءان

 

كان يعقوب عليه السلام يحب ابنه يوسف وبنيامين كثيرًا ويؤثرهما بزيادة المحبة على إخوتهما لما لهما من المحاسن كحسن الخلق وكان ذلك سببًا في حقد إخوتهما عليهما، وسببًا في محنة يوسف التي ابتُلي بها ونال بها الدرجات العلى عند الله.

 

رؤيا يوسف عليه السلام في المنام

 

رأى يوسف عليه السلام في المنام وهو صغير لم يحتلم أن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر تسجد له، قال المفسرون: كانت الكواكب في التأويل إخوته، والشمس أمه، والقمر أباه، فقصَّ يوسف عليه السلام هذه الرؤيا على أبيه قيل: كان عمره وقتئذ اثنتي عشرة سنة، فأشفق عليه أبوه يعقوب من حسد إخوته له، قال تعالى إخبارًا عن قول يعقوب: {قالَ يا بُنَيَّ لا تقصُص رُءياكَ على إخوتك فيكيدوا لكَ كيدًا} [سورة يوسف] أي يدبروا حيلة لإهلاكك لأن الشيطان للإنسان عدو مبين.

قال الله تعالى: {إذ قالَ يوسفُ لأبيهِ يا أبتِ إنِّي رأيتُ أحدَ عشرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ رأيتهم لي ساجدينَ* قالَ يا بنيّ لا تقصُص رُءياكَ على إخوتكَ فيكيدوا لكَ كيدًا إنَّ الشيطانَ للإنسانِ عدوٌ مبينٌ} [سورة يوسف].

ولقد علم يعقوب عليه السلام أنه سيكون لابنه يوسف شأن عظيم وسينالُ رتبة علية ورفعة سامية في الدنيا والآخرة، لذلك أمره بكتمان ما رأى في المنام وألا يقصها على إخوته خوفًا عليه من كيدهم وحسدهم.

 

حسد إخوته وحقدهم عليه وعزمهم على التخلص منه

 

كان بقية أبناء يعقوب عليه السلام يحسدون يوسف وشقيقه بنيامين على هذه المحبة والخصوصية لهما وهم يعتبرون أنفسهم جماعة أقوياء نافعين له أحق بمحبته قال تعالى: {إذ قالوا ليوسفُ وأخوهُ أحبُّ إلى أبينا مِنَّا ونحنُ عُصبةٌ إنَّ أبانا لفي ضلالٍ مبينٍ} [سورة يوسف] وازداد كره إخوته وحسدهم ليوسف خاصة لمّا علموا بأمر رؤياه، ولذلك تآمروا فيما بينهم على أن يُفرقوا بينه وبين أبيه، وتشاوروا فيما بينهم على قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم عن شغله بيوسف، وقالوا سنتوب بعد ذلك لنكون من الصالحين، قال الله تعالى حكاية عنهم: {اقتُلوا يوسفَ أوِ اطرحوهُ أرضًا يَخْلُ لكم وجهُ أبيكُم وتكونوا من بعدهِ قومًا صالحينَ} [سورة يوسف].

ولكنّ قائلاً منهم قيل هو أخوه يهوذا وقيل غيره، قال لهم: لا تقتلوا يوسف، وأمرهم أن يلقوه في قعر البئر فيلتقطه بعض المارة من المسافرين فيأخذونه وبذلك يتخلصون منه.

قال الله تبارك وتعالى: {قالَ قائلٌ منهُم لا تقتلوا يوسفَ وألقوهُ في غَيَبَتِ الجُبِّ يلتقطهُ بعضُ السَّيارةِ إن كنتم فاعلينَ} [سورة يوسف] وأخذ عليهم أخوهم يهوذا العهود أنهم لا يقتلونه، فأجمعوا عند ذلك على أن يدخلوا على يعقوب ويكلموه في إرسال يوسف معهم إلى البرية ليلعب معهم ويأكل، لذلك دخلوا على أبيهم وطلبوا منه أن يسمح لهم باصطحاب يوسف إلى الصحراء وتعهدوا له أن يحافظوا عليه: {قالوا يا أبانا ما لكَ لا تَأمَنَّا على يوسف وإنَّا لهُ لناصِحونَ* أرسِلهُ معنا غدًا يَرْتع ويلعب وإنَّا لهُ لحافظنَ} [سورة يوسف].

وكان يعقوب عليه السلام قد خطر له ما يضمره بنوه لأخيهم يوسف، وكان يعزّ عليه أن يذهبوا به لأنه كان يخشى عليه منهم، لذلك أراد أن يثنيهم عن هذا الأمر بقوله: {قالَ إنِّي ليُحزنني أن تذهبوا بهِ وأخافُ أن يأكلهُ الذئبُ وأنتم عنهُ غافلون} [سورة يوسف].

وهو كان يتخوّف على يوسف من عدوانهم أكثر مما يتخوف عليه عدوان الذئب ولكنهم كانوا بارعين في الدهاء لذلك قال تعالى: {قالوا لئن أكلَهُ الذئبُ ونحنُ عُصبةٌ إنَّا إذًا لخاسرونَ} [سورة يوسف] أي لئن أكله الذئب ونحن جماعة كثيرون نكون إذًا عاجزين هالكين.

 

تنفيذ إخوة يوسف مؤامرتهم بإلقاء يوسف في البئر لإهلاكه

 

أرسل يعقوب يوسف مع إخوته لئلا يشعروا أن أباهم يخشى عليه منهم فيدبوا له مكيدة في غيابه فأرسله معهم على كِره ومضض، وما إن غابوا به عن عينيه انطلقوا به إلى البئر ليطرحوه فيه فخلعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، لِمَ نزعتم قميصي؟ رُدُّوه عليّ أستر بع عورتي ويكن كفنًا لي في مماتي، فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبًا تؤنسك، ثم أدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها وجعل يبكي، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرجموه بالحجارة فمنعهم أخوه يهوذا، ولما ألقوه في قعر البئر أوحى الله إليه أنه لا بُدّ من فرج ومخرج من هذه الشدة والضيق ولتُخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا في وقت يكون لك فيه العزة والسيادة عليهم وهم لا يعلمون أمرك، قال الله تعالى: {فلمّا ذهبوا بهِ وأجمعوا أن يجعلوهُ في غَيَبتِ الجُبّ وأوحينا إليهِ لَتُنَبّئَنّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرونَ} [سورة يوسف].

 

تلطيخ قميص يوسف بدم مكذوب لإخفاء الجريمة

 

بعد أن ألقى إخوة يوسف أخاهم في البئر أرادوا أن يُخفوا جريمتهم، لذلك عمدوا إلى جّدْي من الغنم فذبحوه ثم غمسوا قميص يوسف في دمه ورجعوا إلى أبيهم يعقوب في وقت العشاء يبكون، وإنما جاءوا وقت العتمة ليكونوا أجرأ في وقت الظلام على الاعتذار بالكذب، فلما دنوا منه صرخوا صراخ رجل واحد ورفعوا أصواتهم بالبكاء والعويل، فلما سمع يعقوب عليه السلام صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ، هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم وأين يوسف؟ فقالوا له كاذبين: يا أبانا إنّا ذهبنا للسباق والرمي بالسهام وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وأنت لستَ بمصدقنا ولو كنا صادقين.

قال تعالى: {وجاءُو أباهُم عِشاءً يبكون* قالوا يا أبانا إنّا ذهبنا نَسْتبقُ وتركنا يوسفَ عندَ متاعنا فأكلهُ الذئبُ وما أنتَ بمؤمنٍ لنا ولو كُنّا صادقين} [سورة يوسف].

وعندما سمع يعقوب عليه السلام كلام أبنائه وما ادعوه بكى وقال لهم: أين القميص؟ فجاءوا بالقميص عليه دم كذب وليس فيه خرقٌ، ويُروى أنّ يعقوب عليه السلام أخذ القميص وأخذ يقبله وقال لهم متهكمًا: ما أحلم هذا الذئب الذي أكل ابني دون أن يمزق ثوبه!! وقال هذا الكلام تعريضًا بكذبهم وإيذانًا لهم بأن صنيعهم ومكرهم هذا لم يمر عليه، قال الله تعالى: {وجاءو على قميصِهِ بدمٍ كذبٍ قالَ بل سَوَّلَتْ لكُم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميلٌ واللهُ المُستعانُ على ما تصِفونَ} [سورة يوسف] أي لقد زينت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون فصبر جميل وربي المعين على ما تصفون من الكذب.

 

إنقاذ يوسف عليه السلام من البئر

 

أقام يوسف عليه السلام في البئر ثلاثة أيام وكان البئر قليل الماء ومرت قافلة من القوم أمام البئر الذي أُلقيَ فيه يوسف عليه السلام فبعثوا من يستقي لهم الماء من البئر، فلمّا أدلى دلوه في البئر الذي فيه يوسف عليه السلام تعلق به، فلما نزع الدلو يحسبها قد امتلأت ماء، إذا بها غلامٌ جميل حسن الوجه مُشرق المُحيّا فاستبشر الرجل به وقال لأصحابه: يا بُشرى هذا غلام، فأقبل أصحابه يسألونه الشركة فيه واستخرجوه من البئر، فقال بعضهم لبعض: اكتموه عن أصحابكم لئلا يسألوكم الشركة فيه، فإن قالوا: ما هذا؟ فقولوا: استبضعناه أهل الماء – أي وضعوه معنا بضاعة- لنبيعه لهم بمصر ولمّا استشعر إخوة يوسف عليه السلام بأخذ القافلة ليوسف عليه السلام لحقوهم وقالوا: هذا غلامنا [أي عبد لنا] أبقَ وهرب منا فصدقهم أهل القافلة فاشتروه منهم بثمن بخس وقليل من الدراهم المعدودة، قال الله تعالى: {وجاءتْ سيَّارةٌ فأرسلوا واردهم فأدلى دلوهُ قال يا بشرى هذا غلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعةً واللهُ عليمٌ بما يعملون* وشروهُ بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودةٍ وكانوا فيهِ مِنَ الزَّاهدين} [سورة يوسف].

 

بيعُ يوسف عليه السلام لعزيز مصر ووزيرها

 

لما ذهبت القافلة ومعها يوسف عليه السلام إلى مصر، وقفوا في سوق مصر يعرضونه للبيع، فأخذ الناس في مصر يتزايدون في ثمنه حتى اشتراه منهم عزيزُها وهو الوزير المؤتمن على خزائنها يقال له "قطفير" وكان ملك مصر يومئذٍ "الرَّيان بن الوليد" وهو رجلٌ من العمالقة، وذهب الوزير الذي اشترى يوسف عليه السلام به إلى منزله فرحًا مسرورًا وقال لامرأته واسمها زَليخا وقيل: راعيل: {أكرمي مَثواهُ عسى أن ينفعنا أو نتَّخذهُ ولدًا} [سورة يوسف] وكان هذا الوزير لا يأتي من النساء ولا يميل لهنّ وكانت امرأته "زليخا" امرأة جميلة حسناء ناعمة في ملكٍ ودنيا.

ولما رأى هذا الوزير في يوسف عليه السلام الذكاء والأمانة والعلم والفهم جعله صاحب أمره ونهيه والرئيس على خدمه وهذا إكرام من الله حيث قيَّض الله تبارك وتعالى ليوسف الصدّيق عليه السلام العزيز وامرأته يُحسنان إليه ويعتنيان به، كما أنقذه من إخوته حين همُّوا في البداية بقاله إلى أن ألقوه في البئر ثم أخرجه منه وصيّره إلى هذه الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر ووزيرها، ومكن له في الأرض وجعله على خزائنها وتولاه الله بعنايته وعلّمه من لدنه علمًا عظيمًا وأعطاه علمَ تعبير الرؤيا والله تعالى غالبٌ على أمره نافذ المشيئة في مخلوقاته، فعّال لما يريد لا أحد يمنع ما شاءه الله وقدّره، يقول تعالى: {وكذلكَ مَكَّنَّا ليوسفَ في الأرضِ ولِنُعلِّمَهُ مِن تأويل الأحاديثِ واللهُ غالبٌ على أمرهِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون} [سورة يوسف].

