قال الله تعالى: {وانَّ لوطاً لمنَ المرسلين} [سورة الصافات] وقال تعالى: {ولوطاً اذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون* أئنكم لتأتون الرجال شهوةً من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون} [سورة النمل].



عدد المرات التي ذكر فيها لوط في القرءان الكريم



لوط عليه الصلاة والسلام هو من الأنبياء والرسل الكرام، وقد ذكره الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم سبعاً وعشرين مرة، في الأعراف وهود والحجر والشعراء والنمل وغيرها من سور القرءان، هذا وقد ذكرت قصته مع قومه مفصلة في بعض السور ومجملة في البعض الآخر.

نسبه عليه السلام

هو لوط بن هاران بن تارح - يعني ءازر- وقد بعثه الله تعالى في زمن ابراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو ابن أخيه لأن هاران هو أخو ابراهيم وناحور وكلهم أولاد ءازر. واسم لوط عجمي ليس عربياً وليس مشتقاً من اللواط لأن اللواط لفظ عربي تصريفه لاط يلوط لواطاً أي فعل تلك الفاحشة ولا يليق بمنصب الأنبياء أن يكون اسم أحدهم مشتقاً من لفظ معناه خبيث.

وقد صدق لوط بدعوة عمه ابراهيم عليهما الصلاة والسلام واهتدى بهديه، قال الله تعالى في القرءان: {فآمن له لوطٌ وقال اني مهاجرٌ الى ربي انَّه هو العزيز الحكيم} [سورة العنكبوت].

وقد هاجر لوط عليه السلام مع عمه ابراهيم عليهما الصلاة والسلام من العراق وتبعه في جميع أسفاره ورحلاته، ثم بعثه الله تبارك وتعالى الى أهل سدوم في الأردن قرب البحر الميت.

مقدمة عن قوم لوط الذين بعث وأرسل اليهم لوط عليه السلام



كان نبي الله لوط عليه السلام قد نزح عن محلة عمه ابراهيم الخليل باذنه فنزل بمدينة سدوم [1] كما أمره الله تعالى وهي في أطراف شرق الأردن قرب البحر الميت، وكانت هذه المدينة لها قرى مضافة اليها.

وكان قوم سدوم من أكفر الناس وأفجرهم وأخبثهم طوية وأقبحهم سيرة، فقد كانوا ذوي أخلاق رديئة ونفوس خبيثة لا يستحون من منكر ولا يتعففون عن معصية، وكانوا يقطعون السبيل على المسافرين ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن المنكرات فيما بينهم، وكانوا ابتدعوا جريمة نكراء وذنباً شنيعاً اشتهروا به، ولم يسبقهم اليه أحد من أهل الأرض وهي اتيان الذكور - أي اللواط - قال تعالى حكاية عن لوط عليه السلام: {أتأتون الذّكران من العالمين* وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون} [سورة الشعراء].

ولقد كان قوم لوط من قساوة قلوبهم وفساد أخلاقهم يتجاهرون بفعل فاحشة اللواط ولا يستترون ولا يستحون، فلما بعث الله تعالى نبيه لوطاً اليهم دعاهم الى دين الاسلام وعبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والمنكرات وتلك الأفاعيل المستقبحة، ولكنهم استمروا على كفرهم واشراكهم وتمادوا في ضلالهم وطغيانهم وفي المجاهرة بفعل اللواط. وقيل: ان الذي حملهم على اتيان الرجال دون النساء أنهم كانت لهم بساتين وثمار في منازلهم وبساتين وثمار خارجة على ظهر الطريق وأنهم أصابهم قحط شديد وجوع فقال بعضهم لبعض: ان منعتم ثماركم هذه الظاهرة عن أبناء السبيل والمسافرين كان لكم فيها معاش، فقالوا: كيف نمنعها؟ فأقبل بعضهم على بعض فقالوا: اجعلوا سنتكم -أي عادتكم وطريقكم- فيها أن من وجدتموه في بلادكم غريباً فاسلبوه وانكحوه فان الناس لا يطئون أرضكم، وزين لهم الشيطان هذا الفعل الخبيث، فكانوا كذلك حتى بعث الله لهم لوطاً عليه الصلاة والسلام فدعاهم الى عبادة الله وترك هذه المحرمات والفواحش، قال الله تبارك وتعالى: {ولوطاً اذْ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سَبَقكم بها من أحدٍ من العالمين* انَّكم لتأتون الرجالَ شهوةً من دون النساء بل أنتم قومٌ مسرفون} [سورة الأعراف] وقال تعالى: {اذ قال لهم أخوهم لوطٌ ألا تتقون* انّي لكم رسولٌ أمين* فاتقوا الله وأطيعون* وما أسألكم عليه من أجرٍ ان أجريَ الا على رب العالمين} [سورة الشعراء]. ولكنهم تمادوا في غيّهم وضلالهم ولم يزدهم وعظ نبيهم وأمره لهم بالمعروف ونهيه لهم عن المنكر الا تمادياً وتكبراً وطغياناً واستعجالاً لعقاب الله انكاراً منهم لوعيده وتكذيباً منهم لنبي الله لوط عليه الصلاة والسلام، فقد كانوا يقولون له: ائتنا بعذاب الله ان كنت من الصادقين، ولم يكتفوا بهذا التكذيب والاستكبار بل أخذوا يهددونه بالطرد من قريتهم وهمّوا باخراج نبي الله من بين ظهرانيهم وهذا منتهى السفه والعناد والتكبر، قال الله تبارك وتعالى: {وما كان جوابَ قومه الا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم انَّهم أناسٌ يتطهرون} [سورة الأعراف] وقال تعالى: {قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونَنَّ من المخرَجين} [سورة الشعراء].



قصة الملائكة ضيوف لوط عليه السلام

أمام اصرار قوم لوط على كفرهم وطغيانهم وانغماسهم في المنكرات والفواحش وعد الايمان بني الله لوط عليه السلام، سأل لوط عليه الصلاة والسلام ربَّه النصرة عليهم لما أصروا على كفرهم وتمادوا في غيّهم، قال تعالى حكاية عن نبيه لوط عليه السلام: {ربِّ نجني وأهلي مما يعملون} [سورة الشعراء] وقال: {قال ربِّ انصرني على القوم المفسدين} [سورة العنكبوت].

أراد الله تبارك وتعالى نصر نبيه لوط واهلاك أولئك الكفار الخبثاء فأرسل الله عز وجل الى قوم لوط ملائكة كراماً لاهلاكهم وهم جبريل وميكائيل واسرافيل ليقلبوا قراهم عاليها سافلها وينزلوا العذاب بهم وكانت لهم مدائن أربع، وكان عددهم يزيد على أربعما ئة ألف.

فمر هؤلاء الملائكة الكرام في طريقهم الى قرى قوم لوط على ابراهيم الخليل عليه السلام بامر الله تعالى وكانوا قد تشكلوا بصورة رجال حسان الوجوه فبشروه بغلام حليم وهو اسحاق عليه السلام ومن وراء اسحاق يعقوب، وأخبروه أنهم ذاهبون للانتقام من قوم لوط أهل سدوم وتوابعها وأن الله أمرهم باهلاك أهل هذه المدائن الذين كانوا يعملون الخبائث وتدميرها، وعندما سمع ابراهيم عليه السلام ما قال له الملائكة وما أرسلوا به من العذاب تخوَّف على ابن أخيه لوط عليه السلام أن يصيبه القلق فقال لهم: انَّ فيها لوطاً، فأخبروه بأنهم أعلم بمن فيها وأنَّ الله عز وجل سينجي لوطاً وأهله الا امرأته الكافرة التي لم تؤمن به وصارت تعين أولئك الكافرين على هذا العمل الخبيث، يقول الله تبارك وتعالى: {ولمَّا جاءت رسلنا ابراهيمَ بالبشرى قالوا انَّا مهلكوا أهل هذه القرية انَّ أهلها كانوا ظالمين* قال انَّ فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجيَنَّه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين} [سورة العنكبوت] {قالوا انَّا أرسِلنا الى قوم مجرمين* الا ءال لوط انا لمنجوهم أجمعين* الا امرأته قدّرنا انها لمن الغابرين} [سورة الحجر].


وقال تعالى: {فلما ذهب عن ابراهيم الرَّوع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} [سورة هود] قيل: ان سيدنا ابراهيم خليل الرحمن كان يرجو من قوم لوط أن يجيبوا نبي الله لوطاً ويُسلموا ويقلعوا عن غيِّهم وضلالهم، لذلك لما علم أن رسل الله الملائكة جاءوا لينزلوا العذاب بقوم لوط ويدمروا عليهم قراهم صار يجادلهم في ذلك، قال تعالى: {انَّ ابراهيم لحليمٌ أوَّاهٌ منيب* يا ابراهيمُ أعرضْ عن هذا انَّه قدْ جاءَ أمرُ ربك وانهم ءاتيهم عذاب غير مردود} [سورة هود] قيل: ان رسل الله الملائكة الكرام عندما سمعوا جدال ابراهيم في قوم لوط قالوا له: {يا ابراهيم أعرض عن هذا} يعني الجدال {انه قد جاء أمر ربك} أي بعذابهم أي قد جاء عذاب ربك فليس بمردود لأن الله قد قضى به.

تنبيه: يظن بعض جهلة المتصوفة أن معنى أواه أن ابراهيم كان يذكر بآه وهذا غير صحيح، فان الأواه من يُظهر خشية الله تعالى كما ذكر الراغب الأصبهاني في المفردات، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: "الأواه: الرحيم" رواه الحاكم في المستدرك باسناد صحيح.

خرجت الملائكة من عند نبي الله ابراهيم الخليل عليه السلام وتوجهوا نحو قرية سدوم وهو أكبر قرى قوم لوط في الأردن، وكانوا قد جاءوا بصور شبان جميلي الصورة اختباراً من الله تعالى لقوم لوط واقامة للحجة عليهم، ولما وصلوا القرية عند الظهيرة جاءوا الى نبي الله لوط فدخلوا عليه في صورة شبان مُرد جميلين تشرق وجوههم بنضارة الشباب والجمال ولم يخبروه في البداية بحقيقتهم، فظن نبي الله لوط أنهم ضيوف جاءوا يستضيفونه فرحَّب بهم وخشي ان لم يضفهم أن يضيفهم غيره، ولكنه عليه الصلاة والسلام اغتمَّ من دخولهم عليه وقت الظهيرة لأنه خاف عليهم من أولئك الأشرار المجرمين، ولا سيما أنهم كانوا من حيث الصورة في منتهى الحسن والجمال، وخشي أن يكون قد رءاهم واحد من قومه حين دخلوا عليه فيذهب ويخبر قومه، لذلك أشفق نبي الله لوط عليهم وخاف من قومه أن يعتدوا عليهم، قال الله تبارك وتعالى: {ولما جاءت رسلنا لوطاً سىءَ بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يومٌ عصيب} [سورة هود] أي شديد بلاؤه حيث كان يدرك خبث نفوس قومه وفساد طويتهم، وكان قومه عليه السلام قد استرطوا عليه أن لا يضيف أحداً، ولكنه رأى أن استضافة من جاءه أمرٌ لا محيد عنه خوفاً عليهم من شر قومه وفسادهم وشذوذهم.

وسرعان ما حصل ما كان يخشاه اذ خرجت امرأته وكانت امرأة كافرة خبيثة تتبع هوى قومها، فأخبرت قومها وقالت لهم: انّ في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط، وما ان سمع قوم لوط الخبر حتى أقبلوا مسرعين يهرعون الى بيت نبي الله لوط عليه السلام يريدون الاعتداء على ضيوف لوط عليه السلام، وأخذ نبي الله لوط يجادل قومه المفسدين بالحسنى ويناقشهم باللطف واللين لعل فيهم من يرتدع عن غيه وضلاله، ودعاهم عليه السلام الى سلوك الطريقة الشرعية المباحة وهي أن يتزوجوا بنات القرية وأن يكتفوا بنسائهم ولا يعتدوا.

ولكن قومه الخبثاء رفضوا نصيحته، وصارحوه بغرضهم السيء من غير استحياء ولا خجل وقالوا له: ما لنا في بناتك من حق -يريدون أنهم ليسوا في حاجة الى بنات القرية- وأخبروه أنهم لا يرغبون الا في أولئك الشبان الحسان الذين هم في بيتته ضيوفاً. عند ذلك ازداد همه وغمه عليه الصلاة والسلام وتمنى أن لو كان له بهم قوة أو كان له منعة أو عشيرة في قومه فينصروه عليهم.

يقول الله تبارك وتعالى: {ولمَّا جاء رسلنا لوطاً سِىء بهم ذرعاً وقال هذا يومٌ عصيب* وجاءه قومه يهرعون اليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هنَّ أطهر لكم فاتقوا الله ولا تُخزون في ضيفي أليس منكم رجلٌ رشيد* قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وانَّك لتعلم ما نريد* قال لو أنَّ لي بكم قوةً أو ءاوي الى ركن شديد} [سورة هود] وروى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله لوطاً كان يأوي الى ركن شديد وما بعث الله بعده نبياً الا في ذروة من قومه" وروى البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يغفر الله للوط انه كان يأوي الى ركن شديد".

ويقال ان لوطاً عليه السلام كان قد أغلق بابه والملائكة معه في الدار، وأخذ يناظر ويجادل قومه من وراء الباب وهم يعالجون الباب ليفتحوه، فلما رأت الملائكة ما يلقى نبي الله لوط عليه السلام من كرب شديد أخبروه بحقيقتهم وأنهم ليسوا بشراً وانما هم ملائكة ورسل الله قدموا وجاءوا لاهلاك هذه القرية بأمر من الله لأن أهلها كانوا ظالمين بكفرهم وفسادهم، وأمروه أن يخرج من أرض قومه مع أهله ليلا قبل طلوع الصبح لأن موعد اهلاكهم سيكون في وقت الصبح، يقول الله تبارك وتعالى اخباراً عما قال الملائكة لنبيه لوط عليه السلام: {قالوا يا لوط انَّا رسل ربك لن يصلوا اليك فاسْر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحدٌ الا امرأتك انّه مصيبها ما أصابهم انّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} [سورة هود].

ويقال أن نبي الله لوطاً عليه الصلاة والسلام لما جعل يمانع قومه أن يدخلوا والباب مغلق، وهم يرومون ويريدون فتحه، استأذن جبريل عليه السلام ربه في عقوبتهم فأذن له، فخرج عليه السلام اليهم وضرب وجوههم بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل: انها غارت بالكلية ولم يبقَ لها محل ولا عين ولا أثر. فانصرفوا يتحسسون الحيطان ويتوعدون ويهددون نبي الله لوطاً عليه السلام، عند ذلك قال نبي الله للملائكة: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح، فقال لهم: لو أهلكتموهم الآن، فقالوا له: أليس الصبح بقريب، يقول الله عزوجل: {ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر* ولقد صبَّحهم بكرةً عذابٌ مستقر} [سورة القمر].

