قال الله تبارك وتعالى: {وإلى عادٍ أخاهُم هُودًا قالَ يا قومِ اعبُدوا اللهَ ما لكُم مِنْ إلهٍ غيرهُ أفلا تتَّقون} [سورة الأعراف].

بعد أن نجا الله تبارك وتعالى نبيَّهُ نوحًا ومن معه في السفينة وأغرق الذين كذبوه من قومه بالطوفان العظيم الذي عمَّ جميع الأرض، نزل الذين ءامنوا من السفينة يعبدون الله تعالى وحده ويَعْمُرون الأرض، وكثرت الذرية من أولاد نوح الثلاثة سام وحام ويافث الذين كانوا على دين ءابائهم الإسلام، وكانوا يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئًا.

 ثم بعد أن طال الزمن عاد الفساد والجهل وانتشر في الأرض ورجع بعض الناس إلى الإشراك بالله وعبادة غير الله، فبعث الله تبارك وتعالى هودًا قال تعالى: {كذَّبَتْ عادٌ المُرسَلينَ* إذ قالَ لهُم أخوهُم هودٌ ألا تتَّقونَ* إنِّي لكُم رسولٌ أمينٌ} [سورة الشعراء]. وقد سمَّاهُ الله أخًا لهم لكونه من قبيلتهم لا من جهة أخوة الدين، لأن أخوة الدين لا تكون إلا بين المؤمنين كما قال تعالى: {إنَّما المؤمنون إخوةٌ} [سورة الحجرات].

 

عدد المرات التي ذكر فيها هود عليه السلام في القرءان

 

ذُكر هود عليه الصلاة والسلام في القرءان الكريم سبع مرات، وقد ذكر الله تبارك وتعالى قصته عليه السلام مع قومه مع شيء من التفصيل في سورة الأعراف وسورة هود وسورة المؤمنون وسورة الشعراء وسورة الأحقاف وسورة فصلت.

 

أصله ونسبه عليه السلام

 

سيدنا هود عليه السلام هو عربي في أصله، وقيل إنه هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عَوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل غير ذلك. وقد جاء في صحيح ابن حبان عن أبي ذر في حديث طويل في ذكر الأنبياء والمرسلين قال: "وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك محمد".

 

مساكن عاد

 

قال الله تبارك وتعالى في سورة الأحقاف: {واذكر أخا عادٍ إذ أنذَرَ قومهُ بالأحقافِ وقدْ خَلتِ النُّذُرُ مِن بينِ يديهِ ومن خلفهِ ألا تعبُدوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عليكم عذابَ يومٍ عظيمٍ} [سورة الأحقاف].

قبيلة عاد قبيلة عربية كانت باليمن، وكانت منازلهم ومساكنهم وجماعتهم أرض الأحقاف، والأحقاف هي الرمل فيما بين عُمان وحضرموت من أرض اليمن بأرض يقال لها الشَّحر، وقيل كانوا ثلاث عشرة قبيلة وظلموا وقهروا العباد بسبب قوتهم التي ءاتاهم الله إياها، فقد زادهم الله في الخِلقة والقوة، وبسط لهم في أجسادهم وعظامهم فكانوا طوالاً في أجسامهم وقوامهم، قيل كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعًا، قال تعالى: {واذكروا إذ جَعَلَكُم خُلفاء من بعدِ قومِ نوحٍ وزادكُم في الخَلقِ بصطةً} [سورة الأعراف]. وكانوا أصحاب أوثان وأصنام يعبدونها من دون الله، صنم يقال له صداء، وصنم يقال له صمود، وصنم يقال له الهباء، قال الله تعالى: {ألم ترَ كيفَ فعلَ ربُّكَ بعادٍ* إرَمَ ذاتِ العِمادِ* التي لم يُخلَقْ مِثْلُها في البلادِ} [سورة الفجر].

 

 

دعوة هود عليه السلام قومه إلى عبادة الله وحده وما جرى بينه

وبين قومه من جدال وحسن دعوته إلى الله تعالى

 

أعطى الله تبارك وتعالى قبيلة عاد نِعَمًا كثيرة وافرة وخيرات جليلة، فقد كانت بلادهم ذات مياه وفيرة فزرعوا الأراضي وأنشأوا البساتين وأشادوا القصور الشامخة العالية، إضافة لما منحهم الله تعالى فوق ذلكمن بَسْطة في أجسادهم وقوة في أبدانهم لكنهم كانوا غير شاكرين لله على نعمه، فاتخذوا من دونه ءالهة وعبدوا الأصنام وصاروا يخضعون لها ويتذللون ويقصدونها عند الشدة، فكانوا أول الأمم الذين عبدوا الأصنام بعد الطوفان العظيم الذي عم الأرض وأهلك الكافرين الذين كانوا عليها، فبعث الله تبارك وتعالى إليهم نبيه هود وكان أحسنهم خُلقًا وأفضلهم موضعًا وأوسطهم نسبًا، فدعاهم إلى دين الإسلام وعبادة الله تعالى وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وأن يُوحدوا الله الذي خلقهم ولا يجعلوا معه إلهًا غيره، وأن ينتهوا ويكفروا عن الظلم والبغي والفساد بين الناس، ولكنهم عاندوا وتكبروا وكذبوا نبي الله هودًا عليه الصلاة والسلام وقالوا: {مَنْ أشَدُّ مِنَّا قُوَةً} [سورة فصلت]، وءامن به واتبعه أناس قليلون كانوا يكتمون إيمانهم خوفًا من بطش وظلم قومهم الكافرين المشركين، قال الله تبارك وتعالى: {فأمَّا عادٌ فاستَكبروا في الأرضِ بغيرِ الحقِّ وقالوا مَنْ أشدُّ مِنَّا قوةً أوَلَمْ يَروا أنَّ اللهَ الذي خلقهُم هُوَ أشدُّ مِنهُم قوةً وكانوا بآياتِنا يجحدونَ} [سورة فصلت]، وقال الله تبارك وتعالى: {وإلى عادٍ أخاهُم هودًا قالَ يا قومِ اعبُدوا اللهَ ما لكُم مِنْ إلهٍ غيرُهُ إفلا تَتَّقونَ} [سورة الأعراف] المعنى أن هودًا قال لقومه: يا قوم اعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه إلهًا غيره فإنه ليس لكم إله غيره أفلا تتقون الله ربكم فتحذرونه وتخافون عقابه بعبادتكم غيره وهو خالقكم ورازقكم دون كل ما سواه، فأجابه قومه بما أخبر الله تبارك وتعالى به: {قالَ الملأُ الذينَ كفروا مِن قومهِ إنَّا لنراكَ في سفاهةٍ وإنَّا لنَظُنَّكَ مِنَ الكاذبينَ* قال يا قومِ ليسَ بي سفاهةٌ ولكنِّي رسولٌ مِنْ ربِّ العالمينَ} [سورة الأعراف].

المعنى أن الملأ الذين كفروا وجحدوا توحيد الله وعبدوا الأصنام وأنكروا رسالة هود وكذبوا ما جاء به قالوا له: إنا لنراك يا هود في سفاهة ويريدون بذلك أنك في ضلالة عن الحق والصواب بتركك ديننا وعبادة ءالهتنا وإنا لنظنك من الكاذبين في قولك إني رسول من رب العالمين: {قال يا قومِ ليسَ بي سفاهةٌ ولكنِّي رسولٌ مِنْ ربِّ العالمينَ* أُبَلِّغُكُم رسالاتِ ربي وأناْ لكُم ناصِحٌ أمينٌ} [سورة الأعراف]، أي يا قوم ليس بي سفاهة عن الحق والصواب بل إني على الحق المبين والطريق الصواب، رسول من رب العالمين أرسلني إليكم فأنا أبلغكم رسالات ربي وأؤديها إليكم، وأنا لكم ناصحٌ فيما دعوتكم إليه من عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، فاقبلوا نصيحتي فإني أمين على وحي الله وعلى ما ائتمنني عليه من الرسالة لا أكذب فيه ولا أزيد ولا أبدل، بل أبلغ ما أمرت به كما أمرت.