ولما بلغ يوسف عليه السلام شدته وقوته في شبابه وبلغ أربعين سنة ءاتاه الله الحكم والعلم وجعله نبيًا وكذلك يجزي الله المحسنين من عباده القائمين بأمره المهتدين إلى طاعته، قال تعالى: {ولمّا بلغَ أشُدَّهُ ءاتيناهُ حُكمًا وعِلمًا وكذلكَ نجزي المُحسنين} [سورة يوسف].

 

محنة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز

 

أقام يوسف عليه السلام في بيت عزيز مصر ووزيرها مُنعمًا مُكرمًا وكان فائق الحسن والجمال، فلما شب وكبر أحبته امرأة العزيز حبًا جمًا وعشقته وشغفها حبُّه لما رأت من حسنه وجماله الفائق. وذات يوم وقيل: كان عمر يوسف سبعة عشر عامًا أرادت امرأة العزيز أن تحمله على مُواقعتها وما يريد النساء من الرجال عنوة، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وغلقت الأبواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخرها ودعته صراحة إلى نفسها من غير حياء وطلبت منه ما لا يليق بحاله ومقامه، والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحِرص، ولكن هيهات هيهات.. وهو النبي العفيف الطاهر المعصوم عن مثل تلك الرذائل والسفاهات والفواحش وهو نبيٌّ من سلالة الأنبياء الذين يستحيل عليهم الرذائل والفواحش. لذلك أبى يوسف عليه السلام ما دعته إليه امرأة العزيز، وامتنع أشد الامتناع وأصر على عصيان أمرها وقال: معاذ الله، أي أعوذ بالله أن أفعل هذا، ثم قال لها: {إنَّهُ ربي أحسنَ مَثوايَ إنَّهُ لا يُفلحُ الظالمونَ} [سورة يوسف] يريدُ أن زوجها صاحب المنزل سيدي – أي بحسب الظاهر للناس- أحسن إليّ وأكرم مقامي عنده وائتمنني فلا أخونه في أهله، وأنّ الذي تدعينني إليه لظلمٌ فاحش ولا يفلح الظالمون، يقول الله تعالى: {وراودتهُ التي هوَ في بيتِها عن نفسهِ وغلَّقت الأبوابَ وقالت هَيْتَ لكَ قالَ معاذَ اللهِ إنَّهُ ربي أحسنَ مثوايَ إنَّهُ لا يُفلح الظالمون} [سورة يوسف].

وأمام إباء يوسف عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز، وأمام عفته وإصراره على عدم الوقوع معها في الحرام، ازدادت هي إصرارًا على الهَمّ بالرذيلة فأمسكت به تريدُ أن تجبره على مواقعتها وارتكاب الفاحشة معها من غير حشمة وحياء، فصار عليه السلام يحاول التخلص منها، فأفلت من يدها فأمسكت ثوبه من خلف فتمزق قميصه، وظلت تلاحقه وهما يستبقان ويتراكضان إلى الباب هو يريد الوصول إليه ليفتحه ليتخلص منها يدفعه إلى ذلك الخوف من الله مولاه، وهي تريد أن تحول بينه وبين الباب تدفعها إلى ذلك الشهوة الجامحة والاستجابة لوساوس الشيطان، وفي تلك اللحظات وصل زوجها العزيز فوجدها في هذه الحالة، فبادرته بالكلام وحرضته عليه وحاولت أن تنسب إلى يوسف عليه السلام محاولة إغوائها والاعتداء عليها مدعية أنها امتنعت وهربت منه فنسبت إلى يوسف الخيانة وبرّأت نفسها، لذلك ردّ نبي الله يوسف عليه السلام التهمة عن نفسه وقال: هي راودتني عن نفسي، يقول الله تبارك وتعالى: {واستَبقا البابَ وقدّتْ قميصهُ من دُبُرٍ وألفيا سيِّدها لدا البابِ قالت ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلكَ سوءًا إلا أن يُسجنَ أو عذابٌ أليمٌ* قالَ هيَ راودتني عن نفسي} [سورة يوسف].

وأما قوله تعالى: {ولقد همَّت بهِ وهمَّ بها لولا أن رءا بُرهانَ ربِّهِ} [سورة يوسف] فمعناه أن امرأة العزيز همت بأن تدفعه إلى الأرض لتتمكن من قضاء شهوتها بعد وقوعه على الأرض وهو هم بأن يدفعها عنه ليتمكن من الخروج من الباب لكن لم يفعل هو لأن الله ألهمه أنه لو دفعها لكان ذلك حجة عليه عند أهلها بأن يقولوا إنما دفعها ليفعل بها الفاحشة، وهذا معنى قول الله تعالى: {ولولا أن رءا برهان ربه} أي لولا أن رأى برهانًا من الله لدفعها، فلم يدفعها بل أدار لها ظهره ذاهبًا إلى الباب فلحقته فشقت قميصه من خلف فكان الدليل والحجة عليها ولو ضربها ودفعها لكان ضربه ودفعه إياها حجة لها عليه، لأنها تقول: راودني فمنعته فضربني.

والذي يجب أن يُعتقد أن الله تبارك وتعالى عصم نبيه يوسف عليه السلام ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، كما صان وعصم سائر أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام لأن الأنبياء كما أجمع علماء الإسلام أنه تجب للأنبياء الصيانة، فيستحيل عليهم الرذائل والسفاهة والجبن، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في حق يوسف عليه السلام نافيًا عنه السوء والفحشاء ومُطهرًا إياه من قصد الفاحشة والهم بالزنى: {كذلكَ لِنصرف عنهُ السوءَ والفحشاءَ إنَّهُ مِن عبادنا المُخلصين} [سورة يوسف].

لذلك لا يصح ما يروى عن بعض المفسرين أنه حلّ السراويل وقعد منه مقعد الرجل من امرأته، فإن هذا باطل لا يليق بنبي من أنبياء الله تعالى، وكذلك ما في تفسير الجلالين وغيره أن يوسف قصد الزنى بها فإنه لو كان حصل هذا من يوسف لكان فيه دليل على العزم والأنبياء صلوات الله عليهم معصومون من العزم على الزنى والفاحشة ومقدماتها، قال تعالى في بيان براءة يوسف عليه السلام: {قالتِ امرأتُ العزيزِ الئنَ حَصْحَصَ الحقُّ أناْ راودتهُ عن نفسهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصادقينَ} [سورة يوسف].

 

تبرئة يوسف عليه السلام مما اتهمته به امرأة العزيز

 

بعد أن اتهمت امرأة العزيز يوسف عليه السلام بأنه حاول الاعتداء عليها بالفاحشة وبرأت نفسها ردّ يوسف عليه السلام هذه التهمة عنه وقال: هي راودتني عن نفسي، وفي هذا الموقف أنطق الله القادر على كل شيء شاهدًا من أهلها وهو طفل صغير في المهد لتندفع التهمة عن يوسف عليه السلام وتكون الحجة على المرأة التي اتهمته زورًا ولتظهر براءة يوسف عليه السلام واضحة أمام عزيز مصر ووزيرها، فقال هذا الشاهد من أهلها: {إنْ كانَ قميصهُ قُدَّ من قُبُلٍ فَصَدقت وهُوَ مِنَ الكاذبينَ} [سورة يوسف] أي لأنه يكون قد راودها فدفعته حتى شقّت مُقَدَّم قميصه فتكون التهمة بذلك على يوسف، ثم قال: {وإن كان قميصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فكذَبت وهوَ من الصادقين} [سورة يوسف] أي لأنه يكون قد تركها وذهب فتبعته وتعلقت به من خلف فانشقّ قميصه بسبب ذلك وتكون التهمة بذلك على امرأة العزيز، فلما وجد العزيز أنّ قميص يوسف قد انشق من خلف خاطب زوجته وقال لها: {إنَّهُ مِن كَيْدكُنَّ إنَّ كيدكُنَّ عظيمٌ} [سورة يوسف] أي هذا الذي جرى من مكركنّ، أنت راودته عن نفسه ثم لتدفعي التهمة عن نفسك اتهمته بالباطل والبهتان.

ثم قال زوجها ليوسف عليه السلام بعد أن ظهرت براءته: {يوسف أعرِض عن هذا} [سورة يوسف] أي لا تذكره لأحد لأن كتمان مثل هذه الأمور في ذلك الحين أحسن، ثم أمر زوجته بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها وقال لها: {واستغفري لذنبك إنَّكِ كنتِ من الخاطئين} [سورة يوسف] يعني من المذنبين الآثمين.

وبذلك ظهرت براءة يوسف عليه السلام ظهور الشمس في وضح النهار، وظهر للعزيز عفى يوسف عليه السلام، وأنه نزيه العِرض سليم الناحية، وأنه منزه عن التهمة التي اتهمته بها امرأته زورًا وبُهتانًا.

 

شيوع الخبر في المدينة وتحدث النساء به

 

شاع خبر امرأة العزيز ويوسف عليه السلام في أرجاء المدينة وأخذت ألسنة النساء من نساء الأمراء وبنات الكُبراء في الطعن على امرأة العزيز وعَيبها، والتشنيع عليها على فعلتها، كيف تعشق سيدة ذات جاه ومنصب فتاها وتراوده عن نفسه فتطلب منه مواقعتها، وبلغ ذلك امرأة العزيز فأرسلت إلى هؤلاء اللائمات من ذوات الثراء والجاه ودبرت لهنّ مكيدة حتى يعذرنها في حبّها وغرامها ليوسف عليه الصلاة والسلام فجمعتهنّ في منزلها وأعدّت لهنّ ضيافة تليقُ بحالهنّ، فقد هيأت لهن مكانًا أنيقًا فيه من النمارق والوسائد ما يتّكئنَ عليه، وقدمت إليهنّ طعامًا يحتاج إلى القطع وسكينًا، وقيل: ناولت كل واحدة منهُنّ أُترُجَّة – نوع من الفاكهة- وسكينًا وقالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أُعلمكنّ، ثم قالت ليوسف عليه السلام: اخرج عليهنّ، فلما خرج عليه السلام إلى مكان جلوس هؤلاء النسوة ورأينه بَهَرَهنّ حُسنه الفائق وتَشاغلن عمّا في أيديهنّ فصرن يحززنَ أيديهن ويقطعنها وهن يحسبنَ أنهن يقطعن الطعام والفاكهة، وهنَّ لا يشعرن بألم الجُرح، وأعلنَّ إكبارهن وإعظامهن لذلك الجمال الرائع الذي كان عليه سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، حيث ما ظننَّ أن يكون مثلُ هذا الجمال في بني ءادم. ثم قُلنَ: حاشَ لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا مَلَك كريم، عند ذلك باحت امرأة العزيز بحبها وشغفها بيوسف عليه السلام الذي بهرها جماله وملكَ عليها قلبها، وقالت للنسوة معتذرة في عشقها يوسف وحبها إياه: فذلكنَّ الذي لُمتني فيه، ثم مدحت يوسف عليه السلام بالعفة التامة والصيانة، واعترفت وأقرت لهنّ بأنها هي التي راودته عن نفسه وطلبت منه ما تريد ولكنه استعصم وامتنع، وأخبرتهنّ أنه إن لم يُطاوعها إلى ما تريدُ من قضاء شهوتها ليُحبسن في السجن ويكون فيه ذليلاً صاغرًا.