هلاك قوم لوط وانزال العذاب بهم


يقول الله تعالى حكاية عن ملائكته وما أخبروا به نبيه لوطاً عليه السلام: {قالوا يا لوط انَّا رُسُلُ ربكَ لن يصلوا اليك فاسْر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحدٌ الا امرأتك انه مصيبها ما أصابها انَّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} [سورة هود].

أمر رسل الله الملائكة نبي الله لوطاُ أن يخرج من أرض قومه مع أهله ليلاً قبل طلوع الشمس، وأمروه بترك الالتفات لئلا يرى عظيم ما سينزل بقومه الكافرين من عذاب، وأن امرأته ستلتفت ويصيبها ما أصاب قومها، فقد ذكر أنها لما خرجت مع زوجها لوط عليه السلام وسمعت هدة وصيحة العذاب الذي نزل بقومها التفتت وقالت: واقوماه فأصابها حجرٌ فأهلكها مع الهالكين.

وجاء قوم لوط من أمر الله ما لا يُردّ، ومن العذاب الشديد ما لا يُصد، يقول الله عز وجل: {فلمَّا جاءَ أمرُنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارةً من سجيل منضود* مُسَوَّمةٌ عند ربكَ وما هي من الظالمين ببعيد} [سورة هود].

لقد أدخل جبريل عليه السلام الذي وصفه الله تبارك وتعالى في القرءان بقوله: {ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين} [سورة التكوير] ريشة واحدة من أجنحته في قراهم ومدنهم وكانت أربعة أو خمسة واقتلعهن من أصلهن وقرارهن بمن فيهن من قوم لوط الكافرين وكانوا كما قيل: أربعمائة ألف شخص، وما معهم من البهائم فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمع الملائكة الذين في السماء الأولى أصوات ديكتهم ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها أي لم يردها كما كانت وانما ردها مقلوبة بمشيئة الله وقدرته، من دون تعب ولا مشقة، وأرسل عليهم صيحة من السماء وأمطر عليهم حجارة من سجيل، يقول الله تعالى: {فأخذتهم الصيحة مشرقين* فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} [سورة الحجر] ويقول تعالى في ءاية أخرى: {وأمطرنا عليها حجارةً من سجيل منضود* مسوَّمةً عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد} [سورة هود] أي يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم من السماء قيل: أي مُعَلَّمةً مكتوباً على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدفعه ويقتله، ويقول الله تبارك وتعالى: {والمؤتفكة أهوى* فغشَّاها ما غشَّى* فبأيِّ ءالاء ربك تتمارى} [سورة النجم] والمؤتفكة هي قرى قوم لوط عليه السلام، قيل: أي قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة، وكانت مسومة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه، وما ان أشرقت الشمس حتى كانت القرى بمن فيها خراباً ودماراً يقول تعالى: {وكذلك أخذ ربك اذا أخذ القرى وهي ظالمة انَّ أخذهُ أليمٌ شديدٌ} [سورة هود].



زوجة لوط عليه السلام مع الهالكين


أهلك الله تبارك وتعالى زوجة نبيه لوط عليه الصلاة والسلام مع الهالكين لأنها كذبت نبيه لوطاً عليه السلام ولم تؤمن به ولم تدخل في دين الاسلام، بل بقيت كافرة مع قومها راضية بأفعالهم الخسيسة وصفاتهم المذمومة، فحلَّ بها من السخط والعذاب ما حلَّ بقومها جزاء لها على كفرها وتعاطفها مع قومها، ولم ينفعها عند الله أنها كانت زوجة نبي الله لوط عليه السلام وهي باقية على الكفر والضلال يقول الله جل وعلا في محكم تنزيله: {فأنجيناه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين} [سورة الأعراف] ويقول عز من قائل: {ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأتَ نوح وامرأتَ لوطٍ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يُغنيا من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين} [سورة التحريم].

والمراد بالخيانة هنا الخيانة في الدين، فانهما لم تتبعاهما في دين الاسلام، بل بقيتا على الكفر والضلال ولم ينفعهما أنهما زوجتا نبيين من أنبياء الله عظيمين وهما نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام، وليس المراد بالخيانة هنا الزنى وأنهما كانتا على الفاحشة، ويروى عن ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف: "ما "بغتْ" -أي زنت- امرأة نبي قط". وقيل: ان اسم امرأة لوط "والهة" واسم امرأة نوح "والغة" روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فخانتاهما} [سورة التحريم] قال: "ما زنتا، أما امرأة نوح فكانت تقول للناس انه مجنون، وأما امرأة لوط فكانت تدل على الضيف، فذلك خيانتهما".

وصف لوط عليه السلام


روى الحاكم في المستدرك عن كعب الأحبار قال: "كان لوط نبي الله وكان ابن أخي ابراهيم، وكان رجلا أبيض، حسن الوجه، دقيق الأنف، صغير الأذن، طويل الأصابع، جيد الثنايا، أحسن الناس مضحكاً اذا ضحك، وأحسنهم وأرزنهم وأحكمهم، وهو حين بلغه عن قومه ما بلغه من الأذى العظيم الذي أرادوه له حيث يقول: "لو أن لي بكم قوة أو ءاوي الى ركن شديد".

الهوامش:


[1] مدائن لوط يقال لها سدوم وصبعة وعُمرة ودوما وصَعْوة، وسدوم هي القرية الكبيرة.

 

قال الله تبارك وتعالى: {وبشرناه باسحاق نبياً من الصالحين* وباركنا عليه وعلى اسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} [سورة الصافات].


نسبه:


هو اسحاق بن ابراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهو الولد الثاني لابراهيم الذي بشرته به الملائكة، وقيل: كان عمر ابراهيم حين ولدته سارة زوجة ابراهيم مائة وعشرين سنة وكان عمر سارة تسعين سنة وقيل غير ذلك، وقد ذكره الله تبارك وتعالى بالثناء عليه والمدح في أكثر من ئاية من القرءان الكريم قال الله تبارك وتعالى: {واذكر عندنا ابراهيم واسحاق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار* انَّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار* وانهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} [سورة ص].


وقال تعالى: {انَّا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده وأوحينا الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط} [سورة النساء].

وقال تعالى: {وبشرناه باسحاق نبياً من الصالحين* وباركنا عليه وعلى اسحاق ومن ذريتهما محسنٌ وظالمٌ لنفسه مبين} [سورة الصافات].

وقال تعالى: {أم تقولون انَّ ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قلْ ءأنتم أعلم أم الله} [سورة البقرة].

ذكر الله تعالى عبده اسحاق بالصفات الحميدة وجعله نبياً ورسولا، وبرأه من كل ما نسبه اليه الجاهلون، وأمر الله قومه بالايمان به كغيره من الأنبياء والرسل، وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي الله اسحاق وأثنى عليه عندما قال: "انَّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم". فهؤلاء الأنبياء الأربعة الذين مدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أنبياء متناسلون، ولا يوجد بين الناس أنبياء متناسلون غيرهم وهم يوسف ويعقوب واسحاق وابراهيم عليهم الصلاة والسلام.



رسالته ونبوته:


دعا اسحاق بن ابراهيم عليهما السلام الى دين الاسلام والى عبادة الله وحده، وأوحي اليه بشريعة مبنية على الاسلام ليبلغها ويعلمها للناس، وقد أرسله الله تبارك وتعالى الى الكنعانيين في بلاد الشلام وفلسطين الذين عاش بينهم، وقد قيل: ان ابراهيم عليه السلام أوصى ابنه اسحاق ألا يتزوج الا امرأة من أهل أبيه فتزوج اسحاق رفقة بنت ابن عمه، وكانت عاقراً لا تنجب فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين أحدهما اسمه العيص، والثاني يعقوب وهو نبي الله اسرائيل.



مولد اسحاق والبشارة به:


قال الله تبارك وتعالى: {وبشرناه باسحاق نبياً من الصالحين* وباركنا عليه وعلى اسحاق ومن ذريتهما محسنٌ وظالمٌ لنفسه مبين} [سورة الصافات].

وقال الله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين* اذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلامٌ قومٌ منكرون* فراغ الى أهله فجاء بعجل سمين* فقربه اليهم قال ألا تاكلون* فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم* فأقبلت امرأته في صرّة فصكت وجهها وقالت عجوزٌ عقيم* قالوا كذلك قال ربك انه هو الحكيم العليم} [سورة الذاريات].

وقد تقدم في قصة ابراهيم عليه السلام كيف بشرت الملائكة ابراهيم الخليل باسحاق.



وفاته:


قيل ان نبي الله اسحاق عليه السلام عاش مائة وثمانين سنة ومات في حبرون وهي قرية في فلسطين وهي مدينة الخليل اليوم حيث كان يسكن ابراهيم عليه السلام، وجفنه ابناه العيص ويعقوب عليه السلام في المغارة التي دفن فيها ابوه ابراهيم عليهما الصلاة والسلام.

ويحكي أهل التوراة أن عيصاً كان أحب لأبيه من يعقوب وأن يعقوب كان أحب الى أمه، فلما كبر اسحاق عمي فقال لعيص: يا بني أطعمني لحم صيد واقترب مني أدعو لك فسمعت أمهما ذلك فقالت ليعقوب "يا بني شاة واشوها وقربها الى أبيك وقل له أنا ابنك عيص ففعل ذلك يعقوب فأكل ودعا له أن يجعل الله من ذريته الأنبياء والملوك، وهذا كذب بارد سخيف من أكاذيب اليهود التي لا يجوز نسبتها الى نبي من أنبياء الله ولا عبرة بروايتها في بعض الكتب فليس كل ما يروى صحيحًا.

قال الله تبارك وتعالى: {واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقاً نبياً} [سورة مريم]، وقال تعالى: {ولقد ءاتينا ابراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [سورة الأنبياء].

نسب ابراهيم عليه الصلاة والسلام:

 

هو ابراهيم بن تارخ [وهو ءازر] بن ناخور بن ساروغ بن ارغو بن فالغ بن غابر بن شالخ بن قينان بن ارفخشذ ابن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام، وقيل: انّ ابراهيم عليه السلام كان يكنى أبا الضيفان لأنه كان مضيافاً كثير الكرم لمن استضافه.

كان أهل بابل في العراق يتنعمون برغد العيش ويتفيئون ظلال النعم الكثيرة التي أنعمها الله عليهم، ولكنهم كانوا يتخبطون في دياجير الظلام ويتردّون في وهاد الضلال والكفر، فقد نحتوا بأيديهم الأصنام واتخذوها من دون الله ءالهةً وعكفوا على عبادتها، وكان عليهم حاكم ظالم مستبد يقال له نمرود بن كنعان بن كوش، قيل هو الضحاك وقيل غيره، وكان أحد الملوك الذين ملكوا الارض وأحاط ملكه مشارق الأرض ومغاربها، فلما رأى ما هو عليه من الزعامة وما يتمتع به من سطوة الملك وقوة السلطان، ورأى ما أطبق على قومه من الجهل والفساد ادعى الألوهية ودعا قومه الى عبادته، وقيل: كان قوم ابراهيم يعبدون الكواكب السبعة وكان لهم أصنام بشكل الشمس والقمر وأصنام بشكل الكواكب.



مولد ابراهيم عليه السلام:

 

في وسط هذه البيئة المنحرفة وفي زمن وعهد هذا الملك الجبار الكافر النمرود كان مولد ابراهيم عليه الصلاة والسلام، وفي موضع ولادته عليه السلام خلاف قيل: ولد بالسوس من أرض الأهواز، وقيل: ولد ببابل وهي ارض الكلدانيين، وقيل: بحران، وقيل: بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون، والمشهور عند أهل السير والتواريخ أنه ولد ببابل.

قال أهل التواريخ والسير: انه لما أراد الله عز وجل أن يبعث ابراهيم عليه السلام وأن يجعله حجة على قومه ونبياً رسولا اليهم، ولم يكن فيما بين نوح وابراهيم عليهما السلام من نبي قبله الا هود وصالح عليهما السلام، ولما تقارب زمان ابراهيم أتى المنجمون الى هذا الملك نمرود وقالوا له: اعلم أنا نجد في علمنا أنَّ غلاماً يولد في قريتك هذه يقال له ابراهيم، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود بعث نمرود هذا الى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده الا ما كان من أم ابراهيم زوجة ءازر والد ابراهيم عليه السلام فانه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل هذا الملك الطاغية لا تلد امرأة غلاماً في ذلك الشهر من تلك السنة الا أمر به فذبح، فلما وجدت أم ابراهيم عليه السلام الطلق خرجت ليلاً الى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها ابراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت الى بيتها، كانت تزوره وتطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فكان يشب في اليوم ما يشب غيره في الشهر وكانت تأتي فتجده حياً يمص ابهامه، فقد جعل رزق ابراهيم عليه السلام في ابهامه فيما يجيئه من مصه، ولم يمكث ابراهيم عليه السلام في المغارة الا خمسة عشر شهراً، ثم ترعرع وكبر واصطفاه الله لحمل رسالته وابانة الحق ودعاء قومه الى عبادة الله وحده والى العقيدة الصافية من الدنس والشرك، والى ترك عبادة الكواكب والأصنام والى الدخول في دين الاسلام الذي هو دين جميع الأنبياء.



عدد المرات الذي ذكر فيها ابراهيم عليه السلام في القرءان:

 

ذكرت قصة ابراهيم في عدة مواضع من القرءان، تارة باختصار وتارة بالتطويل وتارة بذكر شأن من شئونه في سورة أخرى.

وقصة ابراهيم عليه السلام ترتبط بها قصص أخرى كقصة لوط، لأن ابراهيم ولوطاً كانا متعاصرين، ونبي الله لوط هو ابن أخي ابراهيم عليه السلام، وقد ءامن لوط بعمه ابراهيم كما قال تعالى: {فآمن له لوط وقال اني مهاجرٌ الى ربي} [سورة العنكبوت].



نبوة ابراهيم ورسالته ونشأته
على الايمان وعدم شكه بالله تعالى وبقدرته

 

اختار الله تبارك وتعالى ابراهيم عليه السلام وجعله نبياً ورسولا واصطفاه لهداية قومه ودعوتهم الى دين الاسلام وتوحيد الله وترك عبادة الكواكب والأصنام التي لا تخلق شيئاً ولا تستحق العبادة، لأن الذي يستحق العبادة وحده هو الله تبارك وتعالى خالق كل شيء.