قال تعالى: {أوْ عَجِبتُم أن جاءكُم ذِكرٌ مِنْ ربِّكُم على رجُلٍ مِنكُم ليُنذِرَكُم} [سورة الأعراف]، أي عجبتم أن أنزل الله وحيه بتذكيركم وأرسل نبيه إليكم يدعوكم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، ولينذركم عذابه إن لم تقبلوا دعوته ولم تدخلوا في دينه الإسلام، وقد قال لهم هود هذا منكرًا عليهم بعد أن اسبعدوا أن يبعث الله رسولاً بشرًا يأكل ويشرب كما يأكلون ويشربون، واعتبروا أن تصديقه في دعواه خسارة وبطلان: {واذكُروا إذ جعلكُم خُلفاءَ من بعدِ قومِ نوحٍ وزادكُم في الخلقِ بصطةً فاذكروا ءالاءَ اللهِ لعلَّكم تُفلحونَ} [سورة الأعراف]، المعنى اتقوا الله في أنفسكم واذكروا ما حلَّ بقوم نوح من العذاب إذ عصوا رسولهم وكذبوه وكفروا بربهم واستمروا على بغيهم وتكبرهم، فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض بعدهم لما أهلكهم، فاتقوا الله أن يحل بكم نظير ما حل بهم من العقوبة فتهلككم كما أهلكهم ويبدل منكم غيركم سنته في قوم نوح قبلكم على كفرهم وتجبرهم. ثم بيّن لهم نعم الله الجليلة عليهم إذ زادهم في الخلق بسطة فزاد في أجسادهم وقوامهم فأمرهم أن يذكروا نعم الله عليهم وفضله عليهم في أجسادهم وقوامهم، فيشكروا الله تعالى على ذلك بأن يعبدوا الله وحده ويخلصوا له العبادة ويتركوا الإشراك وعبادة الأصنام كي يفلحوا. لكنّ قوم هود رغم هذا البيان المقنع والكلام الناصح من نبيهم هود عليه السلام لم يقبلوا الحق الذي جاء به، وأعلنوا له أنهم لن يتركوا عبادة الأصنام وأنهم يعتقدون أن بعض ءالهتهم غضب عليه فأصابه في عقله فاعتراه جنون بسبب ذلك، كما أنهم استبعدوا إعادتهم يوم القيامة وأنكروا قيام الأجساد بعد أن تصير ترابًا وعظامًا، فقال لهم نبيهم هود عليه السلام ما أخبرنا الله به في القرءان الكريم: {ومت أسئَلُكم عليهِ مِنْ أجرٍ إنْ أَجْريَ إلا على رَبِّ العالمينَ* أتَبنونَ بِكُلِّ ربعٍ ءايةً تعبثونَ* وتتَّخذونَ مصانِعَ لعلَّكُم تخلُدونَ* وإذا بَطَشتُم بطشتُم جبَّارينَ* فاتَّقوا اللهَ وأطيعونِ* واتَّقوا الذي أمدَّكُم بما تعلمونَ* أمدَّكُم بأنعامٍ وبنينَ* وجنَّاتٍ وعُيونٍ* إنِّي أخافُ عليكُم عذابَ يومٍ عظيمٍ} [سورة الشعراء]، وقال تعالى مخبرًا عن قول هود عليه السلام في موضع ءاخر من القرءان الكريم: {يا قومِ لا أسئلُكم عليهِ أجرًا إنْ أجرِيَ إلا على الذي فَطَرَني أفلا تعقِلونَ* ويا قومِ استَغفروا ربَّكُم ثمَّ توبوا إليهِ يُرسِلِ السَّماءَ عليكُم مِدرارًا ويَزِدْكُم قُوَّةً إلى قوَّتِكم ولا تتَولَّوا مُجرمينَ} [سورة هود].

فبين لهم سيدنا هود عليه السلام أنه لا يطلب على نصيحته لهم أجرًا يأخذه منهم أو رئاسة يتزعم بها عليهم، وأنه لا يطلب الأجر في دعوته لهم إلى الإيمان والإسلام إلا من الله تبارك وتعالى، ثم قال لهم واعظًا ما معناه أتبنون بكل مكان مرتفع بناءً عظيمًا هائلاً تعبثون ببنائه ولا حاجة لكم فيه وأنتم تسكنون الخيام العظيمة، ثم تتخذون القصور رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعمارًا طويلة، ثم ذكر لهم أنهم يتجبرون ويظلمون الناس فأمرهم أن يتقوا الله بأن يدخلوا في دينه ويعبدوا الله وحده ويطيعوه، وذكّرهم بما أنعم الله به عليهم وبما أمدهم به من أنعام وبنين وما رزقهم من مياه وافرة وبساتين خضراء يانعة يتنعمون بها، وحذرهم من عذاب الله العظيم يوم القيامة الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم من الكفر والشرك، ولكن قوم هود أصروا على كفرهم وعنادهم وقالوا له فيما قالوا: أجئتنا لنعبد الله وحده ونترك عبادة الأوثان والأصنام ونخالف ءاباءنا وأسلافنا وما كانوا عليه، وقالوا له على وجه التهكم والعناد والاستكبار إن كنت صادقًا فائتنا بما تعدنا من العذاب فإنا لا نصدقك ولا نؤمن بك وقد أخبرنا الله في القرءان بذلك: {وقالَ الملأ مِن قومهِ الذينَ كفروا وكذبوا بقاءِ الآخرةِ وأتْرَفناهُم في الحياةِ الدُّنيا ما هذا إلا بشرٌ مثلكُم يأكُلُ ممَّا تأكلونَ منهُ ويشربُ ممَّا تشربونَ* ولَئِن أطعمتُم بشرًا مثلكم إنَّكُم إذًا لخاسرونَ* أيَعِدُكُم أنَّكُم إذا مِتُّم وكُنتُم تُرابًا وعِظامًا أنَّكُم مخرجونَ* هيهاتَ هيهاتَ لِما تُوعدونَ* إنْ هيَ إلا حياتُنا الدُّنيا نموتُ ونحيا وما نحنُ بمَبعوثينَ* إنْ هُوَ إلا رجلٌ افترى على اللهِ كَذِبًا وما نحنُ لهُ بمؤمنينَ} [سورة المؤمنون]، وقال: {قالوا يا هودُ ما جِئتًنا ببيِّنَةٍ وما نحنُ بتاركي ءالهتنا عن قولِكَ وما نحنُ لكَ بمؤمنينَ* إن تقولُ إلا اعتراكَ بعضُ ءالهتِنا بسُوءٍ} [سورة هود]، وقال تعالى: {قالوا سواءٌ علينا أوَعظتَ أمْ لمْ تكُن مِنَ الواعظينَ* إنْ هذا إلا خُلُقُ الأوَّلينَ* وما نحنُ بنُعَذَّبينَ} [سورة الشعراء] أي أن هذا الدين الذي نحن عليه إن هو إلا دينُ الأولين أي الآباء والأجداد ولن نتحول عنه، فأعلمهم هود عليه السلام أنهم استحقوا الرّجس والغضب من الله لإصرارهم على كفرهم وعبادة الأصنام، ولينتظروت عذاب الله الشديد الواقع عليهم لا محالة.

قال الله تعالى: {قالوا أجئتنا لنعبُدَ اللهَ وحدهُ ونذرَ ما كانَ يعبُدُ ءاباؤنا فاتِنا بما تَعِدُنا إن كُنتَ مِنَ الصادقينَ* قال قد وقعَ عليكُم مِن ربِّكُم رِجسٌ وغضبٌ أتُجادِلونني في أسماءٍ سَمَّيتموها أنتُم وءاباؤكُم ما نَزَّلَ اللهُ بها مِن سُلطانٍ فانتظروا إني معكُم مِنَ المُنتَظرينَ} [سورة الأعراف].