قال الله تبارك وتعالى: {وقالَ نسوةٌ في المدينةِ امرأتُ العزيزِ تراودُ فتاها عن نفسهِ قد شغفها حُبًّا إنَّا لنراها في ضلالٍ مبينٍ* فلمّا سمعت بمكرهنَّ أرسَلت إليهنَّ وأعْتَدَتْ لهُنَّ مُتَّكئًا وءاتَتْ كُلَّ واحدةٍ منهُنَّ سكينًا وقالتِ اخرُجْ عليهنَّ فلمَّا رأينهُ أكبرنهُ وقطعنَ أيديهنَّ وقُلنَ حاشَ للهِ ما هذا بشرًا إنْ هذا إلا ملكٌ كريمٌ* قالتْ فذلكُنَّ الذي لُمتني فيهِ ولقد راودتهُ عن نفسهِ فاستعصمَ ولئن لم يفعل ما ءامرهُ لَيُسجَنَنَّ وليكونًا من الصَّاغرينَ} [سورة يوسف].

وقامت النساء يحرضن يوسف عليه السلام على السمع والطاعة لسيدته ولكنه عليه السلام أبى أشد الإباء ودعا ربه مستغيثًا به فقال في دعائه: {ربِّ السِّجنُ أحَبُّ إليَّ ممَّا يدعونني إليهِ وإلا تَصْرِفْ عني كيدهُنَّ أصْبُ إليهنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهلينَ} [سورة يوسف]، يعني إن وكلتني إلى نفسي فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وأحطتني بحولك وقوتك. فاستجاب الله تعالى دعوة نبيه يوسف عليه السلام وصرف عنه كيدهن ونجّاه من ارتكاب المعصية معهن قال الله تعالى: {فاستجابَ لهُ ربُّهُ فصرفَ عنهُ كيدهُنَّ إنَّهُ هوَ السميعُ العليمُ} [سورة يوسف].

 

دخول يوسف عليه الصلاة والسلام السجن ودعوته فيه إلى دين الله وعبادة الله وحده

 

قال الله تعالى: {ثُمَّ بدا لهُم من بعدِ ما رأوا الأياتِ ليسجُنُنَّهُ حتى حينٍ} [سورة يوسف] يذكر الله تعالى عن العزيز وامرأته وغيرهما أنهم بدا لهم وظهر لهم من الرأي سجن يوسف مع علمهم ببراءته إلى وقت، ليكون ذلك تخفيفًا لكلام الناس في تلك القضية، وليظن الناس بحبس يوسف عليه السلام أنه هو الذي راودها عن نفسها ودعاها إلى ذلك، ولذلك سجنوا يوسف الصديق ظُلمًا وعُدوانًا من غير جريمة اقترفها وارتكبها، ودخل السجن مع يوسف عليه السلام فَتَيان أحدُهما رئيس سقاة الملك، والثاني رئيس الخبازين عنده، وكان الملك قد اتهمهما في دسّ السم له لاغتياله والتخلص منه، فسجنهما ورأى كل من ساقي الملك وخبازه في ليلة واحدة رؤيا شغلت فكرهما، أما الساقي فقد رأى كأن ثلاثة قضبان من الكرم والعنب قد أورقت وأينعت فيها عناقيد العنب فأخذها واعتصرها في كأس الملك وسقاه منها، ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضواري الطيور تأكل من السلة العليا، فقصّ كل من الساقي والخباز رؤييهما على يوسف عليه السلام وطلبا منه أن يفسر لكل واحد منهما رؤياه ويعبرها لهما بعدما أعلمهما يوسف عليه السلام وأعلم أهل السجن بأنه يعبّر الأحلام ويفسرها، وبعدما رأيا من يوسف الصديق في السجن من حُسن السيرة وعظيم الاخلاق وكثرة عبادته لربه ما أعجبهما أشد الإعجاب، يقول الله تبارك وتعالى: {ودخل معهُ السِّجنَ فَتَيانِ قالَ أحدُهما إني أراني أعصِرُ خمرًا وقالَ الآخرُ إني أراني أحملُ فوقَ رأسي خُبزًا تأكُلُ الطيرُ منهُ نبِّئنا بتأويله إنَّا نراكَ مِنَ المُحسنين} [سورة يوسف].

فلما استمع يوسف عليه السلام إلى الرجلين وسمع ما رأيا في منامهما من رؤيا قال لهما: {لا يأتيكما طعامٌ تُرزقانهِ إلا نَبَّأتُكُما بتأويلِهِ قبلَ أن يأتيكُما} [سورة يوسف] أي مهما رأيتما من حلم ومنام فإني أعبره وأفسره لكما قبل وقوعه فيكون كما أقول، ثم قال لهما: {ذلكما ممَّا علَّمني ربي إنِّي تركتُ مِلَّةَ قومٍ لا يؤمنونَ باللهِ وهُم بالآخرةِ هُم كافرون} [سورة يوسف].

أخذ نبي الله يوسف الصديق وهو في السجن يدعو إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الاصنام، فدعا الرجلين اللذين طلبا منه أن يفسر لهما رؤييهما إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام وأخذ يُصغر لهما أمر الأصنام ويحقرها لأنها لا تضرُّ ولا تنفع، وبيّن لهما أنّ ما هما عليه وءاباؤهم من عبادة أحجار هي عبادةٌ باطلة لأن الله تبارك وتعالى هو وحده الذي يستحق العبادة لأنه هو المتصرف في خلقه وهو الفعال لما يريد الخالق لكل شيء الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لقد أراد يوسف عليه السلام بحكمته أن يتحدث معهما في الأهم والأولى، وكانت دعوته لهما إلى عبادة الله وحده وإلى دين الإسلام في هذه الحال في غاية الكمال لأن نفوسهما كانت مُعظمة ليوسف عليه السلام سهلة الانقياد على تلقي ما يقول بالقبول، فناسب من نبي الله يوسف عليه السلام أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن يوسف عليه السلام وما قاله لصاحبيه في السجن: {إنِّي تركتُ مِلَّةَ قومٍ لا يؤمنونَ باللهِ وهُم بالآخرةِ هُم كافرون* واتَّبعتُ مِلَّةَ ءاباءي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ما كانَ لنا أن نُشركَ باللهِ مِن شيءٍ} [سورة يوسف] الآية أي اتبعت دين الإسلام دين ءابائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، {ما كانَ لنا أن نُشركَ باللهِ من شيء} أي إن الله عصمنا من الكفر والشرك فلم نشرك بالله ولم نعبد إلا الله وحده.

وقال لهما: {ذلكَ مِنْ فضلِ اللهِ علينا} [سورة يوسف] أي إنَّ اتباعنا الإيمان بتوفيق الله {وعلى الناسِ} يعني المؤمنين بأنه دلهم على دينه وهداهم للإيمان والإسلام.

ثم قال لهما: {يا صاحبَيِ السجنِ ءأربابٌ مُتَفرقونَ خيرٌ أمِ اللهُ الواحدُ القهَّارُ} [سورة يوسف]، فبيّن لهما أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد القهار الذي يستحق الألوهية بخلاف الأصنام صغيرها وكبيرها، ثم قال لهما: {ما تعبدونَ مِن دونِهِ إلا أسماءً سمَّيتموها أنتُم وءابؤُكم ما أنزلَ اللهُ بها مِن سُلطانٍ إنِ الحكمُ إلا للهِ أمرَ ألا تعبدوا إلا إيَّاهُ ذلكَ الدينُ القيِّمُ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون} [سورة يوسف].

بعد أن تحدث يوسف عليه السلام مع صاحبيه في السجن عن الأهم والأولى وهو دعوتهما إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، أخبرهما بعد ذلك بتأويل رؤياهما فقال للأول وهو الساقي: أما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يبعث إليك الملك بعد انقضائها فيردك إلى عملك ساقيًا.

ثم قال للخباز: السلال الثلاث ثلاثة أيام ثم يبعث إليك الملك عند انقضائهما فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك، قال الله تعالى إخبارًا عن يوسف عليه السلام: {يا صاحبيِ السجنِ أمَّا أحدُكما فيسقي ربَّهُ خمرًا وأما الآخرُ فيُصلبُ فتأكلُ الطيرُ من رأسهِ} [سورة يوسف].

يقال: إن الرجلين لما سمعا تأويل رؤييهما وتعبيرهما من يوسف عليه السلام قالا: ما رأينا شيئًا، فقال لهما: قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

وبعد أن عبّر وفسّر نبي الله يوسف عليه السلام رؤييهما طلب من الذي ظنه ناجيًا من هذين الرجلين وهو الساقي: {اذكرني عند ربكَ} [سورة يوسف] يعني اذكر أمري وما أنا فيه عند سيدك وهو الملك وأخبره أني محبوس ظُلمًا قال الله تعالى: {فأنساهُ الشيطانُ ذِكرَ ربِّهِ فلبثَ في السجنِ بِضعَ سنينَ} [سورة يوسف] أي فأنسى الناجي منهما الشيطانُ أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام، فلبث يوسف عليه السلام في السجن سبع سنوات، وكل هذا بمشيئة الله وإرادته.

تنبيه: تفسير كلمة ربك بالعزيز في الأول وبالملك في الثاني بمعنى السيد لأن يوسف كان صورة عبدًا مملوكًا للعزيز وهذا الثاني كان عبدًا مملوكًا للملك حقيقة وذلك جائز لغة أن يقول العبد المملوك لسيده ربي بمعنى الذي يصرفني في أموره لا بمعنى خالقي، وذلك لأن هذه الكلمة في لغة العرب لها معانٍ متعددة فهذا اللفظ يطلق بمعنى الخالق وهو الله تعالى، وبمعنى السيد المتصرف في شأن من يملكه، وبمعنى المصلح، وبمعنى المربي وغير ذلك، ولا يجوز شرعًا إطلاقه على غير الله مُعَرَّفًا بالألف واللام فلا يجوز أن يقال لغير الله الرب بل يجوز أن يقال فلان رب فلان أي سيده، ويجوز أن يقال فلان رب هذا البيت رب هذا البستان رب هذا الفرس ونحو ذلك بمعنى مستحق الانتفاع به، لكن لا يجوز أن يقال لشخص له متجر ومعمل رب العمال لأنه لا يملكهم إنما يستحق الانتفاع بهم في مقابل ما يدفعه من الأجرة لهم.

وذكر المفسرون في تفسير قول الله تعالى: {إنَّهُ ربِّي أحسنَ مَثوايَ}، أنه عنى الله وهذا أحسن من التفسير الآخر لأن يوسف لم يكن عبدًا مملوكًا ولا تطرأ عليه العبودية الحقيقية لخلق من خلق الله لكنه كان صورة مشترى على أنه عبد مملوك ليس حرًا.

 

رؤيا الملك وخروج يوسف عليه السلام من السجن وظهور براءته

 

يقول الله تبارك وتعالى: {وقالَ الملكُ إني أرى سبعَ بقراتٍ سِمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عِجافٌ وسبعَ سُنبلاتٍ خُضرٍ وأُخرَ يابساتٍ يا أيها الملأُ أفتوني في رُءيَاي إن كنتم للرءيا تعبرون* قالوا أضْغاثُ أحلامٍ وما نحنُ بتأويل الأحلامِ بعالمين} [سورة يوسف].