وقد كان ابراهيم عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء منذ صغره ونشأته مسلماً مؤمناً عارفاً بربه معتقداً عقيدة التوحيد منزهاً ربه عن مشابهة المخلوقات، ومدركاً أن هذه الأصنام التي يعبدها قومه لا تغني عنهم من الله شيئاً، وأنها لا تضر ولا تنفع لأن الضار والنافع على الحقيقة هو الله تعالى وحده. يقول الله تبارك وتعالى في حق ابراهيم: {ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} [سورة ءال عمران]، وقال الله تعالى: {ولقد ءاتينا ابراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [سورة الأنبياء].

ولقد كان نبي الله ابراهيم عليه السلام مفعم النفس بالايمان بربه وعارفاً به ممتلىء الثقة بقدرة الله وأن الله تعالى قادر على كل شيء لا يعجزه شيء، وكان غير شاك ولا مرتاب بوجود الله سبحانه مؤمناً بما أوحي اليه من بعث الناس بعد موتهم يوم القيامة وحسابهم في الحياة الأخرى على أعمالهم وما قدموا في هذه الحياة الدنيا.

فائدة: قال الله تعالى: {واذ قال ابراهيم ربِّ أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعةً من الطير فصُرهنَّ اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهنَّ يأتينك سعياً واعلم أنَّ الله عزيز حكيم} [سورة البقرة].

ومعناه ان ابراهيم عليه الصلاة والسلام كان مؤمناً ومصدقاً بقلبه جازماً لا ريب فيه أن الله تبارك وتعالى قادر على احياء الموتى واعادة الخلق يوم القيامة، ولكنه أراد أن يزداد بصيرةً ويقيناً فسأل الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى بعد موتهم، وقول الله تعالى: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [سورة البقرة] أي أنا مؤمن غير شاك ولا مرتاب ولكن تاقت نفسي لأن أرى بعينيَّ ليطمئن قلبي ويزداد يقيني، فمعنى قول ابراهيم "ليطمئن قلبي" أي ليطمئن قلبي باجابة طلبي، لأنه من الجائز أن يعطي الله تعالى بعض الأنبياء جميع ما طلب أو أن يعطيه بعض ما طلب ولا يعطيه بعضاً، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف خلق الله وأكرمهم على الله ما أعطي جميع ما طلب، بل أعطي بعض ما طلب ومنع بعض ما طلب، وابراهيم عليه الصلاة والسلام ما كان جازماً وقاطعاً في نفسه بأنَّ الله يعطيه ما سأل، لكنه كان مؤمناً بأن الله تبارك وتعالى قادر على ذلك، لكن كان عنده احتمال أن الله يريه كيف يحيي الموتى واحتمال أنه لا يريه، فأجاب الله تبارك وتعالى سؤال ابراهيم عليه السلام وأمره أن يأخذ أربعة من الطير ويتعرف على أجزائها ثم يفرقها أشلاء وأجزاء ويجعل على كل جبل منهن جزءا ثم يدعوهن اليه فيأتينه سعياً باذن الله، فلمّا فعل ابراهيم خليل الرحمن ما أمره الله تعالى صار كل جزء ينضم الى مثله وعادت الأشلاء والأجزاء كما كانت وعادت الروح الى كل طير، ورجعت الطيور الأربعة بقدرة الله ومشيئته الى ابراهيم عليه السلام، وهو يرى ءايات الله البينات وءاثار قدرته العظيمة التي تدل أنه تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السموات فتبارك الله أحسن الخالقين أي أحسن المقدرين.


دعوة ابراهيم عليه الصلاة والسلام أباه ءازر الى دين الاسلام
بالحكمة والموعظة الحسنة

 

ذكر أهل التواريخ أن ابراهيم انطلق بزوجته سارة وابن أخيه لوط فخرج بهم من أرض الكلدانيين الى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فنزلوا حران وكان أهلها يعبدون الكواكب السبعة، فقام الخليل ابراهيم عليه السلام يدعو قومه الى دين الله وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وكان أول دعوته لأبيه ءازر الذي كان مشركاً يصنع الأصنام ويعبدها ويبيعها للناس ليعبدوها فدعاه الى عبادة الله وحده والى دين الحق الاسلام بألطف عبارة وبأحسن بيان وبالحكمة والموعظة الحسنة، قال الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {واذكر في الكتاب ابراهيم انَّه كان صديقاً نبياً* اذ قال لأبيه يا أبت لمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً* يا أبت اني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتَّبعني أهدك صراطاً سوياً* يا أبت لا تعبد الشيطان انَّ الشيطان كان للرحمن عصياً* يا أبت اني أخاف أن يَمَسَّك عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان ولياً} [سورة مريم]، وقال تعالى: {واذ قال ابراهيم لأبيه ءازرَ أتتخذ أصناماً ءالهةً اني أراك وقومك في ضلال مبين} [سورة الأنعام].

ذكر الله تبارك وتعالى في هذه الآيات ما كان جرى بين ابراهيم وأبيه من المحاورة والجدال الى عبادة الله وحده، وكيف دعا أباه الى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيَّن له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر فهي لا تضر ولا تنفع، وأعلمه بأن الله قد أعطاه من الهدى والعلم النافع فدعاه الى اتباعه وان كان أصغر سناً من أبيه لأن اتباعه ودخوله الى الاسلام وعبادة الله وحده هو الطريق المستقيم السويّ الذي يفضي به الى الخير في الدنيا والآخرة. ثم بيَّن ابراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه أنه بعبادته للأصنام يكون منقاداً للشيطان الخبيث الفاجر الذي لا يحب للناس الخير بل يريد لهم الهلاك والضلال ولا يستطيع أن يدفع عنه عذاب الله ولا يردّ عنه عقوبته وسخطه يقول الله تعالى: {انَّ الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدواً انّما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [سورة فاطر].

لم يقبل ءازر نصيحة نبي الله ابراهيم ولم يستجب لدعوته بل استكبر وعاند وتوعد وهدد ابنه ابراهيم بالشر والرجم والقتل وقال له ما أخبرنا الله تعالى عنه في القرءان: {قال أراغبٌ أنت عن ءالهتي يا ابراهيم لئن لم تنته لأرجمنَّك واهجرني ملياً} [سورة مريم] فعندها قال له ابراهيم ما حكاه الله عنه: {قال سلامٌ عليك سأستغفر لك ربي انَّه كان بي حفياً} [سورة مريم] أي سلام عليك لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى، وزاده بأن دعا له بالخير فقال: {سأستغفر لك ربي انَّه كان بي حفياً} [سورة مريم].

ومعنى قوله: {سأستغفر لك ربي} أي سأطلب من الله أن يغفر لك كفرك بالدخول في الاسلام وليس معناه اني أطلب لك باللفظ كما يستغفر المسلم للمسلم بقوله: الله يغفر لك أو استغفر الله لك، ومعنى قوله: {انه كان بي حفياً} أي لطيفاً يعني في أن هداني لعبادته والاخلاص له ولهذا قال ما حكاه الله عنه في كتابه العزيز: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً} [سورة مريم]، وقد استغفر ابراهيم لأبيه ءازر على المعنى الذي ذكرناه سابقا كما وعده ابراهيم في أدعيته فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه كما قال تعالى: {وما كان استغفار ابراهيم لأبيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تبين له أنه عدوٌ لله تبرأ منه} [سورة التوبة]، أي لما علم أنه لا يسلم بل يموت على الكفر تبرأ منه.



دعوة ابراهيم عليه السلام قومه الى عبادة الله وحده واقامة الحجة
على قومه في أن الكواكب والأصنام التي يعبدونها لا تصلح
للعبادة وبيان ان ابراهيم لم يكن يعبد الكواكب

 

هذه الغلطة والاستكبار من والد ابراهيم عليه السلام لم تقعده وتمنعه من متابعة دعوته الى الله سبحانه وتعالى ولم يُثنه عدم استجابة أبيه لنصحه ودعوته الى عبادة الله وحده عن متابعة دعوته لقومه الى هذا الدين الحق وترك عبادة الكواكب والأصنام.

وأراد ابراهيم عليه السلام أن يبين لقومه أنّ عبادة الكواكب باطلة وأنها لا تصلح للعبادة أبداً لأنها مخلوقة مسخرة متغيرة تطلع تارة وتغيب تارة أخرى، وأنها تتغير من حال الى حال وما كان كذلك لا يكون الهاً، لأنها بحاجة الى من يغيرها وهو الله تبارك وتعالى الدائم والباقي الذي لا يتغير ولا يزول ولا يفنى ولا يموت، لا اله الا هو ولا رب سواه، فبين ابراهيم لقومه أولاً أن الكوكب لا يصلح للعبادة ثم انتقل الى القمر الذي هو أقوى ضوءاً منه وأبهى حسناً، ثم انتقل الى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء ونوراً، فبين أنها ذات حجم وحدود وأنها متغيرة تشرق وتغرب واذا كانت متغيرة فلا تصلح للأولوهية لأنها بحاجة الى من يغيرها ويحفظ عليها وجودها وهو الله تبارك وتعالى خالق كل شيء ومدبر أمر هذا العالم.

قال الله تبارك وتعالى: {وكذلك نري ابراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين* فلمّا جنّ عليه اليل رءا كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين* فلما رءا القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين* فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم اني بريء مما تشركون* اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفاً وما أناْ من المشركين* وحاجّه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به الا أن يشاء ربي شيئا} [سورة الأنعام].


وأما معنى قول سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام عن الكوكب حين رءاه {هذا ربي} فهو على تقدير الاستفهام الانكاري فكأنه قال: أهذا ربي كما تزعمون، لذلك لما غاب قال: {لا أحب الأفلين} أي لا يصلح أن يكون هذا الكوكب رباً لأنه يأفل ويتغير فكيف تعتقدون ذلك، ولما لم يفهموا مقصوده وظلوا على ما كانوا عليه، قال حين رأى القمر مثل ذلك فلمّا لم يجد منهم بغيته أظهر لهم أنه بريء من عبادته أي من عبادة القمر لأنه لا يصلح للعبادة ولا يصلح للربوبية، ثم لما أشرقت الشمس وظهرت قال لهم مثل ذلك، فلما لم ير منهم بغيته أيضا وأنهم أصحاب عقول سقيمة وقلوب مظلمة مستكبرة أيس منهم وأظهر براءته من هذا الاشراك الذي وقعوا به وهو عبادة غير الله تعالى، وأما ابراهيم عليه السلام فهو رسول الله ونبيه فقد كان مؤمناً عارفا بربه كجميع الأنبياء لا يشك بوجود الله طرفة عين، وكان يعلم أن الربوبية لا تكون الا لله وأنه لا خالق الا الله ولا معبود بحق الا الله. ولم يكن كما يفتري عليه بعض أهل الجهل والضلال من قولهم انه مر بفترات وأوقات شك فيها بوجود الله، لأن الأنبياء والرسل جميعهم يستحيل عليهم الكفر والضلال قبل النبوة وبعدها، لأنهم بعثوا هداة مهتدين ليعلموا الناس الخير وما أمرهم الله بتبليغه، فقد كان ابراهيم عليه الصلاة والسلام قبل مناظرته لقومه واقامة الحجة عليهم وقبل دعوتهم الى الاسلام والايمان يعلم علما يقيناً لا شك فيه أن له رباً وهو الله تبارك وتعالى الذي لا يشبه شيئاً وخالق كل شيء، وأن الأولوهية والربوبية لا تكون الا لله خالق السموات والأرض وما فيهما وهو مالك كل شيء وقادر على كل شيء وعالم بكل شيء ونافذ المشيئة في كل شيء، والدليل على ذلك من القرءان قوله تعالى: {ولقد ءاتينا ابراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [سورة الأنبياء]، وقوله تعالى: {وتلك حجتنا ءاتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاء انَّ ربك حكيم عليم} [سورة الأنعام]، وقوله تعالى حكاية عن ابراهيم بعد أن أقام ابراهيم الحجة على قومه وأفحمهم: {اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [سورة الأنعام].

والظاهر أن موعظة ابراهيم هذه في الكواكب لأهل حران فانهم كانوا يعبدونها، أما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام وهم الذين ناظرهم في عبادتها، وكسرها وأهانها وبيّن بطلان عبادتها كما قال الله تعالى: {اذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا ءاباءنا لها عابدين* قال لقد كنتم أنتم وءاباؤكم في ضلال مبين* قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين* قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهنّ وأنا على ذلكم من الشاهدين} [سورة الأنبياء].

ولقد سأل ابراهيم عليه الصلاة والسلام قومه ليقيم الحجة عليهم أيضاً مستنكراً ان كانت الأصنام تسمع دعاءهم أو تنفع أو تضر فقالوا له ما حكاه الله تعالى عنهم: {بل وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون} [سورة الشعراء].

فقد سلموا له أن هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر شيئاً، ثم أخذ يبين لهم بديع صنع الله تعالى وعظيم قدرته ليلمسوا الفرق الواضح بين عبادة ابراهيم لله الحقة وبين عبادتهم للأصنام الباطلة يقول الله تبارك وتعالى: {واتل عليهم نبأ ابراهيم* اذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون* قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين* قال هل يسمعونكم اذ تدعون* أو ينفعونكم أو يضرون* قالوا بل وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون* قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون* أنتم وءاباؤكم الأقدمون* فانهم عدوٌ لي الا رب العالمين* الذي خلقني فهو يهدين* والذي هو يطعمني ويسقين* واذا مرضت فهو يشفين* والذي يميتني ثم يحيين} [سورة الشعراء].



قصة ابراهيم عليه السلام في تكسيره للأصنام
التي يعبدها قومه واظهاره الحجة عليهم

 

ولما رأى ابراهيم عليه الصلاة والسلام أنهم ما زالوا متعلقين بأوهامهم متمسكين بعبادة أصنامهم عَقَد النية على أن يكيد أصنامهم ويفعل بها أمراً يقيم الحجة بها عليهم لعلهم يفيقون من غفلتهم ويصحون من كبوتهم، وكان من عادة قومه أن يقيموا لهم عيداً، فلمَّا حلَّ عليهم عيدهم وهموا بالخروج الى خارج بلدهم دعوه ليخرج معهم فأخبرهم أنه سقيم لأنه أراد التخلف عنهم ليكسر أصنامهم ويقيم الحجة عليهم، قال تعالى: {فنظر نظرة في النجوم* فقال اني سقيم* فتولوا عنه مدبرين} [سورة الصافات].