 

إهلاك عاد وإنزال العذاب بهم لتكذيبهم نبي الله

هودًا عليه السلام

 

لما تجبر قوم هود عليه السلام ولم يستجيبوا لدعوة نبيهم هود عليه السلام بل عصوا رسول الله هودًا وكذبوه وجحدوا بآيات الله التي أقامها هود عليه السلام دلالة على صدقه في أنه مرسل من ربه واتبعوا أمر كل جبار عنيد من ملإ قومهم وأصروا على عبادة الأصنام أحلَّ الله تبارك وتعالى بهم نقمته وعذابه في الدنيا بعد أن أنذرهم سيدنا هود عليه السلام بالعذاب القريب الذي ينتظرهم، قال تعالى: {قالَ ربِّ انصُرني بما كذَّبونِ* قالَ عَمَّا قليلٍ ليُصْبِحُنَّ نادمينَ} [سورة المؤمنون]، وقال تعالى إخبارًا عن هود: {فانتظروا إنِّي معكم منَ المنتظرينَ} [سورة الأعراف]، فأمسك الله عنهم المطر حتى جهدوا، وكان كلما نزل بهم الجهد ذكَّرهم هود بدعوة الله وأنه لا ينجيهم من البلاء والعذاب إلا الإيمان والاستماع لنصائحه بالقبول، فكان ذلك يزيدهم عتوًا وعنادًا فازداد العذاب عليهم وصاروا في قحط وجفاف شديدين فطلبوا السقيا والمطر وأوفدوا وفدهم إلأى مكة يستسقون لهم، فأنشأ الله سحابًا أسود وساقه إلى عاد فخرجت عليها من واد فلما رأوها استبشروا أنه سحاب مطر وسُقيا ورحمة فإذا هو سحاب عذاب ونقمة قال تعالى: {فلمَّا رأوهُ عارِضًا مُسْتَقبِلَ أوديتهم قالوا هذا عارضٌ مُمْطِرُنا بل هوَ ما استعجلتُم بهِ ريحٌ فيها عذابٌ أليمٌ* تُدَمِّرُ كُلَّ شيءٍ بأمرِ ربِّها فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم كذلكَ نُجزي القومَ المُجرمينَ} [سورة الأحقاف]، أي أن الله أرسل عليهم ريحًا شديدة عاتية حملت رحالهم ودوابهم التي في الصحراء وقذفت بها إلى مكان بعيد، فدخل قلوبهم الفزع وهرعوا مسرعين إلى بيوتهم يظنون أنهم ينجون، ولكن هيهات إذ حملتهم هذه الرياح الشديدة وأهلكتهم. وكان بعد ذلك أن العرب إذا بعثوا وفدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد، روى الإمام أحمد في مسنده أن الحارث بن حسان البكري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد" الحديث.

 

قال الله تعالى في سورة الحاقة: {وأمَّا عادٌ فأُهلِكوا بريحٍ صَرصَرٍ عاتيةٍ* سَخَّرَها عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيَّامٍ حُسُومًا فترى القومَ فيها صرعى كأنَّهُم أعجازُ نخلٍ خاويةٍ* فهل ترى لهُم من باقيةٍ} [سورة الحاقة].

لقد أرسل الله على قوم هود ريحًا باردة شديدة الهبوب سخرها الله على القوم الكافرين سبع ليال وثمانية أيام كوامل متتابعات حتى أهلكتهم وصاروا صرعى، وقد شبههم الله بأعجاز النخل التي لا رءوس لها، وذلك لأن هذه الريح كانت تجيء إلى أحدهم فتحلمه فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة هامدة بلا رأس، قال الله تبارك وتعالى: {وفي عادٍ إذ أرسلنا عليهمُ الريحَ العقيمَ} [سورة الذاريات] أي التي لا تنتج خيرًا، وقال تعالى: {ما تَذَرُ من شيءٍ أنتَ عليهِ إلا جعلَتْهُ كالرِّميمِ} [سورة الذاريات] أي كالشيء البالي الفاني الذي لا ينتفع به بالمرة، وقال تعالى: {إنَّا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يومٍ نَحْسٍ مستمرٍ* تَنزعُ الناسَ كأنَّهُم أعجازُ نخلٍ مُنقَعر* فكيفَ كانَ عذابي ونُذُرِ} [سورة القمر].

ومن قال إن يوم النحس المستمر يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا الفهم فقد أخطأ وخالف القرءان فإن الله تعالى قال: {فأرسَلنا عليهم ريحًا صرصرًا في أيامٍ نحِساتٍ لنُذيقهم عذابَ الخِزيِ في الحياةِ الدنيا ولَعذابُ الآخرةِ أخزى وهُم لا يُنصرونَ} [سورة فصلت]، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نُصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدَّبور"، وريح الصبا تساعد في إضعاف الكفار عند القتال، وأما قوم عاد الكفار سلط الله عليهم الدبور.

ولقد نجى الله هودًا عليه السلام ومن معه من المؤمنين قال تعالى: {فأنجيناهُ والذينَ معهُ برحمةٍ مِنَّا وقطعنا دابِرَ الذينَ كذبوا بآياتِنا وما كانوا مؤمنين} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {ولما جاءَ أمرُنا نجَّينا هودًا والذينَ ءامنوا معهُ برحمةٍ مِنَّا ونجيناهُم مِن عذابٍ غليظٍ} [سورة هود].

وقد حج بعد ذلك سيدنا هود عليه السلام كما روى ذلك أبو يعلى في مسنده، أما موضع قبره ففيه خلاف، قيل حضرموت في بلاد اليمن، وقيل بالحِجر من مكة، وذكر ءاخرون أنه بدمشق، وبجامعها مكان في حائطه القبلي يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام والله أعلم. وبلاد عاد اليوم رمال قاحلة لا أنيس فيها ولا ديار، فسبحان الملك العزيز الجبار.

قال الله عز وجل: {إنَّا أرسلنا نوحًا إلى قومِهِ أنْ أنْذِرْ قومَكَ مِن قبلِ أن يأتيهُم عذابٌ أليمٌ} [سورة نوح].

  

نسب سيدنا نوح عليه السلام

 

هو نوح بن لامَك بن مَتُّوشَلَخَ – وهو إدريس- بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن ءادم أبي البشر. وكان بين نوح وءادم عشرة قرون كما جاء ذلك في حديث ابن حبان.

وبالجملة فنوح عليه السلام أرسله الله إلى قوم يعبدون الأوثان قال تعالى إخبارًا عنهم: {وقالوا لا تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُم ولا تذرُنَّ وَدًا ولا سُواعًا ولا يغوثَ ويعوقَ ونسرًا} [سورة نوح]. وقد تقدم أن هذه أسماء رجال صالحين من قوم إدريس وكان لهم رجال يقتدون بهم فلما هلكوا أوحى الشيطان أي بثَّ إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وانتسخ العلم عبدت.

 

دعوة نوح قومه إلى الإسلام

 

بعث الله نوحًا عليه السلام إلى هؤلاء الكفار ليدعوهم إلى الدين الحق وهو الإسلام والعبادة الحقة وهي عبادة الله وحده وترك عبادة غيره، وقال لهم: {يا قومِ اعبدوا الله ما لكم مِن إلهٍ غيرُهُ أفلا تَتَّقونَ} [سورة الأعراف]، وقال: {اعبُدوا اللهَ ما لكُم من إلهٍ غيرهِ إنِّي أخافُ عليكم عذابَ يومٍ عظيمٍ} [سورة الأعراف]، وقال: {أن لا تعبدوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عليكُم عذابَ يومٍ أليمٍ} [سورة هود]، وقال: {يا قومِ إنِّي لكُم نذيرٌ مُبينٌ* أنِ اعبُدوا اللهَ واتَّقوهُ وأطيعونِ} [سورة نوح]، ودعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والإجهار وبالترغيب تارة وبالترهيب أخرى، لكن أكثرهم لم يؤمن بل استمروا على الضلالة والطغيان وعبادة الاوثان ونصبوا له العداوة ولمن ءان به وتوعدوهم بالرجم {قالَ الملأُ مِن قومهِ إنَّا لَنراكَ في ضلالٍ مُبينٍ} [سورة الأعراف] فأجابهم {قالَ يا قومِ ليسَ بي ضلالةٌ ولكنِّي رسولٌ من ربِّ العالمينَ* أُبَلِّغُكم رسالاتِ ربي وأنصحُ لكم وأعلمُ مِنَ اللهِ ما لا تعلمونَ} [سورة الأعراف] وقالوا له فيما بعد أن تعجبوا أن يكون بشر رسولاً {ما نراكَ إلا بشرًا مِثلنا وما نراكَ اتَّبَعَكَ إلا الذينَ هُم أراذِلُنا باديَ الرَّأيِ وما نرى لكًم علينا مِن فضل بلْ نَظُنُّكُم كاذبينَ} [سورة هود].