قدر الله تبارك وتعالى بتقديره الأزلي أسبابًا لخروج نبيه يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام، وذلك أن ملك مصر رأى في منامه سبع بقرات سمان خرجن من البحر وخرجت في ءاثارهن سبع بقرات هزال ضعاف فأقبلت على البقرات السمان فأكلتهن، فاستيقظ الملك من نومه مذعورًا، ثم نام ثانية فرأى سبع سنبلات خضر وقد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلتهن حتى أتين عليهن، فدعا أشراف قومه فقصها عليهم وطلب منهم أن يفتوه في رؤياه هذه، ولما لم يكن فيهم من يُحسن تعبيرها قالوا له: {أضغاثُ أحلامٍ وما نحنُ بتأويل الأحلامِ بعالمين} أي أخلاط أحلام من الليل وما نحن بتأويل الأحلام التي هذا وصفها بعالمين أي أنهم لا خبرة لهم بذلك، ولمّا سمع الناجي من السجن وهو ساقي الملك برؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف عليه السلام وما وصاه به، قال الله تعالى: {وقال الذي نجا منهما وادّكَرَ بعد أمّة} [سورة يوسف] أي تذكر بعد مدة من الزمان وهي بضع سنين التي قضاها يوسف عليه السلام في السجن: {أناْ أنبئكم بتأويله فأرسلون} [سورة يوسف] الآية أي الى يوسف، فأرسلوه الى يوسف عليه السلام فلمّا جاءه وقصّ عليه رؤيا الملك أجابه يوسف عليه السلام الى طلبه فعبّر منام الملك بوقوع سبع سنين في الخصب والرخاء ثم سبع سنين جدب وذلك تأويله قوله تعالى: {ثمّ يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاثُ الناس} [سورة يوسف] يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية {وفيه يعصرون} يعني ما كانوا يعصرونه من الأعناب والزيتون والسمسم وغيرها. فعبّر يوسف عليه السلام لهم رؤيا الملك ودلّهم على الخير وأرشدهم الى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم، وما يفعلونه من ادخار الحبوب في السنين السبع الأولى التي يكون فيها الخصب في سنبله الا ما يُرصد بسبب الأكل، لأن ادخار الحب في سنابله أبقى له وأبعد من الفساد، ثم يأتي بعدها سبع سنين مجدبة يحصل فيها الجدب والقحط فتأتي على المخزون من السنين السبع التي تقدمتها أي نصحهم عليه السلام أن يدخروا الحبوب في سنابله الا ما يرصد للأكل حتى اذا حلّ الجدب والقحط وجدوا في مخازنهم ما يسد الرمق ويمسك عنهم الضيق، حتى يأتي الله بالخصب والغيث، ففسر عليه السلام البقرات السمان بالسنين التي يكون فيها خصب، والبقرات العجاف بالسنين التي يكون فيها قحط وجدب، وكذلك السنبلات الخضر والسنبلات اليابسات، يقول الله تبارك وتعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {قال تزرعون سبع سنين دَأباً فما حصدتّم فذروه في سنبله الا قليلاً ممّا تأكلون* ثمّ يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكُلنَ ما قدّمتم لهنّ الا قليلاً ممّا تحصنون* ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يُعصرون} [سورة يوسف].


وقيل: ان ساقي الملك لمّا أرسل الى يوسف عليه السلام في السجن وقصّ عليه رؤيا الملك قال يوسف للساقي: قل للملك هذه سبع سنين مخصبات ومن بعدهن سبع سنين شداد الا أن يحتال لهن، فانطلق الساقي الى الملك فأخبره، فقال له الملك: ارجع اليه فقل له: كيف نصنع؟ فقال: {تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فَذَروه في سنبله الا قليلاً ممّا تأكلون* ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن الا قليلاً ممّا تحصنون} [سورة يوسف].


ولمّا رجع الساقي الى الملك وأخبره بتأويل رؤياه التي سمعها من يوسف عليه السلام وقع في نفسه صحة ما قال عليه السلام، وأدرك ما عند يوسف من علم وعقل تام ورأي سديد فقال: ائتوني بالذي عبر رؤياي، وأمر باحضاره اليه ليكون من جملة خاصته ومن المقربين اليه، فلما جاء رسول الملك الى يوسف عليه السلام أبى يوسف أن يخرج من السجن حتى يتبين لكل واحد أنه حُبس ظلماً وعدواناً وأنه برىء الساحة مما نسبوه اليه في شأن امرأة العزيز قال تعالى: {وقال الملك ائتوني به فلمّا جاءه الرسول قال ارجع الى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطّعن أيديهن انّ ربي بكيدهن عليم} [سورة يوسف].


أي ارجع الى سيدك وهو الملك فاسأله أن يتعرف ما شأن تلك النسوة اللاتي قطعن أيديهن فانّ الله عليم بكيدهن ليعلم صحة براءتي، وانما أشفق يوسف أن يراه الملك بعين الشاك في أمره أو متهم بفاحشة وأحب أن يراه بعد استقرار براءته عنده، فرجع رسول الملك الى الملك وأخبره بما قاله يوسف، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن ومعهن امرأة العزيز وقال لهن: {ما خطبكن} أي ما كان شأنكم وقصتكم اذ راودتن يوسف عن نفسه؟ فأجبنه وقلن للملك: {حاش لله ما علمنا عليه من سوء} وأنكرن أن يكنّ علمن عليه سوءاً، وأعلم النسوة الملك براءة يوسف من السوء الذي نسب اليه كذباً وبهتاناً.


ولما رأت امرأة العزيز أنّ يوسف عليه السلام الذي زجت به في السجن ظلما وعدوانا قد أكرمه الله تعالى لعصمته وطهارته حتى صار من اهتمام الملك به أنّه يستدعيه ليستخلصه لنفسه اعترفت بما اقترفته وقالت: {الآن حصحص الحق} أي ظهر الحق وصار واضحاً جلياً واعترفت بأنها هي التي راودته عن نفسه وطلبت منه فعل الفاحشة.


يقول تعالى اخبارا عما جرى بين الملك والنسوة: {قال ما خَطبُكنّ اذ راودتنّ يوسف عن نفسه قُلنَ حاشَ لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أناْ راودته عن نفسه وانّه لمن الصادقين* ذلك ليعلم أنى لم أخُنْهُ بالغيب وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين* وما أبَرّئُ نفسي انّ النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي انّ ربي غفور رحيم} [سورة يوسف].

 

يوسف عليه السلام بحضرة الملك

ولمّا ظهر وتبيّن للملك براءة يوسف عليه السلام ونزاهة ساحته عمّا كانوا نسبوه اليه رأى يوسفُ الصديق عليه السلام أن ليس هناك مانع من الخروج من السجن، فخرج وجاء يوسف عليه السلام الملك وكلمه فقال له الملك: انّك من اليوم لدينا ذو مكانة وأمانة، يقول الله تعالى في ذلك: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلمّا كلّمه قال انّك اليومَ لدينا مكين أمين} سورة يوسف].


وطلب يوسف عليه السلام من الملك أن يوليه النظر فيما يتعلق بخزائن الأرض، قيل: هي خزائن الطعام لما يعلم من عدله ولما يتوقع من حصول الخلل في خزائن الطعام بعد مُضي السنين التي يكون فيها الخصب لينظر فيها ويحتاط فيها للأمر، وأخبر ملك البلاد أنه قوي على حفظ ما لديه وأمين على خزائن الأرض وما يخرج منها من الغلات والخيرات عليم بوجوه تصريفها وضبطها، يقول تعالى: {قالَ اجعلني على خزائن الأرض اني حفيظ عليم} [سورة يوسف]. ولما سمع الملك ما يريد يوسف عليه السلام وما يطلب، استجاب طلبه واستعمله وولاه على خزائن الأرض في مصر، وقيل: ردّ اليه عمل وزيره السابق العزيز "قطفير" بعدما مات وهلك.


يقول الله تبارك وتعالى: {وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض يَتَبَوّأ منها حيث يشاء نُصيبُ يرحمتنا من نشاء ولا نضيع أجرَ المحسنين* ولأجر الآخرة خير للذين ءامنوا وكانوا يتقون} [سورة يوسف].


هذا وإن يوسف عليه السلام بعدما مكّنه الله في الأرض وفوضه الملك أمر مصر وخزائن الأرض كان يدعو أهل مصر الى دين الاسلام وعبادة الله وحده وأن لا يشرك به شىء بالحكمة والرفق، فآمن به من ءامن من أهل مصر وأحبوه لما وجدوا في دعوته من خير وسعادة ولما وجدوا فيه من تلطف معهم في المعاملة وحسن الخلق.

 

قدوم اخوة يوسف عليه السلام الى مصر لجلب الطعام

 

مرت السنين السبع المخصبة وأعدّ يوسف عليه السلام عدته فيها، واتخذ الخزائن وخزن الغلات في غلفها، ثم جاءت السبع سنين المجدبة واشتدّ الجَدبُ والقحط في أنحاء الأرض، فأما أهل مصر فصار يوسف عليه السلام يبيعهم من الطعام ما يكفيهم، وأحسّ أهل فلسطين في بلاد الشام بالجوع والبلاء الذي عمّ في كثير من البلاد وعلموا أن الطعام بمصر، وذاع أمر نبيّ الله يوسف عليه السلام الموكل على خزائن الطعام في الآفاق، وانتشر عدله ورحمته ورأفته، فقال يعقوب عليه السلام لأولاده: يا بنيّ انه قد بلغني أن بمصر ملكاً صالحاً فانطلقوا اليه وأقرئوه مني السلام وانتسبوا اليه لعله يعرفكم، فانطلق أولاده ومعهم الجمال والحمير لحمل الطعام ومعهم الثمن الى مصر لشراء قوت أهلهم، وقدموا مصر ودخلوا على يوسف عليه السلام فرءاهم فعرفهم وهم لم يعرفوه، لأنهم شاهدوا من لباسه وزيّه ما لم يكن عرفوه في أخيهم من قبل، وأما اخوته فهم على حالهم في ملبسهم ولغتهم ومنظرهم وحالهم، فجهز يوسف عليه السلام اخوته بجهازهم واعطاهم من الطعام ما جرت به عادته من اعطاء كل انسان حمل بعير بعد أن أكرمهم وأحسن ضيافتهم واظهر لهم السماحة والكرم، قال لهم: ائتوني بأخ لكم من أبيكم وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم؟ وذلك أنه رأى اخوته جميعاً الا شقيقه بنيامين وهو أصغر منه، فأخذ عليه السلام في استدراجهم حتى علم منهم حياته وأنه عند أبيه لم يسمح بمفارقته لشدة تعلق قلبه بمحبته فقالوا له: كنّا اثني عشر رجلاً فذهب منّا واحد وبقي شقيقه عند أبينا، فقال لهم عليه السلام: اذا قدمتم العام المقبل فأتوني به معكم وقد أحسنتُ نزلكم وضيافتكم ورغبهم ليأتوه به ثم رهبهم وأخبرهم أنهم ان لم يأتوه به فلن يعطيهم الطعام، فأخبروه بأنهم سيطلبونه من ابيه ويجهدون في طلبه.


وخشي عليه السلام ألا يكون عند اخوته البضاعة التي يُبادلون بها الطعام لما يرجعون به مرة ثانية، فأمر فتيانه ان يضعوا بضاعتهم التي جاءوا بها ليبادلوا بها الطعام وغيره في أمتعتهم من حيث لا يشعرون لعلهم يرجعون اليه مرة ثانية، وقد جعل يوسف عليه السلام ذلك ليكون وسيلة ليعود اخوته اليه قال الله تبارك وتعالى: {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ* وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ* فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ* قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ* وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة يوسف].

 

اخوة يوسف عليه السلام عند أبيهم يعقوب

 

عاد اخوة يوسف عليه السلام الى أبيهم يعقوب عليه السلام وجمالهم محملة بالطعال وقالوا له: يا أبانا ان عزيز مصر قد أكرمنا اكراماً زائداً وانّه ارتهن "شمعون" وقال: ائتوني باخيكم الصغير من أبيكم، فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربوا بلادي، فأرسل معنا أخانا بنيامين يكتل لنفسه كيل بعير ءاخر زيادة على كيلنا وانا لحافظون له من ان يناله مكروه معنا في سفره، قال الله تبارك وتعالى: {فلمّا رجعوا الى أبيهم قالوا يا أبانا مُنعَ منَا الكيل فأرسِل معنا أخانا نكتل وانا له لحافظون} [سورة يوسف].


ولمّا قال اخوة يوسف لأبيهم مقالتهم هذه ليحثوه على ارسال أخيهم الصغير معهم قال لهم يعقوب: {هل ءامَنُكُم عليه الاّ كما امنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين} [سورة يوسف] والمعنى هل ءامنكم على أخيكم من أبيكم الذي تسألونني ان أرسله معكم الا كما أمنتكم على أخيه يوسف من قبل، يريد بذلك أنه لم ينفعه الأمن منهم اذ خانوه وأفقدوه اياه، ثم بيّن لهم أن الله تبارك وتعالى خير حافظاً منهم وهو أرحم الراحمين بخلقه.