فلما مضى قومه ليحتفلوا بعيدهم نادى في ءاخرهم: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} [سورة الأنبياء] قيل: سمعه بعضهم وقيل: خفية في نفسه، ثم رجع ابراهيم الى بيت الأصنام الذي كان فيه قومه يعبدون هذه الأصنام، فاذا هو في بهو عظيم واسع مستقبل باب البهو صنم كبير الى جانبه أصنام صغيرة بعضها الى جنب بعض، واذا هم قد صنعوا لها طعاماً وضعوه أمام هذه الأصنام، فلما نظر ابراهيم عليه الصلاة والسلام الى ما بين أيدي هذه الأصنام من الطعام الذي وضعه قومه قرباناً لها ورأى سخافة عقولهم، خاطب هذه الأصنام وقال لها على سبيل التهكم والازدراء: {ما لكم لا تنطقون* فراغ عليهم ضرباً باليمين} [سورة الصافات].

أمسك بيده اليمنى فأساً وأخذ يهوي على الأصنام يكسرها ويحطم حجارتها قال تعالى: {فجعلهم جذاذاً} [سورة الأنبياء]، وما زال كذلك حتى جعلها كلها حطاما الا كبير هذه الأصنام فقد أبقى عليه وعلق الفأس في عنقه ليرجعوا اليه فيظهر لهم أنها لا تنطق ولا تعقل ولا تدفع عن نفسها ضرراً، وبذلك يقيم سيدنا ابراهيم عليه السلام الحجة على قومه الكافرين الذين يعبدونها على غير برهان ولا هدى تقليداً لآباءهم، قال تعالى: {الا كبيراً لهم لعلهم اليه يرجعون} [سورة الأنبياء].

ولما رجع قومه من عيدهم ووجدوا ما حل بأصنامهم بهتوا واندهشوا وراعهم ما رأوا في أصنامهم، قال الله تعالى: {قالوا من فعل هذا بآلهتنا انَّه لمن الظالمين* قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ابراهيم} [سورة الأنبياء] يعنون فتى يسبها ويعيبها ويستهزىء بها وهو الذي نظن أنه صنع هذا وكسرها، وبلغ ذلك الخبر الملك نمرود الجبار ملك البلاد وحاكمها وأشراف قومه {قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون} [سورة الأنبياء] وأجمعوا على أن يحضروا ابراهيم ويجمعوا الناس ليشهدوا عليه ويسمعوا كلامه وكان اجتماع الناس في هذا المكان الواحد مقصد ابراهيم عليه الصلاة والسلام ليقيم على قومه الحجة على بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وتقاطرت الوفود وتكاثرت جموع الكافرين كلّ يريد الاقتصاص من ابراهيم نبي الله الذي أهان أصنامهم واحتقرها، ثم جاءوا بابراهيم عليه الصلاة والسلام الى هذا الجمع الزاخر من الكافرين أمام ملكهم الجبار نمرود {قالوا ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم} [سورة الأنبياء] وهنا وجد نبي الله ابراهيم الفرصة سانحة ليقيم الحجة عليهم وليظهر لهم سخف معتقدهم وبطلان دينهم {قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون} [سورة الأنبياء] وهذا الزام للحجة عليهم بأن الأصنام جماد لا تقدر على النطق، وأنَّ هذه الأصنام لا تستحق العبادة فهي لا تضر ولا تنفع، ولا تملك لهم نفعاً ولا ضراً ولا تغني عنهم شيئاً.

فعادوا الى أنفسهم فيما بينهم بالملامة لأنهم تركوها من غير حافظ لها ولا حارس عندها، ثم عادوا فقالوا لابراهيم عليه السلام ما أخبر الله تعالى: {ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} [سورة الأنبياء] أي لقد علمت يا ابراهيم أن هذه الأصنام التي نعبدها لا تنطق فكيف تطلب منا أن نسألها.

فلما أقروا على أنفسهم بأن أصنامهم التي اتخذوها ءالهة من دون الله عاجزة عن الاصغاء والنطق واعترفوا أنها عاجزة لا تدرك ولا تشعر ولا تقدر ولا حياة لها، عند ذلك أقام ابراهيم عليه السلام الحجة عليهم وأفحمهم قال الله تعالى: {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم* أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} [سورة الأنبياء]، وقال لهم: {والله خلقكم وما تعملون} [سورة الصافات]، عند ذلك غلبوا على أمرهم وألزمهم نبي الله ابراهيم الحجة عليهم فلم يجدوا حجة يحتجون عليه، يقول تعالى: {وتلك حجتنا ءاتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاء انَّ ربك حكيم عليم} [سورة الأنعام].

قال تعالى: {ولقد ءاتينا ابراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين* اذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا ءاباءنا لها عابدين* قال لقد كنتم أنتم وءاباؤكم في ضلال مبين* قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين* قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهنَّ وأناْ على ذلكم من الشاهدين* وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين* فجعلهم جذاذاً الا كبيراً لهم لعلهم اليه يرجعون* قالوا من فعل هذا بآلهتنا انه لمن الظالمين* قالوا سمعنا فتىً يذكرهم يقال له ابراهيم* قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون* قالوا ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم* قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون* فرجعوا الى أنفسهم فقالوا انكم أنتم الظالمون* ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون* قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم* أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون* قالوا حرقوه وانصروا ءالهتكم ان كنتم فاعلين* قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم* وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين} [سورة الأنبياء].

فائدة: ليعلم أن قول ابراهيم عليه الصلاة والسلام: {بل فعله كبيرهم هذا} "بل فعله كبيرهم هذا" ليس كذباً حقيقياً بل هو صدق من حيث الباطن والحقيقة، لأن كبير الأصنام هو الذي حمله على الفتك بالأصنام الأخرى من شدة اغتياظه من هذا الصنم الكبير لمبالغتهم في تعظيمه بتجميل هيأته وصورته، فحمله ذلك على أن يكسر صغار الأصنام ويهين كبيرها، فيكون اسناد الفعل الى الكبير اسناداً مجازياً فلا كذب في ذلك، لأن الأنبياء يستحيل عليهم الكذب لأن من صفاتهم الواجبة لهم الصدق فهم لا يكذبون. ولمَّا قال ابراهيم عليه السلام لقومه عندما سألوه: {ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم* قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون} [سورة الأنبياء] أراد بذلك أن يبادروا الى القول بأنها لا تنطق قال تعالى: {فرجعوا الى أنفسهم فقالوا انكم أنتم الظالمون} [سورة الأنبياء].



ذكر مناظرة ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام
مع الملك الجبار نمرود الذي ادعى الألوهية

 


أقام ابراهيم عليه الصلاة والسلام الحجة على قومه بعد أن حطم أصنامهم، فاغتاظوا منه وأحضروه أمام ملكهم النمرود وأشراف قومه، فأخذ النمرود ينكر على ابراهيم عليه السلام دعوته الى دين الاسلام وأن الله تعالى هو رب العالمين لا رب سواه، وأخذ يدعي عناداً وتكبراً أنه هو الاله وقال لابراهيم: أخبرني الذي تعبده وتدعو الى عبادته ما هو، فقال له ابراهيم عليه السلام: {ربي الذي يُحي ويميت} [سورة البقرة] وبيَّن له أن الله تعالى هو خالق كل شيء، واستدل على وجود الخالق بحدوث هذه المشاهدات من احياء الحيوانات واماتتها، وأنه لا بد لهذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر من خالق مسخر لها ومدبر، فقال النمرود الجبار المستكبر: أنا أحيي وأميت أي أنا أحيي من أشاء بالعفو عنه بعد أن يكون صدر الحكم عليه بالقتل فينعم بالحياة، وأنا أميت من أشاء بأمري وأقضي عليه بحكمي، وقال: ءاخذ رجلين قد استوجبا القتل فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته.

ظن نمرود بمقالته هذه البعيدة عن الحقيقة أنه على صواب وأراد المراوغة والاستكبار والعناد، فأراد ابراهيم عليه السلام أن يفحمه بالحجة القوية ويضيق عليه الخناق ويظهر له جهله وسخف عقله أمام قومه، فأعطاه دليلاً قوياً على أن الله تعالى هو الخاق المدبر لهذا العالم، وأن ما ادعاه عناداً واستكباراً باطل فقال له: {فانَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} أي أن هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها الله الذي هو خالقها وخالق كل شيء، فان كنت كما زعمت باطلاً أنك تحيي وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب، فان الذي يحيي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب، وأمام هذه الحجة الساطعة وقف النمرود مبهوتاً مبغوتاً أمام قومه، قال تعالى: {ألم ترَ الى الذي حاجَّ ابراهيم في ربه أن ءاتاه الله الملك اذ قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال ابراهيم فانَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [سورة البقرة].

وأمام عناد واستكبار هذا الملك الطاغية واستمراره على غيّه وضلاله، يقال: ان الله بعث الى ذلك الملك الجبار العنيد ملكاً يأمره بالايمان بالله والدخول في دين الاسلام، فأبى عليه ثم دعاه ثانية فأبى عليه ثم دعاه الثالثة فأبى عليه وقال له: اجمع جموعك وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس وأرسل الله عليه ذباباً من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلط الله هذه الحشرات عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظاماً، ودخلت ذبابة في منخر النمرود فمكثت فيه أربعمائة سنة عذبه الله بها فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها.



معجزة ابراهيم عليه الصلاة والسلام
في عدم احتراقه بالنار

 


أراد قوم ابراهيم عليه السلام أن ينتقموا من ابراهيم عليه السلام لما كسر أصنامهم وحطمها وأهانها، فلمَّا غلبهم بحجته القوية الساطعة أرادوا مع ملكهم هذا أن ينتقموا منه ويحرقوه في نار عظيمة فيتخلصوا منه قال تعالى مخبراً عن قولهم: {قالوا ابنوا له بُنْياناً فألقوه في الجحيم} [سورة الصافات]، وقال: {قالوا حرّقوه وانصروا ءالهتكم ان كنتم فاعلين} [سورة الأنبياء]، فشرعوا يجمعون الحطب من جميع ما يمكنهم من الأماكن ليلقوه بها وجعلوا ذلك قرباناً لآلهتهم -على زعمهم- حتى قيل ان المرأة منهم كانت اذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملنَّ حطباً لحريق ابراهيم، وهذا يدل على عظم الحقد المتأجج في صدورهم ضد ابراهيم عليه السلام. ثم عمدوا الى حفرة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأضرموا النار فيها فتأججت والتهبت وعلا لها شرر عظيم لم ير مثله، وكانوا لا يستطيعون لقوة لهبها أن يتقدموا منها، ثم لما كانوا لا يستطيعون أن يمسكوا ابراهيم عليه الصلاة والسلام بأيديهم ويرموه في هذه النار العظيمة لشدة وهجها، صنعوا المنجنيق ليرموه من مكان بعيد، فأخذوا يقيدون ابراهيم عليه الصلاة والسلام وهو عليه الصلاة والسلام متوكل على الله حق توكله، فلما وضعوه عليه السلام في كفة هذا المنجنيق مقيداً مكتوفاً وألقوه منه الى وسط النار قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" كما روى ذلك البخاري عن ابن عباس.

فلما ألقي ابراهيم لم تحرقه النار ولم تصبه باذى ولا ثيابه، لأن النار لا تحرق بذاتها وطبعها وانما الله يخلق الاحراق فيها، قال الله: {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم} [سورة الأنبياء].

فكانت هذه النار الهائلة العظيمة برداً وسلاماً على ابراهيم فلم تحرقه ولم تحرق ثيابه، وقيل: لم تحرق سوى وثاقه الذي وثقوا وربطوا به ابراهيم عليه السلام. ويروى عن بعض السلف أن جبريل عليه السلام عرض له في الهواء فقال: يا ابراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما اليك فلا.


ولما خبا سعير هذه النار العظيمة وانقشع دخانها وجدوا ابراهيم سليماً معافى لم يصبه أي أذى فتعجبوا لأمره ونجاته، ومع أنهم رأوا هذه المعجزة الباهرة ظلوا على كفرهم وعنادهم ولم يؤمنوا بنبي الله ابراهيم عليه السلام، لقد أرادوا أن ينتصروا لكفرهم فخذلوا، يقول الله تبارك وتعالى: {وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين} [سورة الانبياء]، وقال: {قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم* فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين} [سورة الصافات].



هجرة ابراهيم عليه الصلاة والسلام الى بلاد الشام [فلسطين]
ودخوله مصر واستقراره في الأرض المقدسة

 


أصر قوم ابراهيم عليه الصلاة والسلام على الكفر والضلال ولم يؤمن به الا نفر قليل منهم، ولما لم يجد ابراهيم عليه السلام منهم اقبالاً الى الهدى والايمان أراد أن يهاجر الى بلد يتمكن فيه من عبادة الله ودعوة الناس فيه الى الايمان والاسلام، علَّه يجد هناك ءاذاناً صاغية وقلوباً واعية تقبل الحق والايمان وتُقرّ بوحدانية الله الملك الديان مالك السموات والأرض.

قال تعالى حكاية عن نبيه ابراهيم عليه السلام: {وقال اني ذاهبٌ الى ربي سيهدين} [سورة الصافات] وذلك حين أراد هجرة قومه بعد هذا الاصرار والعناد منهم على كفرهم وضلالهم، أي اني ذاهب الى حيث أمرني ربي عز وجل وهو الشام، أو المعنى الى حيث أتمكن فيه من عبادة ربي عز وجل. وقال تعالى في حق ابراهيم عليه الصلاة والسلام: {فآمن له لوطٌ وقال اني مهاجر الى ربي انَّه هو العزيز الحكيم* ووهبنا له اسحاق ويعقوب في ذريته النبوة والكتاب وءاتيناه أجره في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين} [سورة العنكبوت]. وهاجر سيدنا ابراهيم عليه السلام مع زوجته سارة وابن أخيه لوط الى أرض الشام، وبعث الله تعالى سيدنا لوطاً رسولا الى اهل سدوم في أطراف الأردن المؤتفكة، وكانت هجرة ابراهيم عليه السلام الى بر الشام بامر الله فيها بركة، ثم وهبه الله تبارك وتعالى بهجرته هذه في سبيل الله الأولاد الصالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب، يقول الله تبارك وتعالى: {ونجيناه ولوطاً الى الأرض التي باركنا فيها للعالمين* ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين* وجعلناهم أئمة يهدون بامرنا وأوحينا اليهم فعل الخيرات واقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} [سورة الأنبياء].