لبث سيدنا نوح في قومه يدعوهم إلى الإسلام ألف سنة إلا خمسين عامًا قال تعالى: {فَلَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا} [سورة العنكبوت]، وكان قومه يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه، حتى تمادوا في معصيتهم وعظمت منهم الخطيئة فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي كان قبله، حتى إن كان الآخر ليقول: قد كان هذا مع ءابائنا وأجدادنا مجنونًا لا يقبلون منه شيئًا. ومن جملة ما قال لهم: {ولا يَنفعكم إن أردتُ أن أنصحَ لكًم إن كانَ اللهُ يريدُ أن يُغْويَكم} [سورة هود] أي أن الله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولكن اليأس لم يدخل قلب نوح بل أخذ يجاهد في إبلاغ الرسالة ويبسط لهم البراهين، ولم يؤمن به إلا جماعة قليلة استجابوا لدعوته وصدقوا برسالته.

 

بناء سيدنا نوح للسفينة ونزول العذاب بالكفار

 

 ثم إن الله أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن قال تعالى: {وأُوحيَ إلى نوحٍ أنَّهُ لن يُؤمِنَ مِن قومِكَ إلا مَنْ قد ءامنَ} [سورة هود]، فلما يئس من إيمانهم دعا عليهم فقال: {ربِّ لا تذر على الأرضِ مِنَ الكافرينَ دَيَّارًا* إنَّكَ إنْ تذرهُم يُضِلُّوا عِبادكَ ولا يَلِدوا إلا فاجِرًا كَفَّارًا} [سورة نوح] فلما شكا إلى الله واستنصره عليهم أوحى الله
إليه: {واصنَعِ الفُلْكَ بأعيُنِنا وَوَحْيِنا ولا تُخاطِبني في الذينَ ظلموا إنَّهُم مُغرَقونَ} [سورة هود]، قال تعالى: {ولقد نادانا نوحٌ فَلَنِعْمَ المُجيبونَ* ونَجَّيْناهُ وأهلهُ مِنَ الكرْبِ العَظيمِ} [سورة الصافات].

 فأقبل نوح على عمل السفينة وجعل يهيء الفلك من الخشب والحديد والقار وغيرها، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه وكانوا لا يعرفون الفلك قبل ذلك، ويقولون: يا نوح صرت نجارًا بعد النبوة! وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهن. وصنع الفلك من خشب الساج وقيل غير ذلك، ويقال إن الله أمره أن يجعل طوله ثمانين ذراعًا وعرضه خمسين ذراعًا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعًا. وقيل: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وقيل غير ذلك والله أعلم.

ويقال إن نوحًا جعل الفلك ثلاث طبقات: سفلى ووسطى وعليا، السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه {حتى إذا جاءَ أمرنا وفارَ التَّنُّورُ قُلنا احْمِلْ فيها مِن كُلّ زوْجَينِ اثنينِ وأهلَكَ إلا مَن سَبَقَ عليهِ القولُ ومَنْ ءامَنَ وما ءامَنَ معهُ إلا قليلٌ} [سورة هود] وقد جعل التنور ءاية، وقيل: إنه طلوع الشمس، وكان تنورًا من حجارة كانت لحواء، وقيل: كان تنورًا من أرض الهند، وقيل: بالكوفة، وأخبرته زوجته بفوران الماء من التنور، ولما فار التنور حمل نوح مَنْ أمر الله بحمله وكانوا ثمانين رجلاً، وقيل غير ذلك. وكان فيها نوح وثلاثة من بنيه سام وحام ويافِث وأزواجهم وتخلف عنه ابنه قيل اسمه يام وقيل كنعان وكان كافرًا. ويقال إن نوحًا حمل معه جسد ءادم عليه السلام، وقال تعالى: {وقالَ اركَبُوا فيها بسمِ اللهِ مَجراها ومُرساها إنَّ ربي لغفورٌ رحيمٌ} [سورة هود].

ثم إن المطر جعل ينزل من السماء كأفواه القرَبِ، فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض هربًا من الماء حتى اجتمعت عند السفينة فحينئذٍ حمل فيها من كل زوجين اثنين.

لما اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه من أمر به جاء الماء كما قال تعالى: {ففتحنا أبوابَ السَّماءِ بماءٍ مُنهَمرٍ* وفجَّرنا الأرضَ عُيونًا فالتقى الماءُ على أمرٍ قدْ قُدِّرَ* وحَملناهُ على ذاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ} [سورة القمر] والدسر: المسامير. وقوله تعالى: {تجري بأعيننا} [سورة القمر] أي بحفظنا وحراستنا.

وجعلت الفلك تجري بهم في موج كالجبال قال الله تعالى: {وهِيَ تجري بهم في موجٍ كالجبالِ} [سورة هود]، وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرًا لم تعهده الأرض قبله وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها، ونادى نوح ابنه الذي هلك لأن يؤمن ويصعد وكان في معزل: {يا بُنَيَّ اركَبْ معنا ولا تكُن معَ الكافرينَ} [سورة هود] وكان كافرًا خالف أباه في دينه، {قالَ سآوي إلى جبلٍ يَعصمُني مِنَ الماءِ} [سورة هود]، فقال نوح: {قالَ لا عاصِمَ اليومَ مِنْ امرِ اللهِ إلا مَن رَحِمَ وحالَ بينهما الموجُ فكانَ مِن المُغرقينَ} [سورة هود].

قال جماعة من المفسرين: أرسل الله المطر أربعين يومًا، ويقال: إنهم ركبوا فيها لعشر ليالٍ مضين من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، وكان والماء نصفين نصفًا من السماء ونصفًا من الأرض وقد ارتفع الماء على أعلى جبل في الأرض قيل: خمسة عشر ذراعًا، وقيل ثمانين والله أعلم، وقد عم جميع الأرض سهلها وحَزنها وجبالها وقفارها، فلم يبق على وجه الأرض أحد ممن عبد غير الله عز وجل، قال الله تعالى: {فكَذَّبوهُ فأنجيناهُ والذينَ معهُ في الفُلكِ وأغرقنا الذينَ كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قومًا عَمينَ} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {ونصرناهُ مِنَ القومِ الذينَ كذبوا بآياتنا إنَّهم كانوا قوم  سَوءٍ فأغرقناهم أجمعينَ} [سورة الأنبياء]. وطافت السفينة بالأرض كلها لا تستقر حتى أتت الحرم فدارت حوله أسبوعًا، ثم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى جبل الجودي وهو بأرض الموصل فاستقرت عليه.

قال تعالى: {وقيلَ يا أرضُ ابْلعي ماءَكِ ويا سماءُ أقْلِعي وَغيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمرُ واستوت على الجودي وقيلَ بُعدًا للقومِ الظالمينَ} [سورة هود]. ثم لما غاض الماء أي نقص عما كان وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها هبط نوح ومن معه من السفينة التي استقرت بعد سيرها على ظهر الجودي قال الله تعالى: {قيلَ يا نوحُ اهبط بسلامٍ مِنَّا وبركاتٍ عليكَ وعلى أمَمٍ مِمَّن معكَ وأممٌ سنُمَتِّعُهُم ثمَّ يَمَسُّهُم مِنَّا عذابٌ أليمٌ} [سورة هود].