ثم انّ اخوة يوسف عليه السلام فتحوا متاعهم لاستخراج الطعام الذي أتوا به من مصر فوجدوا بضاعتهم [فضتهم] التي كانوا دفعوها ليوسف عليه السلام في مقابل ما أخذوه من الطعام بحالها لم تمس، فكان ذلك ممّا قوّى عزائمهم في الكلام مع أبيهم فقالوا له: يا أبانا ما نبغي! معناه أي شيء تريد بعد هذا وهذه بضاعتنا رُدّت الينا! فاذا سمحت بأخينا ليذهب معنا فاننا نجلب لأهلنا طعاماً ونحفظ أخانا ونزداد بسببه على أحمالنا من الطعام حمل بعير من الطعام يكال لنا وهذا يسير عند الملك الذي طلب منا أخانا.

قال الله تبارك وتعالى: {ولمّا فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدّت اليهم قالوا يا ابانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت الينا ونميرُ أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيلَ بعير ذلك كيل يسير} [سورة يوسف] وكان نبي الله يعقوب عليه السلام شديد التعلق بولده بنيامين لأنه يشمّ فيه رائحة أخيه يوسف عليه السلام ويتسلى به عنه، والظاهر أن القحط والجدب في بلاد يعقوب كان شديداً وقاسياً ممّا جعل يعقوب يسمح بسفر ابنه بنيامين مع اخوته الى مصر ولولا حاجته وحاجة قومه الى الميرة والطعام لما كان ليبعث ولده العزيز على قلبه معهم، قال الله تعالى: {قال لنْ أرسله معكم حتى تُؤتون مَوثقاً من الله لَتَأتُنّني به الاّ أن يُحاط بكم فلمّا ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل} [سورة يوسف] والمعنى: لن أرسل أخاكم الى عزيز مصر حتى تعطوني ميثاقاً وعهداً من الله أي تحلفوا بالله بأنكم تأتونني بأخيكم وترجعوا به الا أن تُغلبوا جميعكم عن الاتيان به.

ولمّا أعطى أولاد يعقوب عليه السلام أباهم عهدهم وميثاقهم على الوفاء بما اشترطه عليهم قال: الله على ما نقول وكيل أي شهيد، ولمّا أراد أولاد يعقوب عليه السلام الخروج من عند ابيهم والسفر الى مصر ليمتاروا ويجلبوا الطعام أوصاهم بعد أن أذن لأخيهم بنيامين في الرحيل معهم قال لهم: "يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة" حيث كان لمصر كما قيل: أربعة أبواب، حيث خاف عليهم أن يصيبهم أحد بالعين والحسد وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وأشكال حسنة جميلة، ثم بيّن لهم أنه لا يستطيع أن يدفع عنهم شيئاً مما قدره الله عليهم وشاءه لهم، لأنه لا رادّ لما قضى ولا مانع لما حكم، فمشيئته تعالى نافذة في كل شيء، يفعل ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء.

يقول الله تبارك وتعالى: {وقال يابني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شيء ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون* ولمّا دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يُغني عنهم من الله من شيء الا حاجةً في نفس يعقوب قضاها وانّه لذو علم لما علّمناه ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون} [سورة يوسف].

 

رجوع اخوة يوسف عليه السلام الى مصر ومعهم أخوهم بنيامين
ودخولهم على يوسف عليه السلام


رجع اخوة يوسف عليه السلام الى مصر ودخلوا من ابوابها المتفرقة كما أمرهم أبوهم يعقوب عليه السلام ثم دخلوا على يوسف الصديق عليه السلام فأنزلهم منزلا رحباً واكرمهم وأحسن ضيافتهم وقدّم لهم الطعام والشراب وأجلس كل اثنين من اخوته على مائدة واحدة، فبقي بنيامين وحيداً وقال بحزن ورأفة: لو كان أخي حيّاً لأجلسني معه، فسمع يوسف عليه السلام كلام أخيه من أبيه وأمه فضمه اليه وقال لاخوته الحاضرين: اني أرى هذا وحيداً فأجلسه معه على مائدته، فلمّا جاء الليل جاءهم بالفُرُش فنام كل اثنين من اخوته على فراش فبقي بنيامين وحيداً، فقال يوسف الصديق: هذا ينام معي. فلمّا خلا وانفرد به قال له: هل لك أخ من أمك؟ فقال له بنيامين: كان لي أخ من أمي فمات، فقال له: اني أنا أخوك يوسف فلا تبتئس أي لا تحزن ولا تبأس بما كانوا يعملون فيما مضى من حسدنا وما حرصوا على صرف وجه أبينا عنا ولا تعلمهم بما أعلمتك، قال الله تبارك وتعالى: {ولمّا دخلوا على يوسف ءاوى اليه أخاه قال اني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون} [سورة يوسف].

 

عمل يوسف عليه الصلاة والسلام لابقاء أخيه بنيامين عنده [1]

 

أكرم يوسف عليه الصلاة والسلام اخوته وأحسن ضيافتهم، ثم أوفى لهم الكيل من الطعام وحمّل بنيامين بعيراً باسمه كما حمّل لهم، ثم لمّا وفّاهم كيلهم وقضى حاجتهم جعل السقاية -وهو الاناء الذي يشرب فيه الملك ويكيل به الطعام وقيل: كان مرصعاً بالجواهر الثمينة- في رَحل أخيه ومتاعه واخوته لا يشعرون، فلمّا ارتحلوا مسافة قصيرة أرسلَ الطلب في أثرهم فأدركوهم ثم نادى مناد فيهم قائلا: أيتها العير - أي القافلة التي فيها الأحمال- انكم لسارقون قفوا، قيل: ثم وصل اليهم رسول يوسف ووكيله وأخذ يوبخهم ويقول لهم: ألم نكرم ضيافتكم ونوفّكم كيلكم ونحسن منزلتكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم وأدخلناكم علينا في بيوتنا وأنتم تسرقون؟.



فائدة: فان قيل: كيف نادى المنادي بأنهم سارقون وهم في الحقيقة لم يسرقوا؟ أجيب: أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف عليه السلام أمر بوضع السقاية في رحل أخيه، أو يكون المعنى انكم لسارقون فيما يظهر لمن لا يعلم حقيقة أخباركم. قال الله تعالى: {فلما جهّزهم بجَهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثمّ أذّنَ مؤذن أيتها العير انكم لسارقون} [سورة يوسف].


ولمّا أقبل المنادي ومن معه على اخوة يوسف يتّهمهم بالسرقة قال اخوة يوسف عليه السلام: ماذا تفقدون؟ أي ما الذي ضلّ عنكم وضاع؟ فقالوا لهم: نفقد صواع الملك ولمن جاء به ودلّ عليه فله حمل بعير من الطعام وأخبرهم المنادي أنه الكفيل بالوفاء بالحمل لمن ردّه.


يقول تعالى: {قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون* قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حملُ بعير وأناْ به زعيم} [سورة يوسف]. فلما سمع اخوة يوسف عليه السلام ما قاله المنادي ومن معه من حاشية الملك قالوا لهم: ما جئنا لنفسد ولسنا سارقين كما قال الله تعالى: {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كُنّا سارقين} [سورة يوسف] فحلفوا بالله وقالوا: أنتم تعلمون أننا ما جئنا للفساد والسرقة، ونفوا أن يكونوا سارقين، وهنا ردّ عليهم منادي الملك واصحابه: فما جزاء من توجد في متاعه سقاية الملك ان كنتم كاذبين في قولكم وما كنا سارقين، فأجابهم اخوة يوسف: انّ جزاء من توجد في متاعه ورحله سقاية الملك أن يُستعبد بذلك وقيل: ان هذه كانت سنة ءال يعقوب وهذه كانت من شريعتهم وهي شريعة يعقوب وهي أن السارق يُدفع ويسلم الى المسروق منه. {قالوا فما جزاؤه ان كنتم كاذبين* قالوا جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الطالمين} [سورة يوسف].

ولمّا قال اخوة يوسف عليه السلام مقالتهم وأن جزاء من توجد معه سقاية الملك أن يؤخذ ويستعبد فتّش رسول الملك الأوعية وبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيهم بنيامين مبتدئاً بالكبير ومنتهياً بالصغير لازالة التهمة وليكون أبلغ في الحيلة، فوجد سقاية الملك في وعاء أخيهم بنيامين فاستخرجها منه، فأخذ بنيامين وانصرف به الى يوسف عليه الصلاة والسلام، يقول الله تعالى: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثمّ استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك الا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} [سورة يوسف].


ومعنى قوله تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} أي لولا اعتراف اخوة يوسف بأن جزاء من وجد المسروق في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف عليه السلام على أخذ بنيامين منهم في سياسة وقانون ملك مصر حينئذ، وذلك لأنه كان من سياسة وقضاء الملك الحاكم وقانونه أنّ من سرق انّما يُضرب ويغرّم، وبيان ذلك أيضاً أنه لو أجرى يوسف أخاه على حكم الملك وقانونه وسياسته لما أمكن ليوسف الصديق عليه السلام أن يحبس أخاه بنيامين عنده، فأجرى الله على ألسنة اخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان ذلك مما ألهمه الله ليتوصل الى حجز بنيامين عنده لما سيترتب على ذلك الأمر من مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وأمه وأخوته وقومه ووفودهم اليه في بلاد مصر.


وأما معنى قوله تعالى: {نرفع درجات من نشاء وفوق كلّ ذي علم عليم} المعنى نرفع الدرجات بصنوف العطاء وأنواع الكرامات وأبواب العلوم وقهر الهوى والتوفيق كما رفعنا يوسف عليه السلام، {وفوق كلّ ذي علم عليم} أي فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم الى الله تبارك وتعالى الموصوف باحاطة علمه لكل شيء.

ولما شاهد اخوة يوسف عليه السلام رسول الملك ومناديه يستخرج سقاية الملك وصواعه من متاع بنيامين ملئوا غيظاً على بنيامين لما وقعوا فيه من الورطة والغم والهم {قالوا ان يَسرق فقد سرق أخ له من قبل} [سورة يوسف] يقصدون أخاهم يوسف عليه السلام، قيل: انهم يقصدون بذلك السرقة التي نسبوها ليوسف وهي أنه رأى مرة صنماً في بيت بعض أقاربه من جهة أمه، فأخذه وكسره وأتلفه فاعتبروا ذلك سرقة جهلاً بحقيقتها، وقيل: قصدوا بالسرقة أنه كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء والمساكين، وأخفى يوسف عليه السلام هذه التهمة في نفسه ولم يجاهرهم بها.


يقول الله تبارك وتعالى: {فأسرّها يوسف في نفسه ولم يُبدها لهم قال أنتم شر مكاناً والله بما تصفون} [سورة يوسف] ولمّا أراد يوسف عليه السلام أن يحبس بنيامين عنده ووجد اخوته أنه لا سبيل لهم الى تخليصه منه، سألوه أن يطلقه ويعطوه واحداً منهم بديلاً عنه وقالوا ليوسف: يا أيها العزيز انّ له أباً شيخاً كبيراً متعلق به مغرم بحبه فخذ أحداً منا بدلاً من بنيامين وأخل سبيله انّا نراك من المحسنين، قال تعالى: {قالوا يا أيها العزيز انّ له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه انّا نراك من المحسنين} [سورة يوسف].