رحيل ابراهيم عليه السلام الى مصر


يقال: انه لما ضاقت سبل العيش في الشام وعمَّ القحط رحل ابراهيم عليه السلام الى مصر وكانت معه زوجته سارة، وكان على هذه الأرض ملك كافر جبار متسلط، وكان قابضاً على زمام الحكم في هذه البلاد، وكان من جملة الفساد الذي عند هذا الملك الخبيث أنه كان اذا دخلت الى بلدته وأرضه امرأة جميلة يأخذونها اليه ليفعل الفاحشة بها، فلما دخل ابراهيم عليه السلام مع زوجته سارة الى أرض الجبار وكانت سارة من أحسن وأجمل النساء وكانت لا تعصي ابراهيم عليه السلام، وصف حسن وجمال سارة عليها السلام لهذا الملك الجبار الخبيث فأرسل الى ابراهيم فقال له: من هذه المرأة التي معك؟ ففطن ابراهيم عليه السلام الى مقصده الخبيث ومأربه وخشي ان أخبره أنها زوجته أن أن يبيت له الشر فيقتله ليتخلص منه فيستأثر بسارة من بعده، فقال له ابراهيم: أختي أي أختي في الاسلام، فظن الملك الجبار أنها غير متزوجة، فطلب منه أن يحضرها اليه في قصره، وذهب ابراهيم عليه السلام الى زوجته سارة وأخبرها بما جرى مع هذا الملك الجبار وقال لها: يا سارة ليس على وجه الأرض زوجان مؤمنان غيري وغيرك وانَّ هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني، ودخلت سارة على هذا الملك الجبار بعد أن قامت وتوضأت ودعت الله تعالى أن يكفيها شر هذا الملك الجبار، فلما رءاها هذا الملك أعجب بها ومدَّ يده اليها ليتناولها بيده لكنه أخذ ويبست يده فقال لها: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله تبارك وتعالى فانفكت يده بعد يبسها وعادت الى طبيعتها، ولكنَّ هذا الخبيث طاوع نفسه الخبيثة وامرته أن يمد يده الى سارة ليتناولها مرة ثانية، فلما أهوى اليها يبست له مثل المرة الأولى أو أشد، فقال لها: ادعي الله لي ولا أضرك فدعت سارة الله تعالى فأطلق الله يده، فلما رأى هذا الخبيث ما رأى ردها الى ابراهيم عليه السلام، ودعا بعض حجبته فقال لهم: انكم لم تأتوني بانسان انما اتيتموني بجنيه، ووهب لسارة وأخدمها هاجر، فأقبلت سارة عليها السلام بهاجر الى زوجها ابراهيم عليه السلام وهو قائم يصلي، ثم لما سالها ابراهيم عما جرى معها قالت له: كفى الله كيد الكافرين وأخدمني هاجر، وقد روى هذه القصة بنحوها البخاري في صحيحه عن أبي هريرة موقوفاً، والبزار في مسنده والامام أحمد عن ابي هريرة مرفوعاً.

فائدة: روى البخاري أنَّ سارة زوجة إبراهيم عليه السلام توضأت لمّا أتى إبراهيم أرض الجبار، وهذا يدلُّ على أن الوضوء كان موجودًا قبل أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وفي شريعة الأنبياء السابقين.



مولد اسماعيل عليه السلام وقصة ماء زمزم

 


مكث ابراهيم عليه الصلاة والسلام مع زوجته سارة في فلسطين واستقر بها وكانت زوجته عقيماً لا تلد وكان يحزنها أن ترى زوجها ليس له ولد قيل: كان قد بلغ من العمر ستاً وثمانين سنة وهي قد جاوزت السبعين، فوهبت سارة هاجر وأعطتها لزوجها ابراهيم عليه الصلاة والسلام، فقبل ابراهيم ذلك فلما أعطت سارة هاجر لابراهيم عليه السلام صارت ملكه وحلالا له في شريعة الله لانها كانت أمة مملوكة، فلما دخل ابراهيم بهاجر ولدت له غلاماً زكياً هو سيدنا اسماعيل عليه السلام الذي كان من نسله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ففرح ابراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا المولود الجديد كذلك فرحت زوجته سارة لفرحه، ولمَّا بلغ ابراهيم مع ابنه اسماعيل وأمه هاجر مكة [1] وكانت هاجر ترضع ابنها اسماعيل، وضعها ابراهيم مع ابنه عند دوحة - وهي الشجرة الكبيرة- فوق زمزم في أعلى المسجد، في ذلك المكان القفر وليس بمكة يومئذ أحد ولا بنيان ولا عمران ولا ماء ولا كلأ، تركهما هناك وترك لهما كيساً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم لما اراد العودة الى بلاد فلسطين وقفَّى راجعاً لحقته هاجر أم اسماعيل وهي تقول له: يا ابراهيم اين تتركنا في هذا المكان الذي ليس فيه سمير ولا انيس؟ وجعلت تقول له ذلك مراراً وكان يريد أن يطيع الله فيما أمره عند ذلك فقالت له: ءالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت له بلسان اليقين وبالمنطق القويم: اذاً لا يضيعنا، ثم رجعت.

ولما ابتعد ابراهيم عن ولده وأم اسماعيل هاجر قليلاً وعند الثنية التفت جهة البيت ووقف يدعو الله تبارك وتعالى ويقول: {ربنا اني أسكنت من ذريني بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي اليها وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} [سورة ابراهيم].

مكثت هاجر أم اسماعيل مع ولدها اسماعيل حيث وضعهما ابراهيم عليه السلام وصارت ترضع ولدها اسماعيل وتشرب من ذلك الماء الذي تركه لهما ابراهيم، حتى اذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعل يبكي ويتلوى من شدة العطش، وجعلت تنظر اليه وهو يتلوى، وانطلقت كراهية أن تنظر اليه في هذه الحالة وصارت تفتش له عن ماء، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فصعدت عليه، ثم استقبلت الوادي وصارت تسعى سعي المجهود حتى وصلت الى جبل المروة، فصعدت عليه ونظرت فلم تجد احداً، فأخذت تذهب وتجيء بين الصفا والمروة سبع مرات، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: أغثنا ان كان عندك غواث؟ فرأت ملكاً وهو جبريل عليه السلام يضرب بقدمه الأرض حتى ظهر الماء السلسبيل العذب وهو ماء زمزم، فجعلت أم اسماعيل تحوط الماء وتغرف منه بسقائها وهو يفور، وجعل جبريل يقول لها: لا تخافي الضياع فان لله ههنا بيتاً وأشار الى أكمة مرتفعة من الأرض يبنيه هذا الغلام وأبوه. روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم" أو قال: "لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً".

شربت هاجر من ماء زمزم، وارتوت وأرضعت ولدها اسماعيل شاكرة الله الكريم اللطيف على عظيم فضله ورحمته وعنايته، ثم بدات الطيور ترد ذلك الماء وتحوم حوله، ومرَّت قبيلة جرهم العربية فرأوا الطيور حائمة حول ذلك الماء، فاستدلوا بذلك على وجود الماء، فوصلوا الى ماء زمزم واستأذنوا من أم اسماعيل أن يضربوا خيامهم حول ذلك المكان قريباً منه فأذنت لهم واستأنست بوجودهم حولها، ثم أخذ العمران يتكاثر ببركة هذا الماء المبارك الذي خلقه الله في ذلك المكان من هذه البقعة المباركة الطيبة.

شبَّ اسماعيل عليه السلام ولد ابراهيم بين قبيلة جرهم العربية ةتعلم منهم العربية وترعرع بينهم، ولما أعجبهم سيرته وخلقه زوجوه امرأة منهم، وأصبحت مكة مأهولة بالسكان منذ ذلك الحين بعد أن كانت جرداء وقفراً موحشاً، وكان سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام بعد أن رجع الى فلسطين بعد كل مدة وحين ذهب الى مكة يتردد اليهم وينظر اليهم ويتفقدهم صلوات الله وسلامه عليه.

فائدة: جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فانَّ لهم ذمة ورحماً" قيل: يعني ولادة هاجر لاسماعيل، وقيل غير ذلك، والحديث رواه الطبراني، وقال الحافظ الهيثمي: "رواه الطبراني باسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح".



قصة الذبيح اسماعيل عليه السلام [2]

 

قال الله تبارك وتعالى: {وقال اني ذاهبٌ الى ربي سيهدين* ربِّ هِب لي من الصالحين* فبشرناه بغلام حليم* فلما بلغ معه السَّعيَ قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين* فلمَّا أسلما وَتَلَّه للجبين* وناديناه أن يا ابراهيم* قد صدقت الرؤيا انَّا كذلك نجزي المحسنين* انَّ هذا لهو البلاء المبين* وفديناه بذبح عظيم* وتركنا عليه في الآخرين* سلامٌ على ابراهيم* كذلك نجزي المحسنين* انَّه من عبادنا المؤمنين} [سورة الصافات].

يذكر الله تبارك وتعالى عن خليله ابراهيم عليه الصلاة والسلام أنه لما هاجر من بلاد قومه الى حيث يتمكن من طاعة الله وعبادته والجهاد في سبيله، سأل ربه أن يهبه ولداً صالحاً فبشره الله تبارك وتعالى بغلام مبارك حليم وهو اسماعيل عليه السلام، لأنه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر ابراهيم عليه الصلاة والسلام.
ومعنى قوله تعالى: {فلمَّا بلغ معه السَّعْيَ} أي شبَّ وصار يسعى في مصالحه الدنيوية والأخروية كأبيه ابراهيم عليهما الصلاة والسلام.

ثم رأى ابراهيم عليه السلام في منامه رؤيا أنَّ الله تعالى يأمره بذبح ولده اسماعيل ورؤيا الأنبياء وحي، فما كان من نبي الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام بعد أن استيقظ من النوم الا أن سارع لتنفيذ أمر الله تبارك و تعالى دون تردد، فقد قيل: لما أراد ابراهيم عليه السلام ذبح ولده اسماعيل قال له: انطلق فنقرِّب قرباناً الى الله عز وجل، فأخذ سكيناً وحبلاً ثم انطلق مع ابنه اسماعيل وقيل اسحاق حتى اذا ذهبا بين الجبال قال له اسماعيل: يا أبت اين قربانك؟ فقال له ابراهيم: {اني أرى في المنام أني أذبحك* فانظر ماذا ترى} [سورة الصافات].

يقال: عرض ابراهيم ذلك على اسماعيل ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسراً ويذبحه قهراً، فبادر اسماعيل الحليم أباه بقوله: {يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين} [سورة الصافات] فكان جواب اسماعيل لأبيه ابراهيم في غاية السداد والطاعة لأبيه ابراهيم عليه السلام. وأراد اسماعيل أن يخفف عن أبيه لوعة الثكل ويرشده الى أقرب السبل ليصل الى قصده فقال لأبيه ابراهيم: يا أبت اجعل لي وثاقاً وأحكم رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليك من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي فاذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني، فأقبل ابراهيم برأفة وحنان الآباء يقبله ويبكي ويقول له: نعم العون أنت لي يا بني على أمر الله عز وجل، قال الله تعالى: {فلمَّا أسْلما وتلَّهُ للجبين} [سورة الصافات] أي فلما استسلما لأمر الله وألقاه على وجهه، وقيل: أراد ابراهيم أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال الذبح.

وأمر ابراهيم السكين على رقبة ولده اسماعيل فلم تقطع شيئاً لأن الله تبارك وتعالى لم يشأ لها أن تقطع، لأن السكين لا يقطع بطبعه وبذاته وانما خالق القطع هو الله تعالى وحده، والسكين سبب لقطع فلا تقطع الا بمشيئة الله فالله تبارك وتعالى خالقٌ للسكين وخالقٌ للقطع أي خالق للسبب والمسبب، فالأسباب لا تخلق شيئاً وانما الخالق هو الله تعالى وحده، كما أن الله تعالى هو خالق الاحراق وخالق النار التي هي سبب للاحراق، فالنار لم تحرق نبي الله ابراهيم عندما ألقي فيها لأن الله تعالى خالق الاحراق ولم يشأ لها أن تحرق نبيه ابراهيم عليه السلام يقول الله جلت قدرته: {الله خالق كل شيء وهو على كل شىء وكيل} [سورة الزمر].

وعندما أمرّ ابراهيم عليه الصلاة والسلام السكين على رقبة اسماعيل عليه السلام فلم تحك شيئاً ولم تقطع نُدي: {أن يا ابراهيم* قد صدَّقت الرؤيا انَّا كذلك نجزي المحسنين* انَّ هذا لَهُوَ البَلَؤاْ المبين* وفَدَيْناه بذبح عظيم} [سورة الصافات].

أرسل الله عَظُمت قدرته لابراهيم فداء لاسماعيل بذبح وهو كبش عظيم، قيل: كان قد رعي في الجنة أربعين سنة وكان هذا الكبش أبيض عظيماً أقرنَ ذبحه ابراهيم بمنى فداء ابنه اسماعيل عليه السلام.

فائدة: لما أراد ابراهيم ذبح اسماعيل تنفيذاً لأمر الله ظهر له ابليس ثلاث مرات عند موضع الجمرات الثلاث اليوم، وذلك ليوسوس له بالمعصية فرماه سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام عند هذه المواضع بالحصى اهانة له، فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بهذا الرمي احياء لسنة نبي الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك رمز لمشروعية مخالفة الشيطان واهانته وليس معنى الرجم أن الشيطان يسكن هناك.



بناء ابراهيم واسماعيل البيت الحرام في مكة المكرمة


قال الله تبارك وتعالى: {واذْ بَوَّأنا لابراهيم مكانَ البيتِ أن لا تشركْ بي شيئاً وطَهِّرْ بيتي للطائفين والقائمين والرّكّع السجود* وأذِّن في الناس بالحج يأتوكَ رجالاً وعلى كلِّ ضامرٍ يأتينَ من كلِّ فَجّ عميق} [سورة الحج].

أمر الله تبارك وتعالى ابراهيم عليه الصلاة والسلام ببناء البيت الحرام - الكعبة- وبوأه الله مكانه أي أرشده اليه ودله عليه، وقيل ان الذي دله على موضع البيت هو جبريل عليه السلام، فسار ابراهيم عليه السلام الى مكة المكرمة، فلما وصل الى مكة وجد اسماعيل يُصلح نبلا له وراء زمزم فقال له: يا اسماعيل ان الله قد أمرني أن أبني بيتاً، قال له اسماعيل: فأطع ربك، فقال له ابراهيم: قد أمرك أن تعينني على بنائه، قال: اذن أفعل، فقام ابراهيم الى مكان البيت، فجعل يبني واسماعيل يناوله الحجارة، وكلما انهيا بناء صف منها ارتفع مقام ابراهيم به حتى يبني الذي فوقه، وهكذا حتى تمت عمارتها.