ثم إن نسل أهل السفينة انقرضوا غير نسل ولده فالناس كلهم من ولد نوح، ولم يُجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلٌ ولا عقبٌ سوى نوح عليه السلام، قال تعالى: {وجَعلنا ذُريتهُ هُمُ الباقينَ} [سورة الصافات]، فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني ءادم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة.

روى الإمام أحمد عن سَمُرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم" ورواه الترمذي عن سمرة مرفوعًا بنحوه، وقيل: المراد هنا الروم الأول وهم اليونان، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "ولد نوح ثلاثة: يام ويافث وحام، وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاثة: فولد سام العرب وفارس والروم، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام: القبط والسودان والبربر".

 

ذكر اليوم الذي استقرت فيه السفينة

 

قال قتادة وغيره: "ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب فساروا مائة وخمسين يومًا واستقرت بهم على الجودي شهرًا، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم" اهـ، وقد روى ابن جرير خبرًا مرفوعًا يوافق هذا، وأنهم صاموا يومهم ذلك.

وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: "ما هذا الصوم؟" فقالوا: هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبني اسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا اليوم استقرت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح وموسى شكرًا لله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم"، وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه ءاخر إلا أنه ليس فيه ذكر نوح عليه السلام.

 

عمر سيدنا نوح ووفاته

 

قيل: بعث سيدنا نوح وله أبعمائة وثمانون سنة وإنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة والله أعلم.

ويروى أن نوحًا لما حضرته الوفاة قيل له: كيف رأيت الدنيا؟ قال: "كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر".

وأما قبره عليه السلام فقيل: إنه بالمسجد الحرام وهو الأقوى، وقيل: إنه ببلدة في البقاع تعرف اليوم "بكرك نوح" وهناك جامع قد بني بسبب ذلك فيما ذكر، وقيل: إنه بالموصل والله أعلم.

 

وصية نوح عليه السلام لولده

 

روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن نبي الله نوحًا لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، ءامرك باثنتين وأنهاك عن اثنين، وءامرك بلا إله إلا الله، فإن السموات والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر".

 

ثناء الله عز وجل على نوح عليه السلام

 

قال الله تعالى مخبرًا عن نبيه نوح عليه السلام: {ذُريةَ مَنْ حَمَلنا معَ نوحٍ إنَّهُ كانَ عبدًا شكورًا} [سورة الإسراء]، وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن محمد بن كعب القرظي قال: "إن نوحًا عليه السلام كان إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله، وإذا لبس قال: الحمد لله، وإذا ركب قال: الحمد لله، فسماه الله عبدًا شكورًا".

تنبيه: ليس في هذه القصة أن الإنسان يكون شاكرًا بمجرد هذا بل شرط الشكور أن يكون تقيًا يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات ويكثر من العبادات التي لم يفرضها الله فرضًا ولذلك قال تعالى: {وقليلٌ مِنْ عبادي الشَّكورُ} [سورة سبأ].

فالشكور من بين المؤمنين قليل، ولا شكور ولا شاكر من الكفار ولو أكثروا قول الحمد لله والشكر لله بألسنتهم، وكذلك المسلمون العصاة لا يكونون من الشاكرين لمجرد الإكثار من كلمة الحمد والشكر.

وليس في هذا دليل على ما تدعيه الوهابية فإنهم يظنون أن فرقتهم هم المؤمنون وهم الشاكرون لما يعملون من أنهم شرذمة قليلة بالنظر إلى المسلمين الذين يخالفونهم لأن عددهم نحو مليون والمسلمون مئات الملايين.

وقد صح في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إن من أمتي من يشفع لأكثر من ربيعة ومُضر" رواه أحمد في مسنده، وربيعة ومضر أكثر من مائة مليون بل من مئات الملايين وذلك لأن ربيعة ومضر من أقدم القبائل العربية، هؤلاء الذين يشفع فيهم هذا الرجل وهو شخص واحد، وهناك من يشفع لكثير من الخلق في الآخرة، فكيف يصح مع هذا للوهابية أن يعتبروا أنفسهم المسلمين ومن سواهم من المسلمين مشركين.

هو نبي الله شيث ابن سيدنا ءادم عليهما الصلاة والسلام من صلبه، وقد ولدته حواء عليها السلام بعد أن قتل قابيل أخاه هابيل.

جعل الله تعالى شيئًا بعد موت سيدنا ءادم عليه الصلاة والسلام، وأنزل عليه خمسون صحيفة، روى أبو ذر الغفاري رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أُنزل على شيث خمسون صحيفة" رواه ابن حبان.

قام سيدنا شيث بالأمر بعد سيدنا ءادم عليه السلام وصار يدعو إلى طاعة الله وتطبيق شريعة الله، وقد كان الناس في زمانه على دين الإسلام يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئًا، وأنزل الله عليه شرعًا جديدًا وهو تحريم زواج الأخ من أخته غير التوأم بعد أن كان حلالاً في شرع ءادم.

ولد ذُكر أن ءادم عليه السلام مرض قبل موته أحد عشر يومًا، وكتب وصيته ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث وأمره أن يخفيه عن ولده قابيل وولده، لأن قابيل كان حسودًا ولذلك قيل: إن شيثًا كان وصيّ أبيه ءادم في مخلّفيه.

قيل: أقام سيدنا شيث بمكة يحج ويعتمر إلى أن مات عن عمر تسعمائة واثنتي عشرة سنة، وقيل إن شيثًا لما مرض أوصى إلى ابنه أنوش، وقيل دفن مع أبويه ءادم وحواء عليهما السلام في غار بأبي قبيس في مكة، ويقال إنه دفن بقرب مسجد الخيف بمنى.

قال المؤرخون: قام أنوش بعد وفاة أبيه شيث على منهجه من غير تبديل ولا تغيير ثم بعده ولده قَيْنان، ثم من بعده ابنه مهلاييل وهو الذي يزعم الأعاجم من الفرس أنه ملك الأقاليم السبعة، ثم بعده ابنه يَرْد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده أخنوخ وهو إدريس عليه السلام على المشهور.

ويروى أنه إلى شيث يرجع أنساب بني ءادم كلهم اليوم، وذلك أن نسل سائر ولد ءادم غير نسل شيث انقرضوا وبادوا لم يبق منهم أحدٌ، والله أعلم.

 

الهامش:

 

[1] سماه أبوه شيثًا أي هبة الله.

قال الله تعالى: {واذكُر في الكتابِ إدريسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نبيًّا* ورفعناهُ مكانًا عَلِيًّا} [سورة مريم].

نبي الله إدريس عليه الصلاة والسلام نبوته ورسالته

 

سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام هو أحد الأنبياء والرسل الكرام الذين أخبر الله عنهم في القرءان الكريم، وقد ذكره الله تعالى في بضعة مواطن من سور القرءان، وهو ممن يجب الإيمان والاعتقاد بنبوته ورسالته على سبيل القطع والجزم، وقد وصفه الله تعالى في القرءان الكريم بالنبوة والصديقية.

 

نسبهُ وما جاء في وصفه

 

اختلف في نسبه وأشهر ما قيل هو إدريس بن يرد بن مهلاييل، ويسمى أيضًا أخَنوخ، وينتهي نسبه عليه السلام إلى نبي الله شيث بن ءادم عليهم الصلاة والسلام.

وقيل سمي إدريس بهذا الاسم لأنه مشتق من الدراسة، وذلك لكثرة درسه الصحف التي أنزلت على سيدنا ءادم وابنه شيث عليهم الصلاة والسلام.

وأما ما جاء في وصفه فقد روى الحاكم في المستدرك عن سَمُرة بن جندب قال: كان إدريس أبيض طويلاً، ضخم البطن، عريض الصدر، قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت في صدره نكتة بيضاء من غير برص، فلما حصل من أهل الأرض الجور والاعتداء في أمر الله رفعه الله إلى السماء فهو حيث يقول: {ورفعناهُ مكانًا عَلِيًّا} [سورة مريم].