لكن يوسف الصديق رفض اخلاء سبيل بنيامين وقال لاخوته ما حكاه الله عنه {قال معاذ الله أن نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده انّا اذاً لظالمون} [سورة يويف]. ولما استيأس اخوة يوسف عليه السلام من أخذ أخيهم من يوسف بطريق المبادلة وأن يجيبهم الى ما سألوه، خلا بعضهم ببعض واعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم وصاروا يتناجون ويتناظرون ويتشاورون ثم قال كبيرهم وهو روبيل: لقد أخذ أبوكم عليكم ميثاقاً وعهداً في حفظ أخيكم بنيامين وردّه اليه الا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به، وها أنتم تفرطون فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلن أزال مقيماً ها هنا في بلاد مصر لا أفارقها حتى يأذن لي أبي في القدوم أو يقدرني الله على ردّ أخي الى أبي، ثمّ أشار اليهم وطلب منهم الرجوع الى أبيهم يعقوب واخباره بما كان من سرقة أخيهم بنيامين لصواع الملك، وأنهم ما شهدوا عليه بالسرقة الا بما علموا من مشاهدة اذ وجدوا الصواع في أمتعته، ثم طلب منهم أخوهم الكبير روبيل أن يقولوا لأبيهم: ان كنت متهماً لنا ولا تصدقنا على ما نقول من أن ابنك سرق فاطلبوا منه أن يسأل أهل القرية التي كنّا فيها وهي مصر وأهل العير وهي القافلة التي أقبلنا فيها وانّا لصادقوك فيما أخبرناك، يقول تبارك وتعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ* ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ* وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [سورة يوسف].

 

رجوع اخوة يوسف الى أبيهم بعد حبس اخيهم بنيامين

 

رجع اخوة يوسف عليه السلام الى بلدهم فلسطين وهم مهمومون في ضيق وغم حيث أخوهم الصغير بنيامين الذي ائتمنهم عليه أبوهم محبوس عند عزيز مصر، وأخوهم الكبير روبيل مُتَخَلّف هناك في بلاد مصر لأجل أخيه بنيامين. ودخلوا على أبيهم يعقوب عليه السلام فأخبروه خبر أخيهم الصغير بنيامين وأخيهم روبيل كما طلب منهم أخوهم الكبير، فلم يدخل عليه هذا القول ولم يصدقهم وقال لهم والحزن يملأ قلبه: بل زيّنت لكم أنفسكم أمرأً هممتم به وأردتموه، فصبري على ما نالني من فقد ولدي صبر جميل لا جزع فيه ولا شكاية، عسى الله أن يأتيني بأولادي جميعاً فيردهم اليّ انّه هو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في أفعاله، قال تعالى: {قال بل سَوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً انّه هو العليم الحكيم} [سورة يوسف].

وتولّى وأعرض نبي الله يعقوب عليه السلام حزيناً على أولاده وهيّج حزنه الجديد على بنيامين وأخيه روبيل حزنه القديم على فلذة كبده يوسف عليه السلام وحرك ما كان كامناً، وقال: يا حزني على يوسف ويا أسفي الشديد عليه وأخذ يبكي بكاءً شديداً على يوسف حتى ابيضت عيناه من شدة الحزن والبكاء وذهب بصره وصار كاظماً لغيظه ممسكاً على حزنه لا يُظهره لأحد من أهله من شدة الأسف والشوق الى يوسف عليه السلام الذي فارقه ما يقارب الأربعين سنة، وظل نبي الله صابراً شاكراً لربه غير معترض، فهذا من جملة البلاء الذي يصاب به الأنبياء لرفع درجاتهم وعلو مقامهم، يقول الله تبارك وتعالى: {وتولّى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} [سورة يوسف].

ولمّا رأى أولاده قالوا له حزناً عليه: لا تزال تذكر يوسف ولا تفتر ولا تنقطع عن حبه حتى تكون حرضاً -اي تكون مريضاً في جسمك مشرفاً على الهلاك ويذيبك الحب والحزن عليه- او تكون من الموتى الهالكين، يقول الله تبارك وتعالى: {قالوا تالله تفتَؤا تذكر يوسف حتى تكون حَرَضاً أو تكون من الهالكين} [سورة يوسف].

ولما رأى يعقوب عليه السلام الغلظة والجفاء من أولاده في مخاطبتهم له قال لهم: انّما أشكوا بثي وحزني الى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، ثم طلب من أولاده، يذهبوا الى المكان الذي جاءوا منه في مصر وخلفوا فيه أخويهم ويتحسسوا ويلتمسوا أخبار يوسف وأخيه بنيامين ولا يقنطوا من رحمة الله وفرجه، قال الله تبارك وتعالى: {قال انّما أشكوا بثّي وحزني الى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون* يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف واخيه ولا تيأسوا من روح الله انّه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون} [سورة يوسف].

 

تعرف اخوة يوسف بيوسف عليه السلام

وعطفه عليهم واعترافهم بذنبهم

 


رجع اخوة يوسف عليه السلام الى مصر كما أمرهم أبوهم يعقوب عليه السلام وقصدوا يوسف عليه السلام في مصر في مُلكه، فلما دخلوا عليه قالوا متعطفين مترحمين: يا أيّها العزيز لقد مسّنا وأهلنا الحاجة والفقر وضيق الحال من الجدب والقحط وجئنا لحلب الطعام ببضاعة ضعيفة قليلة رديئة نبادلها بالطعام وهي لا يُقبل مثلها الا أن تتجاوز عنا وتقبلها منا، وطلبوا منه أن يوفي لهم الكيل ويتصدق عليهم بردّ أخيهم بنيامين عليهم، قال الله تعالى: {فلمّا دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضّرّ وجئنا ببضاعة مزجاة فأوفِ لنا الكيل وتصدّق علينا انّ الله يجزي المتصدقين} [سورة يوسف].

ولمّا سمع يوسف عليه السلام هذا الكلام من اخوته ورأى ما وصلوا اليه من سوء الحال رق قلبه وحنّ عليهم ورحمهم وبكى وباح لهم بما كان يكتمهم من شأنه، كاشفاً عن سرّه حاسراً عن جبينه الشريف قائلاً لهم: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه اذ أنتم جاهلون} [سورة يوسف] المعنى: ما أعظم ما ارتكبتم من قطيعة الرحم وتضييع الحق اذ فرّقتم بين يوسف وأخيه وسببتم بذلك الأذى والمكروه وأنتم جاهلون بعاقبة ما تفعلون بيوسف وما يؤول اليه أمره، يقول الله تبارك وتعالى: {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه اذ أنتم جاهلون} وعندما واجه يوسف عليه السلام اخوته بهذه الحقيقة تعجبوا وذهبت سكرتهم وتيقظوا وعرفوا الحقيقة أنه هو يوسف {قالوا أءنّك لأنت يوسف قال أناْ يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا انّه من يتّق ويَصبر فانّ الله لا يضيع أجر المحسنين} [سورة يوسف] فما أكبر وأعظم ما قاله نبيّ الله يوسف عليه السلام لاخوته تحدثاً بنعمة الله، وما أعظم نصحه لهم حيث بين لهم عاقبة من يتق الله ويصبر فيطيع الله مولاه، فيؤدي ما فرض الله، ويجتنب ما حرّم ونهى عنه، ويصبر على المصائب والشدائد ابتغاء الثواب من الله، وبيّن لهم أنّ الله لا يضيع اجر هؤلاء المتقين المحسنين، وأن الله تبارك وتعالى قد منّ عليه وعلى أخيه بما أسلفا من طاعة الله وتقواه وصبرهما على الأذى من جاني اخوتهما.


وعندما سمع اخوة يوسف عليه السلام كلام أخيهم وعظيم موعظته اعترفوا له بالفضل وعظيم القَدر والمنزلة، وانّ الله تعالى قد اختاره وفضّله عليهم بالعلم والحلم والفضل والمنزلة وما أعطاه وحباه من سائر الفضائل والمواهب، واعترفوا له بأنهم كانوا ءاثمين خاطئين بما ارتكبوا من تلك الأفاعيل الخسيسة.

يقول الله تبارك وتعالى: {قالوا تالله لقد ءاثرك الله علينا وان كنّا لخاطئين} [سورة يوسف] وعندما اعترف اخوة يوسف عليه السلام باثمهم وخطئهم ووقفوا بين يدي أخيهم يوسف عليه السلام ملك مصر والحاكم النافذ الكلمة على بلاد مصر وخزائنها، وهم ينتظرون حكم اخيهم عليهم {قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} [سورة يوسف] أي لست أعاتبكم ولا أعيركم بعد هذا اليوم أبدا بما صنعتم.

 

سؤال يوسف عليه السلام عن أبيه وتوقع الفرج بلقائه

 

ولما عرّفهم يوسف عليه السلام بنفسه سألهم عن حال أبيه الذي طال الفراق بينهما واشتد به الشوق والحنين للقائه قالوا: قد هزل جسمه ولان عظمه وذهب بصره من شدة البكاء والحزن فأخذت يوسف عليه السلام الشفقة والرحمة على أبيه يعقوب، ثم أعطاهم قميصه وهو الذي يلي جسده الشريف، وأمرهم أن يذهبوا به فيضعوه على عيني أبيه فانّه يرجع اليه بصره ويعود بصيراً كما كان سابقاً وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوة، ثم أمرهم أن يأتوا بأهاهم أجمعين الى ديار مصر الخيرة.
يقول الله تبارك وتعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً وأتوني بأهلكم أجمعين} [سورة يوسف].


وكان يوسف عليه السلام لمّا أعطاهم قميصه ليذهبوا به الى أبيه، قال له أخوه يهوذا: أنا أذهب به اليه لأني ذهبت اليه بالقميص ملطخاً بالدم وأخبرته أن يوسف أكله الذئب، فأنا أخبره أنه حي فأفرحه كما احزنته، وكان هو البشير، وقيل: خرج حافياً يعدو ليبشر أباه يعقوب، قيل: ولمّا خرجت القافلة التي فيها اخوة يوسف عليه السلام وانفصلت عن أرض مصر متوجهة الى أرض كنعان في فلسطين، وكان يعقوب عليه السلام يتوقع الفرج بلقاء ابنه يوسف الصديق بعد طول بعاده وطول حزنه عليه، وهبّت ريح الصّبا التي يستروح بها كل محزون ومكروب، فذهبت بريح يوسف الصديق بمشيئة الله وقدرته الى يعقوب عليه السلام، وبين يوسف ويعقوب مسافات طويلة، قال يعقوب لأبنائه: اني لأجد وأشم ريح يوسف لولا خوفي من أن تسفهوني وتنسبوا اليّ ضعف العقل.

يقول الله تبارك وتعالى: {ولمّا فصلت العير قال أبوهم اني لأجد ريح يوسف لولا أن تُفَنِدون} [سورة يوسف]. فقالوا له: تالله انك في حبّ يوسف وذكره لفي ضلالك القديم، في اعتقادك أن يوسف باقي الى اليوم يقول تعالى: {قالوا تالله انّك لفي ضلالك القديم} [سورة يوسف].
كانوا في الأول مسلمين ولكن لما أهانوا أباهم صاروا مرتدين ثم لما اجتمعوا بيوسف وعدهم أن يطلب لهم المغفرة بالاسلام.
وقال بعض العلماء: في خطئك القديم معناه كما كنت مخطئاً في ايثار يوسف علينا بعدُ أنت على ذلك الخطأ.
ونحن نقول أسلموا ولكن ما طلع منهم نبي الا في ذريتهم الأسباط، وقول بعضهم انهم بعد ذلك صاروا أنبياء غير صحيح، لكن أخوه الأصغر بنيامين الذي ما شاركهم يجوز أن يكون نبياً لذلك يوسف أفرده من بينهم.


فائدة: الأسباط توالدوا في أيام يوسف الى زمن فرعون فصاروا نحو ستمائة ألف من الرجال ثم خلصهم موسى من فرعون الذي كان هدم مساجدهم، وقد أوحى الله الى موسى أن يجعلوا بيوتهم قبلة فصاروا يصلون في بيوتهم قال الله تعالى: {وأوحينا الى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصرَ بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} [سورة يونس].

 

البشارة بقرب اجتماع يوسف بأبيه يعقوب عليهما السلام

 

لم يطل الانتظار حتى جاء البشير يعقوب عليه السلام فبشره بلقاء يوسف عليه السلام، ثم ألقى البشير قميص يوسف على وجهه فعاد مبصراً بعينيه كما كان سابقاً بعدما كان ضريراً، وقيل: انه لما جاء البشير يعقوب قال له: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الاسلام، قال: الآن تمت النعمة، ثم قال لأولاده: ألم أقل لكم اني أعلم من سلامة يوسف ما لا تعلمون وأن الله سيجمع شملي بيوسف.