ومقام ابراهيم هو حجر كان يقف عليه ابراهيم عند بناء الكعبة وضعه له ابنه اسماعيل ليرتفع عليه لما تعالى البناء، قال الله تبارك و تعالى: {واذْ يرفعُ ابراهيمُ القواعدَ من البيتِ واسماعيلُ رَبَّنا تَقبَّل منا انكَ أنت السميع العليم* ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكاً وتُبْ علينا انك أنت التواب الرحيم* ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم ءاياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويُزَكيهم انك أنت العزيز الحكيم} [سورة البقرة].

والمقصود أن ابراهيم الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في وادٍ غير ذي زرع، ودعا لأهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار وأن يجعله الله حرماً ءامناً.

كذلك سأل ابراهيم عليه السلام الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويطهرهم. وقد استجاب الله تعالى دعوة نبيه ابراهيم فبعث في العرب وفي أشرف القبائل منهم رسولا عظيماً وهو سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين.

وعندما أكمل ابراهيم بناء الكعبة قال لابنه اسماعيل: ايتني بحجر حسن أضعه على الركن فيكون للناس علماً، فأتاه جبريل عليه السلام بالحجر الأسود فأخذه ووضعه موضعه.

تنبيه: ليعلم أن الحجر الأسود هو ياقوتة بيضاء من الجنة لكن لمَّا تمسح به المشركون صار أسودَ.

وأن الكعبة هي أول بيت ومسجد وضع في هذه الأرض وءادم عليه السلام هو أول من بناه، وقد انهدم بطوفان نوح عليه السلام الذي عم كل الأرض، قال تعالى: {انَّ أوَّلَ بيتٍ وضعَ للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين} [سورة ءال عمران].


والكعبة وسط المعمورة وفوقها الى السماء السابعة البيت المعمور وهو بيت مشرف هو لأهل السماء الملائكة كالكعبة لأهل الأرض، كل يوم يدخله سبعون ألف ملك يصلون فيه ثم يخرجون ولا يعودون أبداً.

فائدة: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم حيث أدركته الصلاة فصلّ فكلها مسجد".

وبعد أن فرغ ابراهيم عليه السلام من بناء البيت الحرام مع اسماعيل أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج فأذن ودعاهم الى حج بيت الله الحرام، وروي أنه نادى: أيها الناس ان الله قد كتب عليكم الحج الى البيت العتيق، وخرج ابراهيم عليه الصلاة والسلام مع ولده اسماعيل وقاما بمناسك الحج، وروي أن جبريل هو الذي أرى ابراهيم كيف يحج.

وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ان ابراهيم قام على الحجر فقال: يا أيها الناس ان الله فرض عليكم الحج فأسمع من كان في أصلاب الآباء وأرحام النساء ممن ءامن وكتب الله انه يحج الى يوم القيامة، فأجاب: لبيك اللهم لبيك. حسّن ذلك الحافظ ابن حجر، وهذا الذي ثبت عن ابن عباس مما لا يقال بالرأي بل بالتوقيف.

مولد اسحاق عليه الصلاة والسلام


قال تعالى في حق ابراهيم عليه الصلاة والسلام: {وبشرناه باسحاق نبياً من الصالحين* وباركنا عليه وعلى اسحاق ومن ذريتهما محسنٌ وظالمٌ لنفسه مبين} [سورة الصافات].

وقال الله تبارك وتعالى: {هل أتاك حديثُ ضيف ابراهيم المكرمين* اذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلامٌ قومٌ منكرون* فراغ الى أهله فجاء بعجل سمين* فقرَّبه اليهم قال ألا تأكلون* فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم* فأقبلت امرأته في صرة فصكَّت وجهها وقالت عجوز عقيم* قالوا كذلك قال ربك انه هو الحكيم العليم} [سورة الذاريات].

كان ابراهيم عليه السلام يذهب بعد كل مدة الى مكة المكرمة يتفقد ولده اسماعيل وأمه هاجر عليهم السلام وقد صار اسماعيل عليه السلام بعدما تزوج هناك نبياً. وبعد أن بلغت زوجته سارة سن اليأس وهو السن الذي لا تلد المرأة فيه عادة وكانت امرأة عقيماً وكان عمرها تسعين سنة رزقها الله ورزق زوجها ابراهيم عليه الصلاة والسلام ابناً نجيباً عليماً هو اسحاق عليه السلام الذي صار بعد ذلك نبياً كأخيه اسماعيل عليهما السلام.

أما كيف جاء ابراهيم وزوجته سارة البشارة بهذا الولد الطيب فقد ذكر الله تبارك وتعالى أن ثلاثة من الملائكة المكرمين عنده قيل هم: جبريل وميكائيل واسرافيل لما وفدوا على نبي الله ابراهيم الخليل حسبهم أولاً ضيوفاً، فعاملهم معاملة الضيوف وشوى لهم عجلاً سميناً من خيار بقره، فلما قربه اليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة الى الاكل لأن ملائكة الله الكرام لا ياكلون ولا يشربون ولا يتعبون ولا يتوالدون وليس فيهم حاجة الى الطعام، فلما وجد ابراهيم عليه السلام أن ضيوفه ليس لهم همة على الأكل لم يعرفهم ونكرهم وأوجس منهم خيفة، عند ذلك هدّءوا روعه وقالوا له: لا تخف، وطمأنوه أنهم في طريقهم الى مدائن قوم لوط الكافرين ليدمروها وينزلوا بهم العذاب لكفرهم وفجورهم، فاستبشرت عند ذلك سارة غضباً لله عليهم، وكانت قائمة على رءوس الضيوف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم، وضحكت استبشاراً بذلك قال الله تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب} [سورة هود] أي بشرتها الملائكة بذلك، عند ذلك أقبلت سارة في صرخة وصكّت وجهها كما يفعل النساء عند التعجب وقالت: كيف يلد مثلي وأنا امرأة كبيرة وعقيم وزوجي شيخ كبير فقالوا لها: {أتعجبين من أمر الله رحمتُ الله وبركاته عليكم أهل البيت انه حميدٌ مجيدٌ} [سورة هود]، وكذلك تعجب ابراهيم استبشاراً بهذه البشارة فرحاً بها: {قالوا أبَشَّرْتموني على أن مّسَّني الكبر فيم تبشرون* قالوا بشَّرناك بالحق فلا تكن من القانطين} [سورة الحجر] أي اليائسين، فأكدوا لابراهيم هذه البشارة وبشروه وزوجته سارة بغلام عليم وهو اسحاق أخو اسماعيل عليهما الصلاة والسلام.



ذكر ثناء الله تعالى ورسوله الكريم محمد
على نبي الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام

 


يقول الله تبارك وتعالى في الثناء على نبيه ابراهيم الخليل عليه السلام: {وابراهيم الذي وَفَّى} [سورة النجم] قيل: وفّى في جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه، وكان لا يشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار.

وقال تعالى: {واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال اني جاعلك للناس اماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} [سورة البقرة].
قيل: لما وفّى ابراهيم عليه الصلاة والسلام ما أمره الله به من التكاليف العظيمة، جعله للناس اماماً يقتدون به ويأتمون بهديه، وسأل ابراهيم ربه أن تكون هذه الامامة متصلة بنسبه وباقية في ذريته فأجيب الى ما سأل واستثني من نيلها الظالمون، واختص بها من ذريته العلماء العاملون والصالحون كما قال تعالى: {ووهبنا له اسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وءاتيناه أجره في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين} [سورة العنكبوت] وقال الله تعالى: {ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين* وزكريا ويحيى وعيسى والياس كلٌ من الصالحين* واسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين* ومن ءابائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم وهديناهم الى صراط مستقيم} [سورة الأنعام].

فالضمير في قوله تعالى: {ومن ذريته} عائد على ابراهيم عليه السلام في المشهور، وقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحاً وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} [سورة الحديد]، فقيل: كل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد ابراهيم الخليل فعلى ذريته وهذه منزلة عالية ومرتبة عليّة، وذلك أنه ولد لابراهيم الخليل لصلبه ولدان ذكران عظيمان صارا نبيين ورسولين وهما: اسماعيل من هاجر، ثم اسحاق من سارة، وولد لاسحاق يعقوب وهو اسرائيل الذي كثرت جداً في ذريته النبوة بحيث لا يعلم عددهم الا الله تبارك وتعالى الذي بعثهم، حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بني اسرائيل.

وأما اسماعيل عليه السلام الذي كان عربياً ونشأ بين قبيلة جرهم العربية وتعلم منهم اللغة العربية وتزوج منهم، فلم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتم الأنبياء على الاطلاق وسيدهم وسيد الأولين والآخرين وهو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الذي ولد بمكة وهاجر الى المدينة، فكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ينتهي نسبه الى اسماعيل بن ابراهيم عليهم الصلاة والسلام الجوهرة الباهرة والدرة الزاهرة وواسطة العقد الفاخرة الذي يغبطه الأولون والآخرون لأنه سيد ولد ءادم يوم القيامة. وقد مدح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ابراهيم عليه الصلاة والسلام الذي هو من ذريته وقد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "سأقوم مقاماً يرغب اليّ الخلق كلهم حتى ابراهيم".

وروي عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: ان أباكما كان يعوذ بها اسماعيل واسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة".
وقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "انَّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم خليل الله"، قال تعالى: {انَّ أولى الناس بابراهيم للذين اتَّبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا والله ولي المؤمنين} [سورة ءال عمران].

والذين اتبعوه هم الذين كانوا على ملته ودينه الاسلام من أتباعه في زمانه ومن تمسك بدينه من بعدهم وقوله تعالى: {وهذا النبي} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم فان الله شرع له الدين الاسلامي الحنيف وارتضاه له صلى الله عليه وسلم، لأن الأنبياء جميعهم مسلمون دينهم واحد هو الاسلام، قال الله تبارك وتعالى: {انَّ الدين عند الله الاسلام} [سورة ءال عمران] وبياناً لهذه الحقيقة يقول الله تبارك وتعالى: {قل انني هداني ربي الى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة ابراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} [سورة الأنعام].


وقيل: قوله تعالى: {أمّةً} أي قدوة اماماً مهتدياً داعياً الى الخير يقتدى به فيه، وقوله: {قانتاً لله} أي خاشعاً له في جميع حالاته وحركاته وسكناته، وقوله تعالى: {حنيفاً} أي مائلا عن الأديان الباطلة الى الدين الحق وهو الاسلام.

فائدة: أول من اختتن ابراهيم، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اختتن ابراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقّدوم" وورد في الاخبار أنه أول من شاب.



وفاة ابراهيم عليه الصلاة والسلام


توفي سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام وله من العمر مائتي سنة كما يفهم ذلك من حديث ابن حبان السابق ذكره، وقيل: عاش سيدنا ابراهيم مائة وخمساً وسبعين سنة.

وقد عاش عليه السلام بعد هجرته من العراق - بابل- في فلسطين وقد استقر بها، وكان يتردد الى مكة المكرمة من حين لآخر ليتفقد ولده اسماعيل وأمه هاجر عليهما السلام.

وقد دفنه ابناه اسماعيل واسحاق عليهما السلام في المغارة التي كان قد دفن فيها ابراهيم الخليل زوجته سارة بقرية حبرون وهو البلد المعروف اليوم بالخليل، وهذا ملتقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيلا بعد جيل من زمن اسرائيل الى زماننا هذا.

الهوامش:

 

[1] ذكر أهل السير أن سارة غارت من هاجر فأخرجها إبراهيم عند ذلك وأنزلها وإسماعيل مكة.

[2] إن الله إذا أمر بشيء يكون حسنًا فالله يُبيح ما يشاء ويحرّم ما يشاء فقد أباح لنا أن نذبح بعض البهائم ونستمتع بأكلها، أما أمر الله لإبراهيم بذبح ولده إسماعيل فيه حكمة وهي إظهار كمال انقياد إبراهيم وإسماعيل لله.

قال الله تبارك وتعالى: {واذكُر في الكتابِ إسماعيلَ إنَّهُ كانَ صادقَ الوعدِ وكانَ رسولاً نبيًا} [سورة مريم].

 

نسبه

 

هو إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن عليهما الصلاة والسلام، وهو ابن هاجر المصرية التي وهبتها سارة زوجة إبراهيم إلى زوجها إبراهيم، وهو جدُّ الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذ إنّ الرسول يعودُ نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم.

 

 بعثته عليه السلام

 

أرسل الله تعالى إسماعيل عليه السلام إلى القبائل العربية التي عاش في وسطها وإلى العماليق [1] وأهل اليمن فدعاهم إلى الإسلام وعبادة الله وحده، قال الله تعالى: {إنَّا أوْحَينا إليكَ كما أوحينا إلى نوحٍ والنَّبِيِّنَ مِنْ بعدِهِ وأوحينا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاق} [سورة النساء]، وهذا مما يدل على أن دين الأنبياء كلهم واحد هو الإسلام.

وقد أثنى الله عليه ووصفه بالحلم والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب، مع دعوته عليه السلام إلى عبادة الخالق وحده وهو الله سبحانه وتعالى، قال الله تبارك وتعالى في حق نبيه إسماعيل عليه السلام: {وكانَ يأمُرُ أهلَهُ بالصلاةِ والزكاةِ وكانَ عندَ ربِّهِ مَرْضِيًّا} [سورة مريم].

 

البُشرى بإسماعيل عليه السلام

 

قال الله تبارك وتعالى: {وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى ربِّي سيهدينِ* ربِّ هَبْ لي مِنَ الصالحينَ* فبَشَّرناهُ بغُلامٍ حليمٍ* فلمَّا بلغَ معهُ السَّعيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المنامِ أنِّي أذبحُكَ فانظُرْ ماذا ترى قالَ يا أبتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ستجِدُني إن شاء اللهُ مِنَ الصابرينَ} [سورة الصافات].

لقد بشر الله تبارك وتعالى خليله إبراهيم عليه السلام بغلام حليم وهو إسماعيل عليه السلام، وقد رزق به وله من العمر سبع وثمانون سنة، ولما شبّ إسماعيل وصار يسعى في مصالحه كأبيه رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحي ومن خصائص الأنبياء أن قلوبهم لا تنام إنما تنام أعينهم، فأخبر إبراهيم ولده إسماعيل بهذه الرؤيا فكان موقف إسماعيل الصبر والثبات، وأظهر لأبيه التسليم لأمر الله وأنه سيكون عَوْنًا له على طاعة الله، فكان له الدرجات العلى عند الله.