وقيل إن إدريس هو أول من خط بعد ءادم عليه السلام وقطع الثياب وخاطها، وينسب إلى هذا النبي الكريم أشياء كثيرة مما هي كذب وافتراء. وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر أربعة سُريانيون: ءادمُ، وشيثٌ، وأخَنوخُ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم، ونوحٌ".

 

مولده ونشأته ودعوته إلى تطبيق شريعة الله

 

سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام هو ثالث الأبياء بعد ءادم وشيث عليهم السلام، ولقد اختلف العلماء في مولده ونشأته فقال بعضهم إن إدريس ولد ببابل مدينة في العراق، وقال ءاخرون إنه ولد بمصر والصحيح أنه ولد بالعراق في مدينة بابل.

وقد أخذ إدريس عليه السلام في أول عمره بعلم شيث بن ءادم عليهما السلام ولما كبر ءاتاه الله النبوة والرسالة وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة كما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي رواه ابن حبان، فصار عليه السلام يدعو إلى تطبيق شريعة الله المبنية على دين الإسلام الذي أساسه إفراد الله تعالى بالعبادة واعتقاد أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله، وأن الله خالق كل شيء ومالك كل شيء وقادر على كل شيء، وأن كل شيء في هذا العالم يحصل بمشيئة الله وإرادته، وأن الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئًا من مخلوقاته ولا يشبهه شيء من خلقه.

فعاش سيدنا إدريس عليه السلام يعلم الناس شريعة الإسلام وأحكام دين الله، مع أن الناس الذين كانوا في زمانه كانوا مسلمين مؤمنين يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئًا، واستمر الأمر على هذه الحال إلى أن ظهر إبليس اللعين للناس في صورة إنسان ليفتنهم عن دين الإسلام، وأمرهم أن يعملوا صورًا وتماثيل [1] لخمسة من الصالحين كانوا معروفين بين قومهم بالمنزلة والقدر والصلاح، وعملوا لهم صورًا وتماثيل، ثم لما طالت الأيام ظهر لهم مرة أخرى في وقت كثر فيه الجهل والفساد في الأرض، وأمرهم أن يعبدوا هذه التماثيل والأصنام الخمسة فأطاعوه وعبدوهم واتخذوهم ءالهة من دون الله وصاروا كافرين مشركين، وكان ذلك بعد وفاة نبي الله إدريس عليه السلام بمدة ولم يكن في ذلك الوقت نبي، قال الله تعالى حكاية عن هؤلاء الذين عبدوا هؤلاء التماثيل التي كانت صورًا لخمسة من الصالحين: {وقالوا لا تَذَرُنَّ ءالِهَتكُم ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُوَاعًا ولا يغوثَ ويَعوقَ ونَسْرًا} [سورة نوح]. فسيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام عاش تتمة الألف سنة بعد سيدنا ءادم على الإسلام هو ومن اتبعه ومن كان معه، يدعو المسلمين الذين كانوا في زمانه إلى تطبيق شريعة الله وأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وأخذ ينهى عن مخالفة شريعة الإسلام، فأطاعه بعضهم وخالفه بعض، فنوى أن يرحل فأمر من معه أن يرحلوا معه عن وطنهم العراق فثقل على هؤلاء الرحيل عن وطنهم، فقالوا له: وأين نجد مثل بابل إذا رحلنا؟ وبابل بالسريانية النهر، كأنهم عنوا بذلك دجلة والفرات، فقال لهم: إذا هاجرنا لله رزقنا غيره – أي بلدًا غيره- فلما خرج سيدنا إدريس عليه السلام ومن معه من العراق ساروا إلى أن وافوا هذا الإقليم الذي يسمى بابليون فرأوا النيل ورأوا واديًا خاليًا فوقف سيدنا إدريس على النيل وأخذ يتفكر في عظيم قدرة الله سبحانه ويسبح الله سبحانه وتعالى.

أقام سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام ومن معه في مصر يدعو الناس للالتزام بشريعة الله وكانت مدة إقامته في الأرض كما قيل اثنتين وثمانين سنة ثم رفعه الله إلى السماء ثم توفاه على هذه الأرض، وكون وفاته على الأرض هو الصحيح.

 

دعوة سيدنا إدريس عليه السلام

ومواعظه وءادابه وبعض ما سَنَّه لقومه

 

لسيدنا إدريس عليه السلام مواعظ وءاداب اشتهر بها بين قومه وأهل ملته، فقد دعا سيدنا إدريس عليه السلام إلى دين الله وإخلاص العبادة له، وإلى الالتزام بالشريعة وإلى تخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح، وحض على الزهد في هذه الدنيا الفانية الزائلة والعمل بالعدل وعدم الظلم، وأمرهم بالصلاة وبيَّنها لهم، وأمرهم بصيام أيام معينة من كل شهر، وأمرهم بزكاة الأموال معونة للفقراء، وشدّد عليهم في الطهارة من الجنابة، وحرّم عليهم الخمر والمسكر من كل شيء من المشروبات وشدّد فيه تشديدًا عظيمًا، وقيل جعل لقومه أعيادًا كثيرة في أوقات معروفة، وقيل كان في زمانه اثنان وسبعون لغة يتكلم الناس بها وقد علمه الله تعالى لغاتهم جميعها ليعلم كل فرقة من قومه بلغتهم كما قال الله تعالى: {وما أرسلنا مِن رسولٍ إلا بلسانِ قومِهِ ليُبَيِّنَ لهم} [سورة إبراهيم].

وقيل إنه علّم قومه العلوم، وإنه أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم فإن الله سبحانه وتعالى أفهمه أسرار الفلك وتركيبه، وأفهمه عدد السنين والحساب، وقيل إنه أول من نظر في علم الطب، وأول من أنذر بالطوفان، وأول من رسم لقومه قواعد تمدين المدن. وأقام للأمم في زمانه سننًا في كل إقليم سنّةً تليق بأهله.

 

حِكَمُ سيدنا إدريس عليه السلام ومواعظه

 

اشتهر سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام بالحكمة والمواعظ المؤثرة، فمن حكمه عليه الصلاة والسلام: "الصبر مع الإيمان بالله يورث الظفر" وقد قيل إنَّ هذه الحكمة كانت منقوشة على فص خاتمه، ومنها: "إذا دعوتم الله فأخلصوا النية وكذا الصيام والصلوات فافعلوا" أي أخلصوا النية لله تعالى في الدعاء والصيام والصلوات.

ومنها: "تجنبوا المكاسبَ الدنيئة"، ومنها: "من أراد بلوغ العلم والعمل الصالح فليترك من يده أداة الجهل وسيّء العمل"، ومنها: "حياة النفس الحكمة"، ومنها: "لا تحلفوا بالله كاذبين".

فائدة: رُوي أن سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام جاءه مرة إبليس في صورة إنسان وكان سيدنا إدريس يخيط وفي كل دخلة وخرجة يقول سبحان الله والحمد لله، فجاءه إبليس اللعين بقشرة وقال له: الله تعالى يقدر أن يجعل الدنيا في هذه القشرة؟ فقال له سيدنا إدريس: الله تعالى قادر أن يجعل الدنيا في سَم الإبرة أي ثقبها، ونخس بالإبرة في إحدى عينيه وجعله أعور، وهذا ليس ثابتًا من حيث الإسناد.

وأما قول سيدنا إدريس عليه السلام الله تعالى قادر أن يجعل الجنيا في سم هذه الإبرة، أراد به أن الله تبارك وتعالى قادرٌ أن يصور الدنيا أصغر من سم الإبرة ويجعلها فيها، أو يجعل سم الإبرة أكبر من الدنيا فيجعلها أي الدنيا في سم الإبرة، لأن الله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، وإنما لم يفصل له سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام الجواب لأنه معاند، ولهذا عاقبه على هذا السؤال بنخس العين. ذكر هذه القصة الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني في كتابه الترتيب في أصول الفقه.