يقول الله تبارك وتعالى: {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيراً قال ألم أقل لكم اني أعلم من الله ما لا تعلمون} [سورة يوسف]. ولما اجتمع عند نبي الله يعقوب عليه السلام أولاده ورأوا قميص يوسف وخبره طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم الله عز وجل عما ارتكبوا وفعلوا من الاساءة في حق أخيهم يوسف وأبيهم لأن أباهم نبي مجاب الدعوة.


فأجابهم أبوهم الى ما سألوا وأخبرهم أنه سوف يستغفر ربه لهم انه هو الغفور الذي يغفر الذنوب الرحيم بعباده، يقول الله تبارك وتعالى: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا انّا كنّا خاطئين* قال سوف أستغفر لكم ربي انّه هو الغفور الرحيم} [سورة يوسف].

فائدة: قيل: ان يعقوب عليه السلام أرجأ الاستغفار لأولاده عندما سألوه أن يستغفر الله لهم لانتظار الوقت الذي هو مظنة الاجابة، وقيل: أرجأهم الى وقت السحر.

 

لقاء يوسف الصديق لأبيه يعقوب واخوته وتصديق وتفسير رؤياه

 

روي أنه بعث يوسف عليه السلام مع البشير الى يعقوب جهازاً ومائتي راحلة وسأله أن يأتيه بأهله وأولاده، فلمّا ارتحل يعقوب عليه السلام هو وأولاده وجميع أهله من بلاد الشام في فلسطين ودنا من بلاد مصر للقاء يوسف الصديق ملك مصر، استأذن يوسف عليه السلام الملك الذي فوقه في تلقي يعقوب عليه السلام واستقباله، فأذن له وأمر الملأ من أصحابه بالركوب معه، فخرج عليه السلام في أربعة ءالاف من الجند وخرج معهم أهل مصر، وقيل ان الملك العام خرج معهم أيضاً، وعندما جاء يعقوب عليه السلام مع أهله وأولاده الى مصر دخلوا على يوسف عليه السلام فأوى اليه أبويه واجتمع بهما خصوصا وحدهما دون اخوته، ورحب بأهله وقال لهم: ادخلوا مصر واستوطنوا ءامنين مطمئنين، قيل: وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم ثلاثة وستين انسانا، ورفع يوسف عليه السلام أبويه على العرش أي أجلسهم معه على سرير المملكة، ثم خرّ له أبوه وأمه واخوته الأحد عشر وسجدوا له سجود تحية لا سجود عبادة ليوسف عليه السلام وكان هذا جائزاً لهم في شريعتهم، ولم يزل ذلم معمولا به في سائر شرائع الأنبياء حتى حرّم الله ذلك في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. يقول الله تبارك وتعالى: {فلما دخلوا على يوسف ءاوى أبويه وقال ادخلوا مصر ان شاء الله ءامنين* ورفع أبويه على العرش وخروا له سجّداً} [سورة يوسف] ثم قال نبي الله يوسف عليه السلام لأبيه يعقوب: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل، أي ان هذا السجود الذي سجدته أنت وأمي واخوتي لي هو تصديق وتعبير الرؤيا التي كنت رأيتها من قبل، وقيل: ان المدة التي كانت بين رؤيا يوسف عليه السلام وبين تأويلها وتحقيقها أربعون سنة، ثم قال: وقد أحسن بي ربي اذ أخرجني من السجن، أي بعد الهم والضيق والحزن وجعلني ملكاً وحاكماً نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت، وقد جاء بكم ربي بمشيئته وقدته من البادية من بعد ما أفسد الشيطان بيني وبين اخوتي بما فعلوا من تلك الأفاعيل الخسيسة، ان الله هو العليم بجميع الأمور فلا يخفى عليه شيء.


ثم ان يوسف عليه السلام لما رأى نعمة الله عليه قد تمت وشمله مع أبيه واهله قد اجتمع، أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم احسانه وفضله وسأله أن يتوفاه ويميته على الاسلام الذي فيه السعادة الأبدية في الآخرة، وسأل الله تبارك وتعالى: {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي اذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي انّ ربي لطيف لما يشاء انّه هو العليم الحكيم* ربّ قد ءاتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليّ في الدنيا والآخرة توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين} [سورة يوسف].

 

وفاة يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام



يقال ان يوسف عليه الصلاة والسلام عاش بعد جمع شمله مع أهله ثلاثا وعشرين سنة، وقيل: عاش: مائة وعشر سنوات. وكانت وفاته بعد مولد جده ابراهيم عليه السلام باحدى وستين وثلاثمائة سنة.

ويروى أن يوسف عليه السلام أوصى أن يحمل جسده اذا مات من مصر ويدفن عند ءابائه، فحمله موسى عليه السلام لما خرج ببني اسرائيل، روى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما قبض نبي الا ودفن حيث قبض".

روى ابن حبان وصححه أن موسى عليه السلام عند خروجه من مصر الى الشام اهتدى للمكان الذي دفن فيه يوسف فأخرجه فحمل عظامه أي جثته الى الشام فدفنه في الشام، وليس المراد بالعظام أن التراب كان أكل جلده ولحمه بل هذا تعبير من باب اطلاق الجزء وارادة الكل كما قال الشاعر في رثاء طلحة الطلحات:
رحم الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات

فان طلحة حين دفن دفن كما هو.

 

الهامش:

 

[1] فعل يوسف ذلك لمصلحة دينية، حتى يحصل على استبقاء أخيه بنيامين عنده.

قال الله تبارك وتعالى: {وإلى مَدْيَنَ أخاهُم شُعيبًا قالَ يا قومِ اعبُدوا اللهَ ما لكُم مِنْ إلهٍ غيرُهُ} الآية [سورة الأعراف].

 

نسبه

 

قيل هو شعيب بن ميكيل بن يَشجر بن مدين من ذرية إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وقيل هو ابن بنت نبي الله لوط، وقيل غير ذلك، وإن أمه بنت لوط، وهو من الأنبياء الأربعة العرب لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر عند ذكر الأنبياء والرسل: "أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر"، رواه ابن حبان.

وكان مشهورًا بالفصاحة وعلو العبارة، وببلاغته في دعوة قومه إلى الإيمان والإسلام.

 

عدد مرات ذكره عليه السلام في القرءان الكريم

 

ذُكر نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام في القرءان عشر مرات، في سورة الأعراف وفي سورة هود وفي سورة الشعراء وفي سورة العنكبوت.

 

قبيلة مدين ومكان إقامتهم

 

كان أهل مدين قومًا عربًا يسكنون في بلاد الحجاز مما يلي جهة الشام قريبًا من خليج العقبة من الجهة الشمالية، ومدنتهم "مدين" كانت قريبة من أرض مَعان من أطراف الشام وهي قريبة من بحيرة قوم لوط وكانوا بعدهم بمدة قريبة لقوله تعالى حكاية عن نبيه شعيب: {وما قومُ لوطٍ منكُم ببعيدٍ} [سورة هود]، ومدين قبيلة عرفت بهم وهم من بني مدين بن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.

وكانوا على دين إبراهيم – الإسلام- الذي هو دين جميع الأنبياء ولكنه لم يطل بهم العهد حت غيّروا دينهم الحق وكفروا بالله وعبدوا غير الله، وانحرفوا عن الصراط المستقيم فغرتهم الحياة الدنيا ومتاعها الفاني، فقد كانوا أصحاب تجارة وسلع وكانوا على الجادة التجارية الكبيرة بين اليمن والشام وبين العراق ومصر على ساحل البحر الأحمر ولكنّ حبّ المال سيطر على قلوبهم وأعماهم عن اتباع الحق، فقد كانوا يعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك حَوْلها غيصة وهي أشجار ملتفة على بعضها، وزيادة على كفرهم وضلالهم فقد كانوا ينقصون المكيال والميزان ويُطففون فيهما، أي يأخذون مع الزيادة ويدفعون مع النقصان ويأكلون المال الحرام. ولم يكتفوا بهذه المعاملة السيئة بل كانوا يقطعون الطريق على المارة، ويتعرضون للقوافل فيتوعدونها ويخيفونها ويعيثون في الأرض فسادًا.

 

إرسال نبي الله شعيب إلى قبيلة مدين

ودعوته قومه إلى دين الإسلام

 

وسط هذا المجتمع الفاسد والكفر والضلال الذي كانت تعيش فيه قبيلة مدين حيث كانوا يُفسدون في الأرض ولا يصلحون، بعث الله فيهم رجلاً منهم هو رسول الله شعيب عليه الصلاة والسلام فدعاهم إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده لا شريك له لأنه هو الذي يستحق العبادة وحده دون غيره، ونهاهم عليه السلام عن المفاسد والأفاعيل القبيحة التي كانوا واقعين فيها، وأمرهم بالعدل والميزان بالقسط وأن لا يبخسوا الناس حقوقههم، وأن لا يقطعوا الطرق على المارة ويأخذوا أموال الناس بالباطل.

قال الله تبارك وتعالى: {وإلى مدينَ أخاهُم شُعيبًا قالَ يا قومِ اعبُدوا اللهَ ما لكُم مِن إلهٍ غيرُهُ ولا تَنقصوا المِكيالَ والميزانَ إنِّي أراكُم بخيرٍ وإنِّي أخافُ عليكُم عذابَ يومٍ محيطٍ* ويا قومِ أَوْفوا المِكيالَ والميزانَ بالقِسطِ ولا تبخسوا الناسَ أشياءَهُم ولا تعثوا في الأرضِ مُفسدينَ} [سورة هود].

 

دعوة شعيب قومه إلى الإسلام

 

دعا نبي الله شعيب عليه السلام قومه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة غير الله ونهاهم عن الظلم والفساد وأخذ أموال الناس بالباطل عن طريق النقص في المكيال والميزان، ولكن لم يؤمن بدعوته إلا العدد القليل من قومه مع أنهم كانوا في بحبوحة العيش والرزق، فقد بسط الله عليهم الرزق في عيشهم استدراجًا منه لهم وابتلاءً مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى وعدم شكرهم لله على ما أعطاهم ورزقهم من النعم الوفيرة. وقد بيّن لهم نبيهم وذكّرهم بما وسَّع الله عليهم من الخير والرزق علّهم يقبلون دعوته فيعبدون الله وحده ولا ينقصون المكيال والميزان وينتهون عن الفساد في الأرض، قال الله تعالى: {قالَ يا قومِ اعبُدوا الله ما لكم من إلهٍ غيرهُ قد جاءتكم بيّنةٌ من ربِّكم فأوفوا الكيلَ والميزانَ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين} [سورة الأعراف].

فأمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم من أجل حب المال وتكثيره، وتوعدهم بالعذاب الأليم الذي ينتظرهم إن هم استمروا على كفرهم بالله ولم يؤمنوا بدعوته واستمروا على ظلم الناس وأخذهم أموالهم بالباطل وقطعهم الطرق على المارة فقال لهم: {ولا تقعدوا بكلِّ صراطٍ تُوعدونَ} [سورة الأعراف] أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم وبذلك تخيفون المارة وترعبونهم، وحذرهم نبي الله عن صد الناس عن الإيمان وإيذاء المؤمنين مع هذا الفساد في الارض الذي كانوا يمارسونه والجرائم التي كانوا يرتكبونها، قال تعالى إخبارًا عن نبيه عليه السلام فيما نهى عنه قومه وحذرهم: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدونَ وتَصُدُّونَ عن سبيلِ الله مَنْ ءامنَ بهِ وتبغونها عِوَجًا واذكروا إذ كنتم قليلاً فكَثَّركم وانظروا كيف كانَ عاقبة المفسدين} [سورة الأعراف].