 

نشأةُ إسماعيل وما كان عليه من قصته مع أبيه إبراهيم

 

لما شب إسماعيل عليه السلام في تلك البقعة المباركة من مكة المكرمة وترعرع في قبيلة جرهم وتعلم منهم اللغة العربية وأساليبها، ولما رأوا عظيم سيرته وخلقه زوّجوه من فتاة عربية من قبيلتهم قيل: هي عمارة بنت سعد. ثم ماتت أمه هاجر عليها السلام في مكة، وجاء إبراهيم عليه السلام مرة إلى مكة من فلسطين يريد أن يتفقد إسماعيل فلم يجد إسماعيل عليه السلام فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم، فقالت: نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، فقال لها إبراهيم: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل عليه السلام كأنه ءانس شيئًا فقال لزوجته: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا وذكرت له صفته، فسألني عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا في جهد وشدة، فقال لها إسماعيل: هلى أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك: غيّر عتبة بابك، فقال عندئذ إسماعيل لزوجته: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، فطلقها عليه السلام وتزوج من قبيلة جرهم امرأة أخرى قيل: هي السيدة بنت مُضاض الجرهمي، وغاب عنهم نبي الله إبراهيم عليه السلام ما شاء الله، ثم أتاهم بعد مدة فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت له: خرج يبتغي لنا [أي في أمور المعيشة] قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل فقال لها: وما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، فدعا عليه الصلاة والسلام وقال في دعائه: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، ثم قال عليه السلام: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومُريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنّا بخير، فقال لها إسماعيل: أفأوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، فقال لها عند ذلك إسماعيل عليه السلام: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم غاب إبراهيم عليه السلام عنهما فترة ثم عاد مكة المكرمة ورأى ابنه إسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قرب ماء زمزم، فلما رءاه إسماعيل قام إليه يشده الحنان والشوق إلى أبيه إبراهيم، وصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال إبراهيم لولده إسماعيل: إن الله أمرني بأمر، فأخبره بأن الله أمره أن يبني بيتًا وهو المسجد الحرام الكعبة، ودله على المكان فعند ذلك تعاون إبراهيم مع ولده إسماعيل على بناء الكعبة ورفعا القواعد من البيت، وجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم عليه الصلاة والسلام يبني قال تعالى: {وإذْ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ مِنَ البيتِ وإسماعيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنتَ السميعُ العليمُ} [سورة البقرة].

 

شيء من سيرته

 

ذُكر من سيرته أنه أول من ركب الخيل وكانت قبل ذلك وحوشًا فآنسها وركبها ودعا لها بدعوته التي كان أعطي فأجابته، وكان إسماعيل عليه السلام قد تكلم بالعربية الفصيحة البليغة التي تعلمها من قبيلة جرهم الذين نزلوا عندهم بمكة بسبب ماء زمزم الطيب المبارك.

 

أولاده

 

ولد لإسماعيل عليه السلام من زوجته الثانية وهي السيدة بنت مضاض الجرهمي اثنا عشر ولدًا ذكرًا، وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إليه.

 

وفاته

 

مات عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة بعد أن أدى رسالة ربه وبلّغ ما أمره الله بتبليغه، ودعا إلى دين الإسلام وإلى عبادة الله الملك الديان، ودُفن عليه السلام قرب أمه هاجر في الحجر، وقيل: كان عمره يوم مات مائة وسبعًا وثلاثين سنة صلوات الله وسلامه عليه. وقد مضى ذكر شيء من أخباره في قصة أبيه إبراهيم عليه السلام.

 

الهوامش:

 

[1] العماليق هم ذرية عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام.

قال الله تبارك وتعالى: {وإلى ثمودَ أخاهُم صالحًا قالَ يا قومِ اعبُدوا اللهَ ما لكُم مِن إلهٍ غيرهُ} [سورة الأعراف].

 

عدد المرات الذي ذكر فيها نبي الله صالح في القرءان

 

ذكر اسم صالح عليه الصلاة والسلام في القرءان تسع مرات، وقد ذكر الله تبارك وتعالى من قصته وما جرى بينه وبين قومه من جدال في سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، وسورة النمل، وسورة الحجر، وسورة القمر، وسورة الشمس، وفصلت، والذاريات، والحاقة.

 

نسب نبي الله صالح عليه السلام وقبيلته ثمود

 

قيل في نسبه عليه السلام إنه صالح بن عبيد بن ماسح بن عبيد بن حادر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، وقيل غير ذلك، وقد أرسل الله تعالى نبيه صالحًا إلى ثمود وهم قبيلة مشهورة سميت باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما ابنا عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهم من العرب الذين كانوا يسكنون الحِجر الذي هو بين الحجاز والأردن، وقد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين، وما زالت ءاثارهم باقية هناك تعرف باسم "مدائن صالح".

 

مساكن ثمود وماذا كانوا يعبدون وإرسال نبي الله صالح

لدعوتهم إلى الإيمان وترك عبادة الأوثان

 

قال الله تبارك وتعالى: {وإلى ثمودَ أخاهُم صالحًا قالَ يا قومِ اعبُدوا اللهَ ما لكُم مِنْ إلهٍ غيرُهُ قد جاءَتْكُم بيِّنَهٌ مِن ربِّكُم هذهِ ناقةُ اللهِ لكم ءايةً فذروها تأكُل في أرضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بسوءٍ فيأخُذَكُم عذابٌ أليمٌ} [سورة الأعراف].

أسكن الله تعالى قبيلة ثمود أرضًا بين الحجاز وتبوك وأسبغ عليهم من نعمه الكثيرة كما أسبغ على قبيلة عاد من قبلهم، ولكنهم لم يكونوا أحسن حالاً من أسلافهم ولم يتعظوا بما حلّ بعاد، ولم يشكروا الله تعالى بعبادته واتباع نبيه وتصديقه، بل أشركوا به وعبدوا الأصنام من دون الله وانفتنوا بالنعيم وسعة العيش الذي كانوا فيه.

بعث الله تبارك وتعالى نبيه صالحًا وكان من أشرفهم نسبًا وأصفاهم عقلاً وأوسعهم حلمًا، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وحضّهم على توحيده وعبادته، وبيّن لهم أن الأوثان والأصنام لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا ولا تُغني عنهم من الله تعالى شيئًا، وقال لهم ما أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز: {واذكروا إذ جَعَلَكُم خُلفاءَ من بعدِ عادٍ وبَوَّأكُم في الأرضِ تتَّخذونَ مِن سُهُولها قُصورًا وتَنْحِتونَ الجبالَ بُيُوتًا فاذكروا ءالاءَ اللهِ ولا تَعْثوا في الأرضِ مُفسدينَ} [سورة الأعراف].

أي أن الله تبارك وتعالى جعلكم من بعد عاد لتعتبروا بما كان من أمرهم وكيف أهلكهم الله بكفرهم فتعملوا بخلاف عملهم وتشكروا الله بعبادته وحده وترك عبادة الأصنام وتصدقوا نبيه، وقد أباح الله لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور وتنحتون في الجبال بيوتًا حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها، فقابلوا نعمة الله بالشكر وعبادته وحده لا شريك له وإياكم ومخالفته وترك الإيمان به وتكذيب نبيه فتكون عاقبة ذلك وخيمة عليكم. وأمرهم عليه السلام أن لا يتبعوا الضالين المسرفين المفسدين الذين يُزينون لهم الضلال والفساد ولا يريدون الإصلاح قال الله تعالى في كتابه العزيز مُبينًا ما قال نبيه صالح عليه السلام لقومه ثمود في دعوته لهم إلى الإيمان وعبادة الله وحده وطاعته: {كذَّبَتْ ثمودُ المُرسلينَ* إذْ قالَ لهُم أخوهُم صالحٌ ألا تتَّقونَ* إنِّي لكُم رسولٌ أمينٌ* فاتَّقوا اللهَ وأطيعونِ* وما أسئلُكُم عليهِ من أجرٍ إنْ أجْرِيَ إلا على ربِّ العالمينَ* أتَتْرُكونَ في ما هَهُنا ءامنينَ* في جَنَّتٍ وعيونٍ* وزُروعٍ ونخلٍ طَلْعُها هضيمٌ* وتنحِتونَ مِنَ الجبالِ بُيُوتًا فارهينَ* فاتَّقوا اللهَ وأطيعونِ* ولا تُطيعوا أمرَ المُسرفينَ* الذينَ يُفسدونَ في الارضِ ولا يُصلحونَ} [سورة الشعراء].

فبيّن سيدنا صالح لقومه أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقهم وجعلهم عمّار هذه الأرض بعد قوم عاد وجعل لهم في الأرض الزروع والثمار فهو الخالق والإله والرازق الذي يستحق العبادة وحده، وأمرهم أن يقلعوا عن كفرهم وعبادة الأصنام ويعبدوا الله وحده. قال الله تعالى: {وإلى ثمودَ أخاهُم صالحًا قالَ يا قومِ اعبُدوا اللهَ ما لكُم مِنْ إلهٍ غيرهُ هُوَ أنشأكُم منَ الأرضِ واستَعمركُم فيها فاستغفروهُ ثمَّ توبوا إليهِ إنَّ ربي قريبٌ مجيبٌ} [سورة هود].

بعد دعوة صالح عليه السلام لقومه كان جوابهم ما أخبرنا الله تعالى في كتابه: {قالوا يا صالحُ قد كُنتَ فينا مَرْجُوًا قبلَ هذا أتَنْهانا أن نعبُدَ ما يعبُدُ ءاباؤُنا وإنَّنا لفي شَكٍ ممَّا تدعونا إليهِ مُريبٍ} [سورة هود]، أي إننا عهدناك ثاقب الفكر والرأي وها أنت الآن تدعونا إلى ترك ما كان عليه ءاباؤنا، وقيل: إن المعنى إنا كنا نرجو أن يكون عقلك كاملاً قبل هذه المقالة أتنهانا عن عبادةٍ كان عليها ءاباؤنا؟ وقد درجنا عليها ونشأنا مُستمسكين بها وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ولا نطمئن إلى قولك ولا نثق بصدق دعوتك ولن نترك ما وجدنا عليه ءاباءنا، وعندما سمع سيدنا صالح عليه السلام ما أجابه به قومه من تكبر عن اتباع الحق ومن إصرار على كفرهم قال لهم ما أخبرنا الله تعالى: {قال يا قومِ أرءيتُم إن كنتُ على بيِّنةٍ من ربي وءاتاني منهُ رحمةً فمن ينصُرني مِنَ اللهِ إن عَصَيتُهُ فما تزيدونني غيرَ تَخْسيرٍ} [سورة هود].

وهذا تلطف منه عليه السلام لقومه في العبارة ولين جانب وأسلوب حسن في الدعوة لهم إلى الخير والإيمان، والمعنى أي فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم وأدعوكم إليه؟ وما هو عذركم عند الله؟ وقد بلغتكم ما أمرني به ربي أن أبلغكم فماذا يُخلصكم من عذابه وأنتم تطلبون مني أن أترك دعوتكم إلى عبادته، ودعوتكم إلى الإيمان والإسلام واجب علي لو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يجيرني من عذاب الله بسبب معصيته على ترك التبليغ. وأخبرهم عليه السلام أنه سيبقى على دعوته لهم إلى الإيمان والإسلام وعبادة الله وحده وترك عبادة الاصنام حتى يحكم الله تعالى بينه وبينهم، لكنهم قابلوه بالإيذاء.

ومما ءاذت به ثمود صالحًا عليه السلام حين دعاهم للإيمان به وبما جاء به أنهم اتهموه بأنه مسحور كما أخبر الله تعالى: {قالوا إنَّما أنتَ مِنَ المسحورينَ} [سورة الشعراء] أي أنت من المسحورين أي أنك مسحور لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله تبارك وتعالى وحده، وهذا غاية في تكبرهم عن اتباع الحق واتباع دعوة نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: {كذَّبت ثمودُ بالنُّذُرِ* فقالوا أبَشرًا مِنَّا واحدًا نتَّبعُهُ إنَّا إذًا لفي ضلالٍ وسُعُرٍ* أءُلقيَ الذِّكرُ عليهِ من بيننا بلْ هُوَ كَذَّابٌ أشِرٌ* سيعلمونَ غدًا مَنِ الكَذَّابُ الأشِرُ} [سورة القمر].

 

معجزة نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام الباهرة

 

استمر سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام يدعو قومه إلى الإيمان، واستمر قومه على عنادهم وتكبرهم من اتباع الحق، ولما وجدوا منه استمساكًا برأيه وإصرارًا على دعوته إياهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام خاف المستكبرون من قومه أن يكثر أتباعه وأن ينصرفوا عنهم إليه، وفي ذلك ذهاب لسلطانهم وتفتيت لقوتهم، فأرادوا أن يظهروا للناس أنه عاجز غير صادق في دعواه وهذا من خبث نفوسهم وظلام قلوبهم عن اتباع الحق، فطلبوا منه معجزة تكون دليلاً على صدقه وقالوا له: أخرج لنا من هذه الصخرة – وأشاروا إلى صخرة كانت هناك- ناقة ومعها ولدها وصفتها كيت وكيت وذكروا لها أوصافًا، وقالوا له: إن أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة ومعها ابنها ءامنا بك وصدقناك، فأخذ سيدنا صالح عليه السلام عليهم عهودهم ومواثيقهم على ذلك، وقام وصلى لله تبارك وتعالى ثم دعا ربه عز وجل أن يعينه ويجيبه إلى ما طلب قومه فاستجاب الله دعوته فأخرج لهم سيدنا صالح عليه السلام بقدرة الله ناقة ومعها ولدها من الصخرة الصمّاء. فقد أمر الله هذه الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة طويلة فيها الصفات التي طلبوها ومعها ابنها، فلما رأى قومه هذا الأمر الخارق للعادة الذي فيه الدليل القاطع والبرهان الساطع على صدق سيدنا صالح عليه السلام ءامن قسم منهم ومنهم جندع بن عمرو وكان من رؤسائهم ومعه رهط من قومه، واستمر أكثرهم على كفرهم وعنادهم وضلالهم، وقد صدهم عن الإيمان دؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم وغيرهما.