 

رَفْعُ إدريس عليه السلام إلى السماء ومكان موته

 

أقام سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام في العراق وفي مصر يدعو إلى دين الإسلام، جاهد في سبيل الله، وصبر في الدعوة إلى الله الصبر الجميل، وتحمل من قومه الكثير وهو يدعوهم إلى الالتزام بالشريعة وبطاعة المولى سبحانه وتعالى وعدم معصيته. ثم رفعه الله تبارك وتعالى إلى السماء كما قال الله تعالى في حق إدريس عليه الصلاة والسلام: {واذكُر في الكتابِ إدريسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا* ورفعناهُ مكانًا عليًّا} [سورة مريم].

وقد اختلف المؤرخون في السماء التي رفع إليها سيدنا إدريس عليه السلام، فقد روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: إن الله رفعه إلى السماء السادسة فمات بها، وروي عن مجاهد في قوله تعالى: {ورفعناهُ مكانًا عليًّا} قال السماء الرابعة، والصواب أنه عليه الصلاة والسلام مات على هذه الأرض كما تقدم. وأما أنه لم يزل في السماء السادسة فغير معتمد، وذلك لقول الله تعالى: {منها خلقناكم وفيها نُعيدُكم ومنها نُخرجكم تارةً أخرى} فأخبر أن الإنسان خلق من هذه الأرض وتكون نهايته بعد الممات إليها ومنها يبعث يوم القيامة.

 

 

قال الله تعالى: {إنَّ اللهَ اصطفى ءادمَ ونوحًا وءالَ إبراهيمَ وءالَ عمرانَ على العالميــــــــــــــــــنَ} [سورة ءال عمران].

سيدنا ءادم عليه السلام هو أبو البشر وأولُ إنسان خلقه الله تعالى، فهو أول النوع البشري الذي فضله الله على سائر أنواع المخلوقات، فهو أفضل من النوع الملكـــــــي وأفضل من النوع الجنــــي.

وكان خلقه عليه السلام في الجنة ءاخر ساعة من يوم الجمعة من الأيام الست التي خلق الله فيها السموات والأرض كما جاء في حديث مسلم، وروى مسلم وغيره أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلــــــــــــــــــــــــــــــق ءادم".

 

كيف خلــــــــق ءادم عليــــــــــه الصلاة والسلام

 

شاء الله سبحانه وتعالى بمشيئته التي لا تتبدل ولا تتغير وجود ءادم عليه السلام فأبرزه بقدرته من العدم إلى الوجود. فقد أمر الله تعالى مَلكًا من ملائكته الكرام أن يأخذ من جميع أنواع تراب الأرض التي نعيش عليها ليخلق منه ءادم عليه السلام، فأخذ هذا الملك من جميع أنواع تراب الأرض من أبيضها وأسودها وما بين ذلك، ومن سهلها وحَزْنها أي قاسيها وما بين ذلك، ومن طيبها ورديئها ومما هــــــو بين ذلك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قبض قبضة من الأرض من أبيضها وأسودها وما بين ذلك، ومن طيبها ورديئها وما بين ذلك فجاء ذرية ءادم على قدر ذلك" رواه ابن حبان وغيره، وعند أحمد "فجاء بنو ءادم على قدر الأرض، فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن وبين ذلك، والخبيث والطيب وبيــــــــن ذلك".

أي جاءت أحوال وألوان ذرية ءادم عليه السلام مختلفة بسبب هذا التراب المختلف الذي خُلق منه ءادم عليـــــــــــه الصلاة والسلام.

فائدة: قيل سمي ءادم بهذا الاسم لأنه من أديـــــــــم الأرض.

 

معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله خلق ءادم على صورته"

 يجوز أن يكون معنى هذا الحديث: "إن الله خلق ءادم على صورته" أي على صورة ءادم الأصلية التي خلقه عليها طوله ستون ذراعًا وعرضه سبعة أذرع فيكون الضمير في "صورته" عائدًا إلى ءادم عليه السلام، ويجوز أن يكون الضمير في "صورته" عائدًا إلى الله فيكون التقدير على الصورة التي خلقها الله وجعلها مشرفة مكرمة، وتسمى هذه الإضافة إضافة المِلك والتشريف لا إضافة الجزئية كإضافة الكعبة إلى نفسه كقول الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل: {أن طَهِّرَا بيتي} لأن الله سبحانه لا يوصف بالجسمية والجزئية فليس هو أصلاً لشيء ولا هو فرعًا عن شيء ولا يتحيز في جهة ومكان لأن التحيز للجسم اللطيف والكثيـــــف.

 

الخِلقة التي خُلق عليها ءادم عليــــــــــــــــه السلام

 

خلق الله سيدنا ءادم عليه السلام جميل الشكل والصورة وحسن الصوت لأن جميع أنبياء الله الذين بعثهم الله لهداية الناس كانوا على صورة جميلة وشكل حسن وكذلك كانوا جميلي الصوت، قال صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت وإن نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهـــــــــــــــــــــــــــم صوتًا".

ولقد كان طول سيدنا ءادم عليه الصلاة والسلام ستين ذراعًا، وكان وافر الشعر شبهه رسول الله في الطول بالنخلة السَّحوق، لما خلقه الله قال: اذهب فسلم على أولئك – نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يُحَيُّونكَ فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله. وكل من يدخل الجنة يكون على صورة ءادم في الطول فقد ورد في مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يدخلون الجنة على خلق ءادم ستون ذراعًا في عرض سبعـــــــــــــة أذرع.

فائدة: روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل لما صوّر ءادم تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يُطيف به فلما رءاه أجوف عرف أنه خلقٌ لا يتمالك"، وعند أبي يعلى: "فكان ابليس يمر به فيقول: لقد خلقت لأمر عظيـــــــــــــــــم".

ففي هذا الحديث الصحيح دليل على أن إبليس كان في الجنة لما خلق ءادم وذلك قبل أن يكفر لأن كان مسلمًا يتعبد مع الملائكة ولم يكن منهم من حيث الجنس والأصل لأن الملائكة أصلهم النور وإبليس أصله من مارج من نار أي لهب النار، وفيه أن إبليس كان يدور حول هيكل ءادم وذلك قبل أن ينفخ فيه الروح فرءاه أجوف أي شيئًا غير مصمت بل له جوف، فعرف أنه خلق لا يتمالك أي ليس كالملائكة ولا كالجمادات بل هــــــــــــو أضعف مــــــــــــــن ذلك.

ومن الكذب الظاهر ما شاع من نظرية ابتدعها بعض الكفار وهي أن اصل البشر قرد أو يشبه القرد وهذا فيه تكذيب لقوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ} [سورة التين] فسيدنا ءادم عليه الصلاة والسلام هو أول إنسان خلقه الله تبارك وتعالى لم يكن أصله قردًا ثم ترقى حتى صار إنسانًا {كَبُرَتْ كلمةً تخرجُ من أفواهِهم إن يقولون إلا كَذِبًا} [سورة الكهف]، فنظرية داروين التي تقول إن الإنسان أصله قرد ثم ترقى بسبب العوامل المجهولة حتى صار هذا الإنسان، هي نظرية باطلة لا تقوم على أساس علمي وتردها دلائل النقل وإن تلقفها المفترون بكل جديد ولو كان سخيفًا باطـــــــــــــــــــــــــــــلاً.

وما جاء في القرءان من مسخ بعض اليهود قردة وخنازير فهو حالة نادرة جعلها الله تبارك وتعالى عذابًا لليهود الذي اعتدوا في السبت وعصوا الله تبارك وتعالى وموعظة وعبرة للمتقين، قال الله تبارك وتعالى: {ولقد عَلِمتم الذينَ اعتدوا مِنكم في السَّبت فقُلنا لهم كونوا قردةً خَاسئينَ} [سورة البقرة]. على أن أولئك الذين مسخهم الله تبارك وتعالى قردة لم يعيشوا طويلاً بل عاشوا ثلاثة أيام ثم ماتوا ولم يتركوا نسلاً من جنس ما مسخــــــــــــــــوا إليـــــــــه.