 فقد ذكرهم شعيب عليه السلام نعمة الله عليهم في تكثيرهم بعد القلة، وحذرهم نقمة الله بهم وعذابه الأليم الذي ينتظرهم في الدنيا والآخرة إن هم خالفوا أمره واستمروا على ضلالهم وبذلك يخسرون الدنيا والآخرة ويبوءون بالصفقة الخاسرة، وذلك هو الخسران المبين.

وأخذ نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام يبسط لقومه في الكلام وهو يدعوهم للمعروف وينهاهم عن المنكر والفساد فأراد أن يخرجهم من التعلق بالدنيا وزخارفها ويُبين لهم أن أخذ المال وجمعه بالحلال خير لهم من أخذه بالظلم والخيانة وبطرق الحرام فقال لهم برفق وحكمة: {بَقيَّتُ اللهِ خيرٌ لكم إنْ كنتم مؤمنينَ وما أناْ عليكم بحفيظٍ} [سورة هود] أي ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم إن كنتم مؤمنين من أخذ أموال الناس بالتطفيف والظلم والخيانة.

والقليل من الحلال خير من الكثير من الحرام الخبيث، وذلك لأن الحلال مبارك فيه وإن قلّ، والحرام محموقٌ لا بركة فيه وإن كثر، كما قال تعالى: {يَمْحَقُ اللهُ الرِبَوا ويُربي الصَّدقاتِ} [سورة البقرة]، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قُلّ" أي إلى قلة، رواه أحمد.

فأراد شعيب عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أنه ناصحٌ لهم فيما دعاهم إليه ونصيحته إليهم خالصة لله وما هو عليهم بحفيظ وأما الله تبارك وتعالى فهو الرقيب عليهم في جميع تصرفاتهم وأعمالهم العليم بأحوالهم لا تخفى عليه خافية لأنه هو الذي خلقهم، قال تعالى: {وما أناْ عليكُم بحفيظٍ} [سورة هود].

 

جواب قومه وكيف واجهوا دعوته

 

واجه قوم شعيب دعوته عليه الصلاة والسلام بعد كل هذه المحاولات والنصائح بالسخرية والاستهزاء وعدم الاستجابة لدعوته والتكبر عن اتباع الحق وقالوا له على سبيل التهكم والاستهزاء: {أصَلواتُكَ تأمُرُكَ أن نتركَ ما يعبُدُ ءاباؤنا أو أن نفعلَ في أموالِنا ما نَشَؤا إنَّكَ لأنتَ الحليمُ الرَّشيدُ} [سورة هود].

أي أصلاتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن نترك ما كان يعبد ءاباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون ونعبد الله وحده، وألا نتعامل في أموالنا كيف نشاء وكما نريد فنترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها، وهذا منتهى السفه والعمى والتكبر عن اتباع الحق الذي جاء به نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام وأمر قومه باتباعه، حتى إن قومه الخبثاء قالوا له على وجه الاستهزاء والسخرية {إنك لأنتَ الحليمُ الرشيد} وإزاء هذا الاستهزاء والعناد والضلال الذي واجه به قوم مدين نبيهم شعيبًا عليه السلام استمر نبي الله شعيب يدعوهم إلى الحق والهدى بأبين إشارة وبالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: {قالَ يا قومِ أرءيتُم إن كنتُ على بيّنةٍ مِن ربي ورَزَقني منهُ رزقًا حسنًا وما أريدُ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إنْ أريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعْتُ وما توفيقي إلا بالله عليهِ توكلتُ وإليهِ أُنيبُ} [سورة هود].

ثم انتقل نبي الله شعيب في دعوته لقومه إلى نوع ءاخر من الترهيب فقال لهم: {ويا قومِ لا يَجْرِمَنَّكُم شِقاقي أن يُصيبكم مثلُ ما أصابَ قومَ نوحٍ أو قومَ هودٍ أو قومَ صالحٍ وما قومُ لوطٍ منكم ببعيدٍ} [سورة هود].

أي لا يحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم ومخالفتكم لما جئتكم به من الهدى والحق، فيُحل الله بكم العذاب والنكال نظير ما أحله بأمثالكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين لأنبيائهم. ثم قال لهم {وما قوم لوط منكم ببعيد} [سورة هود] معناه في الزمان أي لقد بلغكم ما حلّ بقوم لوط الذين كذبوا نبيهم لوطًا عليه السلام جزاءً لكفرهم وعتوهم وتكبرهم عن اتباع نبيهم لوط، ثم رغبهم بالتوبة إلى الله بالدخول في دين الإسلام فقال لهم: {واستغفروا ربَّكم ثمَّ توبوا إليهِ إنَّ ربي رحيمٌ ودودٌ} [سورة هود] أي أقلعوا عما أنتم فيه من الكفر وعبادة غير الله وادخلوا في دين الإسلام وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب إلى الله تاب عليه فإنه رحيم بعباده وهو الودود الذي يحب عباده المؤمنين ويحبه عباده المؤمنون.

 

فائدة: إن قول شعيب لقومه {واستغفروا ربكم ثمَّ توبوا إليه} الآية [سورة هود] ليس المقصود به أن يقولوا أستغفر الله لتقبل توبتهم عند الله، وإنما المعنى: ادخلوا في دين الإسلام ليغفر لكم الكفر، قال تعالى: {قُلْ للذينَ كفروا إن يَنتهوا يُغفر لهم ما قد سَلَفَ} بيَّنت هذه الآية أن استغفار الكافر أن يقلع عن كفره فيؤمن بالله ورسوله لأن قول أستغفر الله لا ينفع من كفر بل يزيده كفرًا لأن معنى قوله أستغفر الله تكذيب لله لأن الله أخبر في القرءان بأنه لا يغفر للكافر ما دام على كفره لأن توبة الكافر تكون بالدخول في دين الإسلام ولا تكون بقول أستغفر الله، يقول تعالى: {قُل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف} [سورة الأنفال].

 

استمرار قوم شعيب على ضلالهم وتجاهلهم دعوة

نبي الله وتهديده بالقتل

 

رغم المحاولات العديدة والأساليب المختلفة التي بذلها نبي الله شعيب في دعوة قومه إلى الدين الحق وترك المنكرات والقبائح التي كانوا يفعلونها، تجاهل قومه الخبثاء دعوته واستمروا على جهلهم وضلالهم وكفرهم وردوا عليه بالسخرية والاستهزاء.

قال الله تبارك وتعالى إخبارًا عن قوم شعيب: {قالوا يا شعيبُ ما نَفْقَهُ كثيرًا مما تقولُ وإنَّا لنراكَ فينا ضعيفًا ولولا رهطُكَ لرجمناكَ وما أنتَ علينا بعزيز} [سورة هود].

ويُشبه هذا الذي ردوا به على نبيهم ما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {وقالوا قلوبنا في أكنَّةٍ مما تدعونا إليهِ وفي ءاذاننا وَقْرٌ ومن بيننا وبينك حجابٌ} الآية [سورة فصلت].

ولم يكتفوا باستكبارهم عن اتباع الحق الذي جاء به نبيهم بل واجهوه بأنهم لولا عشيرته وقبيلته لرجموه بالحجارة حتى القتل وتخلصوا منه، فقال لقومه: {أرَهْطي أعَزُّ عليكُم من اللهِ واتَّخَذتُمُوهُ وراءَكُم ظِهريًّا إنَّ ربي بما تعملون محيطٌ} [سورة هود] أي أتخافون من قبيلتي وعشيرتي وتراعونني بسببهم وخوفًا منهم ولا تخافون عذاب الله، وجعلتم أمر الله وراء ظهوركم لجهلكم وتكبركم، والله سبحانه عليم بما تعملونه لا يخفى عليه شيء، محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم القيامة.

 

إهلاك قوم شعيب وسوء عاقبتهم

 

تمادى قوم نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام في غيّهم وضلالهم، واستمروا على عنادهم في تكذيب نبيهم ورد دعوته، ولم يردهم تذكير نبيهم شعيب ونصيحتهم عن بغيهم وظلمهم وتكبرهم، بل إنهم استمروا على تكذيبه واستهزءوا بما توعدهم به من العذاب الأليم، فإنهم قالوا له: {قالوا إنَّما أنت من المُسَحَّرينَ* وما أنتَ إلا بشرٌ مثلُنا وإن نظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبينَ* فأسقط علينا كِسفًا منَ السماءِ إن كنتَ مِنَ الصادقينَ} [سورة الشعراء]، {وقالَ الملأ الذينَ كفروا من قومه لئن اتَّعتم شُعيبًا إنَّكم إذًا لخاسرونَ} [سورة الأعراف].

ولما رأى نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام عناد قومه وتصميمهم على تكذيبه ورد دعوته، عند ذبك استفتح على قومه واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه من العذاب، ودعا الله مجيب الدعوات عليهم فقال: {ربَّنا افتح بيننا وبينَ قومِنا بالحقِّ وأنتَ خيرُ الفاتحينَ} [سورة الأعراف].

فأنزل الله القوي المتين العذاب الشديد على قوم شعيب وجعلهم عبرةً لمن اعتبر، قال الله تعالى: {فأخذتهم الرَّجفةُ فأصبحوا في دارهم جاثمينَ} [سورة الأعراف] أي رجفت بهم أرضهم وزُلزلت بمشيئة الله وقدرته زلزالاً شديدًا أزهقت جُثثهم جاثيةً لا أرواح فيها ولا حركات ولا حواس، ولقد جمع الله العزيز المنتقم على قوم شعيب الذين كذبوا نبيه وءاذوه أنواعًا من العقوبات وأشكالاً من البليات، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات ولما صمموا عليه من أنواع الكفر والضلال، فقد سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت حركاتهم، وصيحة عظيمة أخمدت أصواتهم، وظُلّة سحابٍ أرسل عليهم منها شرر النار الملتهبة في سائر جهاتهم فأهلكوا جميهم، يقول الله عز وجل: {فأخذهُم عذابُ يومِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عذابَ يومٍ عظيمٍ} [سورة الشعراء] وذلك أنهم أصابهم حرٌّ شديد وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة فوجدوا لها بردًا ولذة فنادى بعضهم بعضًا، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيها أرسلها الله العزيز القوي عليهم ترميهم بشرر وشُهُبٍ، ورجفت بهم الأرض وجاءتهم صيحة قوية من السماء فأزهقت أرواحهم، والله عزيز ذو انتقام، يقول تعالى في محكم تنزيله: {وكذلكَ أخْذُ ربِّكَ إذا أخذَ القُرى وهيَ ظَلمةٌ إنَّ أخْذَهُ أليمٌ شديدٌ} [سورة هود].

ونجّى الله تبارك وتعالى نبيه وحبيبه شعيبًا عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين ونصرهم على القوم الكافرين يقول تعالى: {إنَّا لننصرُ رُسلنا والذينَ ءامنوا في الحياةِ الدُّنيا ويومَ يقومُ الأشهادُ} [سورة غافر].

وأعرض نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام عن قومه بعد أن أهلكهم الله بهذا العذاب الأليم، ونعاهم إلى أنفسهم مُوَبِّخًا ومُؤنبًا ومقرّعًا قال الله تبارك وتعالى: {فتوَلَّى عنهُم وقالَ يا قومِ لقد أبلغتكم رسالاتِ ربي ونصحتُ لكم فكيف ءاسى على قومٍ كافرينَ} [سورة الأعراف] المعنى لقد أديتُ ما كان واجبًا عليّ من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه فلم تنتفعوا بذلك، ولستُ أتأسف وأحزن بعد هذا عليكم، ذلك لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة.

 

وفاة نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام

 

وقد عاش سيدنا شعيب عليه الصلاة والسلام مدة من الزمن بعد هلاك قومه بعد أن أدى الأمانة وبلّغ ما أمره الله بتبليغه، وجاهد في الله حق جهاده، ومات عليه الصلاة والسلام في الأردن ودفن فيها وقبره هناك في وادٍ يسمى بوادي شعيب، وهو مقام معروف ومشهور هناك، ويقال إنه مات بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم. والله أعلم.