وعندما أخرج لهم سيدنا صالح عليه السلام هذه الناقة مع فصيلها بقدرة الله تعالى قال لهم ما أخبرنا الله تعالى: {هذهِ ناقةُ اللهِ لكم} [سورة الأعراف] أضافها عليه السلام لله تعالى إضافة تشريف وتعظيم وأخبرهم أنها لهم دليل صدق على دعوته عليه السلام، وأمرهم أن يتركوها تأكل في أرض الله قال تعالى: {قالَ هذهِ ناقةٌ لها شِرْبٌ ولكم شِربُ يومٍ معلومٍ} [سورة الشعراء]، وحذرهم أن يتعرضوا لها بالقتل أو الأذى، وأخبرهم أنهم إن هم تعرضوا لها بالسوء يأخذهم عذاب وهلاك عظيم، قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: {قالوا إنَّما أنتَ مِنَ المسحورينَ* ما أنتَ إلا بشرٌ مِثلُنا فأتِ بآيةٍ إن كنتَ مِنَ الصادقينَ* قالَ هذهِ ناقةٌ لها شربٌ ولكم شربُ يومٍ معلومٍ* ولا تَمَسُّوها بسوءٍ فيأخذكم عذابُ يومٍ عظيمٍ} [سورة الشعراء].

وقال تعالى في ءاية أخرى حكاية عن نبيه عليه السلام لقومه: {وإلى ثمودَ أخاهُم صالحًا قالَ يا قومِ أعبُدوا اللهَ ما لكُم مِن إلهٍ غيرهُ قد جاءتكُم بيِّنةٌ مِن ربكُم هذه ناقةُ اللهِ لكُم ءايةً فذروها تأكلْ في أرضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بسوءٍ فيأخذكم عذابٌ أليمٌ} [سورة الأعراف].

فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم، فتَرِدُ الماء يومًا بعد يوم، ويقال إنها كانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم، قال الله تعالى: {قالَ هذهِ ناقةٌ لها شِرْبٌ ولكُم شِرْبُ يومٍ معلومٍ} [سورة الشعراء].

 

تآمر قوم صالح عليه السلام على قتل ناقة صالح عليه السلام

 

مكثت ناقة صالح عليه الصلاة والسلام في قبيلة ثمود زمانًا تأكل من الأرض، وتردُ الماء للشرب يومًا وتمتنع منه يومًا، مما استمال كثيرًا من قومه عليه السلام إذ استبانوا بها على صدق رسالة نبيهم صالح عليه السلام وأيقنوا بذلك، مما أفزع ذلك المستكبرين من قومه وخافوا على سلطانهم أن يزول وقالوا للمستضعفين الذين أشرق نور الإيمان في قلوبهم ما أخبرنا الله تعالى في كتابه: {قالَ الملأُ الذينَ استكبروا لمَنْ ءامنَ منهُم أتعلمونَ أنَّ صالحًا مُرسَلٌ مِن ربهِ} [سورة الأعراف]، ولكن جواب المؤمنين من أتباع صالح عليه السلام لم يؤثر في المشركين المستكبرين وظلت قلوبهم قاسية كالأحجار قال الله تعالى: {قالَ الذينَ استكبروا إنَّا بالذي ءامنتُم بهِ كافرونَ} [سورة الأعراف]. ورأى المستكبرون من قوم نبي الله صالح عليه السلام في هذه الناقة خطرًا جسيمًا عليهم فاتفقوا على أن يعقروها ليستريحوا منها، قال الله تعالى: {إنَّا مُرسِلوا النَّاقةِ فِتنةً لهم فارْتَقِبهم واصطبِرْ* ونَبِّئهُم أنَّ الماءَ قسمة بينهم كلُّ شِربٍ مُحْتَضَرٌ} [سورة القمر].

وقيل إنهم ظلوا مترددين في تنفيذ ما اتفقوا عليه إلى أن قامت فيهم إمرأتان خبيثتان إحداهما اسمها صدوق ابنة المحيا وكانت ذات حسب ومال فعرضت نفسها على رجل يقال له مصرع بن مهرج إن هو عَقر الناقة وذبحها، وكان اسم الأخرى عنيزة بنت غنيم وكانت عجوزًا كافرة لها أربع بنات فعرضت على رجل شقي خبيث أيضًا ايمه قُدار بن سالف أيّ بناتها يختار إن هو عقر الناقة، فقبل هذان الشابان وسعيا في قومهم لأجل هذا الغرض الخبيث فاستجاب لهم سبعة ءاخرون فصاروا تسعة كما أخبر الله تبارك وتعالى بقوله: {وكانَ في المدينةِ تسعةُ رَهْطٍ يُفسدونَ في الأرضِ ولا يُصلحونَ} [سورة النمل] فانطلق هؤلاء الرجال الخبثاء يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها رماها أحدهم وهو مصرع بسهم، وجاء النساء يشجعن في قتلها فأسرع أشقاهم وهو قدار بن سالف فشدّ عليها بسيفه وكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الارض ميتةً بعد أن طعنها في لبَّتها فنحرها، وأما فصيلها فصعد جبلاً منيعًا ثم دخل صخرة وغاب فيها، روى البخاري ومسلم وأحمد بإسنادهم عن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "{إذِ انبعثَ أشقاها} انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة"، وقوله "عزيز" أي قليل المثل، وعارم أي كثير الشراسة والشر، ومنيع أي ذو منَعة، وقال الله تبارك وتعالى: {فعقروا الناقةَ وعَتَوْا عن أمرِ ربِّهِم وقالوا يا صالحُ ائتِنا بما تعدُنا إنْ كنتَ من المرسلين} [سورة الأعراف]، وهذا مبلغ العناد والزيغ فلقد رأى قوم صالح عليه السلام هذه المعجزة العظيمة لنبي الله صالح عليه السلام، وهذ البرهان الصادق والدليل القاطع على نبوته وصدقه أمام أعينهم، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد وحب الدنيا على رفض الحق واعتناق الباطل، وكان عاقبة هذا العناد والتكبر عن الحق وخيمة عليهم. يقول الله تبارك وتعالى: {كذَّبتْ ثمودُ بِطَغْواها* إذِ انبَعَثَ أشقاها* فقالَ لهُم رسولُ اللهِ ناقةَ اللهِ وسُقياها} [سورة الشمس] أي احذروها ولا تتعرضوا لها ولسقياها {فكذبوهُ فعقروها فدَمْدمَ عليهم ربُّهُم بذنهم فسوَّاها* ولا يخافُ عُقباها} [سورة الشمس]، وقال تعالى: {فعقروها فقالَ تمتَّعوا في دارِكم ثلاثةَ أيَّامٍ ذلكَ وعدٌ غيرُ مكذوبٍ} [سورة هود].

 

تآمرهم واتفاقهم على قتل نبي الله صالح

وانزال العذاب عليهم

 

بعد أن عقر قوم صالح عليه السلام الناقة التي حذرهم نبيهم من التعرض لها واستمروا على عنادهم وتكبرهم وعبادة الأصنام، قال لهم صالح عليه السلام لقد حذّرتكم من أن تمسوها بأذى وها أنتم اقترفتم الإثم فتمتعوا في دراكم ثلاثة أيام يأتيكم بعدها العذاب ويحلّ عليكم العقاب ذلك وعدٌ غير مكذوب، ورغم هذا لم يتوبوا ويعودوا إلى الرشد، بل استمروا على باطلهم وظنوا وعيدهُ كذبًا وتحذيره بُهتانًا وقالوا له: تشاءمنا بك وبمن معك، قال الله تعالى: {فعقروا الناقةَ وعَتوا عنْ أمرِ ربِّهم وقالوا يا صالحُ ائتِنا بما تعدُنا إن كنت مِنَ المرسلين} [سورة الأعراف].

 

ثم إنهم اتفقوا على قتله وأهله وتآمروا على ذلك وتحالفوا فيما بينهم وتبايعوا على هذه المؤامرة وأن يغتالوه ليلاً ثم يجحدوا قتله إن طالبهم أولياؤهم بدمه، ولكن الله تبارك وتعالى أنقذ نبيه من كيدهم وتآمرهم فأرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتله حجارة أهلكتهم تعجيلاً قبل قومهم وردَّ كيدهم في نحورهم، قال الله تبارك وتعالى: {وكانَ في المدينةِ تسعةُ رهْطٍ يُفسدونَ في الأرضِ ولا يُصلحونَ* قالوا تقاسموا باللهِ لنُبَيِّتَنَّهُ وأهلهُ ثمَّ لنقولَنَّ لوليِّهِ ما شَهِدنا مَهْلكَ أهلهِ وإنَّا لصادقونَ* ومَكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهُم لا يشعرونَ* فانظُر كيفَ كانَ عاقبةُ مكرِهِم أنَّا دَمَّرناهُم وقومهم أجمعينَ* فتِلكَ بُيُوتهم خاويةٌ بما ظَلَموا إنَّ في ذلكَ لآيةً لقومٍ يعلمونَ* وأنجينا الذينَ ءامنوا وكانوا يَتَّقونَ} [سورة النمل].

وبعد إنذار سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام لقومه الذين كذبوا بالعذاب الذي يأتيهم بعد أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام أصبحوا يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام الإمهال والنظرة ووجوههم مُصفرة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يوم من الأجل. ثم أصبحوا في اليوم الثاني وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث وهو يوم السبت ووجوههم مُسودة فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى الأجل، فلما كان صبيحة يوم الأحد تأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا سيحل بهم من العذاب والنكال والنقمة ولا يدرون كيف يفعل بهم ولا من أي جهة يأتيهم العذاب.

فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم ورجفة من تحتهم ففاضت أرواح هؤلاء الكافرين وزهقت نفوسهم، وسكنت الحركات وهدأت الأصوات، وأصبح هؤلاء الكافرون في ديارهم جاثمين جثثًا هامدة لا أرواح فيها، قال الله تعالى: {فأخذتهُم الرَّجفةُ فأصبحوا في دارهم جاثمينَ} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {ومَكروا مَكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرونَ* فانظُرْ كيفَ كانَ عاقبةُ مكرهم أنَّا دمَّرناهُم وقومهم أجمعينَ* فتلكَ بيوتهم خاويةٌ بما ظلموا إنَّ في ذلكَ لآيةً لقومٍ يعلمونَ} [سورة النمل]، وقال تعالى: {إنَّا أرسلنا عليهم صيحةً واحدةً فكانوا كهشيمِ المُحْتَظِرِ} [سورة القمر]، وقال الله تبارك وتعالى: {ألم ترَ كيفَ فعلَ ربُّكَ بعادٍ* إرمَ ذاتِ العِمادِ* التي لم يُخلق مثلها في البلادِ* وثمودَ الذينَ جابوا بالوادِ* وفرعونَ ذي الأوتادِ* الذينَ طَغوا في البلادِ* فأكثروا فيها الفسادَ* فصَبَّ عليهم ربُّكَ سَوْطَ عذابٍ* إنَّ ربَّكَ لبالمرصادِ} [سورة الفجر]. وقيل إن قوم صالح عليه السلام لما أصبحوا في اليوم الرابع وهو يوم الأحد وارتفعت الشمس ولم يأتهم العذاب ظنوا أن الله قد رحمهم فخرجوا من قبورهم التي كانوا قد دخلوا فيه وصار يدعو بعضهم بعضًا، إذ نزل جبريل فوق المدينة فسدّ ضوء الشمس، فلما دخلوا قبورهم فصاح بهم صيحة كالصاعقة فتقطعت قلوبهم في صدورهم وماتوا وتزلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم.

روى الإمام أحمد والحاكم بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرّ بالحِجر قال: "لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت – أي الناقة- تَرِدُ من هذا الفجّ وتصدر من هذا الفجّ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله بها مَنْ تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحدًا كان في حرم الله"، فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه"، ورواه أبو داود بنحوه عن ابن عمر.

ثم إن نبي الله صالحًا عليه السلام خاطبهم بعد هلاكهم قائلاً لهم: لقد جهدت في دعوتي إياكم إلى الإيمان وترك عبادة الأصنام بكل ما أمكنني، وحرصت على ذلك بكل ما أستطيع ولكنكم أبيتم نصحي وما دعوتكم إليه لأنكم لا تحبون الناصحين، وهكذا خاطب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أهل قَليب بدر الكافرين بعد ثلاث ليال، وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من ءاخر الليل فقال: "يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا" رواه البخاري.

بعد هلاك ثمود الذين كذبوا نبيهم صالحًا عليه السلام، وقد أنجاه مما أرادوا وأنقذه والذين ءامنوا من كيد الكافرين وأنزل بالكافرين في الدنيا العقاب الأليم تصديقًا لوعده ونصرًا لنبيه، ولم يمنع الكفار ما شادوا من قصور شامخة وما جمعوا من أموال وافرة وما نحتوا من بيوت ءامنة، قال تعالى: {وأنجينا الذينَ ءامنوا وكانوا يتَّقونَ} [سورة النمل]، وقال الله تعالى: {ولقد كذَّبَ أصحابُ الحِجرِ المُرسلينَ* وءاتيناهم ءاياتنا فكانوا عنها مُعرضينَ* وكانوا ينحتون من الجبالِ بيوتًا ءامنينَ* فأخذتهم الصيحةُ مُصبحينَ* فما أغنى عنهُم ما كانوا يكسبونَ} [سورة الحجر]، وقال تعالى: {كأن لم يَغنوا فيها ألا إنَّ ثموداْ كفروا ربَّهُم ألا بُعْدًا لِثمودَ} [سورة هود].

ويقال إن صالحًا عليه السلام انتقل إلى الشام فنزل فلسطين ثم انتقل إلى مكة فأقام بها يعبد الله حتى مات. وقد ورد في مسند أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مر النبي بوادي عُسفان حين حج قال: "يا أبا بكر أي واد هذا"، قال: وادي عسفان، قال: "لقد مر به هود وصالح- عليهما السلام- على بكرات خطمها الليف أزرهم العباء، وأرديتهم النّمار، يلبون يحجون البيت العتيق".

وقد جاء في الصحيحين وغيرهما بالإسناد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر في غزوة تبوك استقى الناس من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَعريقوا ما استقوا من بيارها وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، وثبت أيضًا أنه عليه الصلاة والسلام لما مرّ بالحِجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم"، ثم تقنَّع بردائه وهو على الرحل"، رواه الشيخان، فإنه صلى الله عليه وسلم أسرع السير حتى أجاز الوادي. وروي أنه أراهم مُرتقى الفصيل الذي كانت تَرِد منه الناقة والفج الذي كانت تصدر منه.

قال ابن جرير: ومن أهل العلم من يزعم أن صالحًا توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأنه أقام في قومه عشرين سنة.