 

ذكر احتجاج ءادم وموسى عليهـــــــــــــــما السلام

 

روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حاجَّ موسى ءادم عليهما السلام فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم [1]، قال ءادم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني؟" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فحجّ ءادم موسى" [2].

 وأخرجاه أيضًا في الصحيح من طريق ءاخر وأحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احتج ءادمُ وموسى، فقال له موسى: أنت ءادم الذي أخرجتكَ خطيئتك من الجنة؟ فقال له ءادم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ثم تلومني على أمر قد قُدِّرَ عليَّ قبلَ أن أخلق" [3] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فحجَّ ءادمُ موسى".

وأخرجاه أيضًا في الصحيح من طريق ءاخر وأحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احنج ءادمُ وموسى فقال موسى: يا ءادم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له ءادمُ: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فحج ءادمُ موسى، فحجّ ءادمُ موسى".

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احتج ءادمُ وموسى عليهما السلام عند ربهما فحجَّ ءادمُ موسى، قال موسى: أنت ءادمُ الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته، ثم أهبطتَ الناس بخطيئتك إلى الأرض؟، قال ءادم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح [4] فيها تبيان كل شيء [5] وقرَّبك [6] نجيًا فبِكَم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، فقال ءادم: أفتلومني على أن عملتُ عملاً كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فحج ءادم موسى"، ورواه بنحوه ابن أبي حاتم.

وروى أبو داود في سننه وأبو يعلى في مسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى قال: يا رب أرنا ءادم الذي أخرجنا ونفسَهُ من الجنة، فاراه الله ءادم فقال: أنت أبونا ءادم؟ فقال له ءادم: نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلّمك الأسماء كلها وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: نعم، قال: فما حملك على أن تخرجنا ونفسك من الجنة؟ قال له ءادم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى، قال: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء الحجاب ولم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه؟ قال: نعم، قال: أفما وجدت أنَّ ذلك في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: نعم، قال: فبم تلومني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء قبلي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: فحج ءادم موسى، فحج ءادم موسى".

 وقد رد هذا الحديث قوم من القدرية لما تضمن من إثبات القدر، ومن كذب بهذا الحديث فمعاند، لأنه متواتر عن أبي هريرة رضي الله عنه وناهيك به عدالةً وحفظًا واتقانًا، ثم هو مروي عن غيره من الصحابة كما قدمنا ذلك.

 

ذكر إخراج أرواح ذرية ءادم من ظهره وأخذ الميثاق

 

روى النسائي وأحمد وابن جرير والحاكم في المستدرك بالإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر ءادم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قُبُلاً قال {ألَستُ بربِّكُم قالوا بلى شَهِدنا أن تقولوا يومَ القيامةِ إنَّا كُنَّا عنْ هذا غافلينَ* أو تقولوا إنَّما أشرَكَ ءاباؤُنا مِن قبلُ وكُنَّا ذُرِّيةً مِن بعدهم أفَتُهلِكُنا بما فعلَ المُبطلونَ} [سورة الأعراف].

وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناده عن سعبة، عن أبي عمران عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقال للرجال من أهل النار يوم القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنتَ مفتديًا به؟ قال: فيقول: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر ءادم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك بي". وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به.

فهذه الاحاديث كلها دالة على استخراجه سبحانه وتعالى ذرية ءادم من ظهره كالذرّ ثم استنطقهم وأخذ عليهم العهد وأشهد عليهم أنفسهم.

 

خلقُ حواء عليها السلام

 

خلق الله سبحانه وتعالى سيدتنا حواء من ضلع ءادم الأيسر الأقصر كما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان: "ولأم مكانه لحمًا"، قيل لذلك سميت حواء بهذا الاسم لأنها خلقت من شيء حي، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضِلع، وإنْ أعوجَ شيءٍ في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء" الحديث. ولم يخلق الله تبارك وتعالى حواء طفلة صغيرة ثم طورها إلى الكبر، بل خلقها على هيئتها التي عاشت عليها كبيرة طويلة مناسبة لطول ءادم عليه السلام، قال الله تبارك وتعالى: {يا أيها الناسُ اتَّقوا ربَّكم الذي خلقكم مِن نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساءً} [سورة النساء].

وقال تعالى: {هُوَ الذي خلقَكُم مِن نفسٍ واحدةٍ وجعلَ منها زوجَها ليَسْكُنَ إليها} [سورة الأعراف] وقد زوَّج الله تعالى ءادم وحواء وجعلها له حلالاً في الجنة ثم كانا كذلك في الأرض.

 

سجود الملائكة لآدم واعتراض إبليس

وعدم سجوده وطرده من الجنة

 

أمر الله تبارك وتعالى الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام فامتثل الملائكة لأمر الله وسجدوا كلهم لأن الملائكة كما وصفهم الله تعالى: {لا يعصونَ اللهَ ما أمرهُم ويفعلونَ ما يُؤمرونَ} [سورة التحريم]. وأما إبليس فقد استكبر واعترض على الله ولم يمتثل لأمره وقال: {أنا خيرٌ منهُ خلقتني من نارٍ وخلقتَهُ من طينٍ} [سورة الأعراف] فكفر وظهر منه ما قد سبق في علم الله تعالى ومشيئته من كفره واعتراضه باختياره، وقد ورد في الأثر أنه كان قبل كفره يسمى عزازيل. وروى مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأ ابن ءادم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلَه، أُمر ابن ءادم بالسجود فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار".

ثم بعد أن عرف إبليس اللعين أنه ملعون طلب من الله أن ينظره أي يؤخره إلى يوم البعث أي يوم الخروج من القبور ولكن الله لم يجبه إلى ذلك بل أخره إلى النفخة الأولى ليذوق الموت الذي حكم الله به على خلقه قال تعالى مخبرًا عن قول إبليس: {قالَ ربِّ فأنْظِرني إلى يومِ يُبعثونَ* قالَ فإنَّكَ مِنَ المُنظَرينَ* إلى يومِ الوقتِ المعلومِ} [سورة ص]. ومعنى قوله تعالى: {كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَهُ} [سورة القصص] [7] أي إلى زمن نفخة الإهلاك وهي نفخة إسرافيل في البوق فيموت كل حي من الإنس والجن من هول ذلك الصوت.

 ثم إن إبليس اللعين لما اعترض وكفر أمره الله بالخروج من الجنة، لكنه لم يخرج منها فورًا بل قام فيها مدة ليوسوس لآدم وحواء بعصيان الله تعالى ليكون سببًا في إخراجهما من الجنة، قال تعالى: {قالَ اخرُجْ مِنها مَذمومًا مدحورًا} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {فاخرُج منها فإنَّكَ رجيمٌ* وإنَّ عليكَ لَعنتي إلى يومِ الدينِ} [سورة ص].

وقد كان إبليس قبل ذلك الوقت مسلمًا مؤمنًا من الجن يعبُد الله مع الملائكة، وذلك قبل أن يكفر ويعترض على الله، وليس صحيحًا أنه كان طاووس الملائكة ولا رئيسًا لهم كما يزعم بعض الجهال، قال الحسن البصري: لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وقال شهر بن حوشب: كان من الجن، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وإذْ قُلنا للملائكةِ اسجُدوا لآدمَ فسجدوا إلا إبليسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ففسقَ عَنْ أمرِ ربِّهِ} [سورة الكهف]، وقوله تعالى: {فسجدَ الملائكةُ كُلُّهُم أجمعونَ} [سورة الحجر]، فلو كان من الملائكة لم يعص ربه لأن الله تعالى وصفهم في القرءان الكريم بقوله: {لا يعصونَ اللهَ ما أمرهُم ويفعلون ما يؤمَرونَ} [سورة التحريم].

ومما يدل أيضًا على أن إبليس ليس من الملائكة بل هو من الجن قوله تعالى: {قالَ ما مَنعكَ ألا تَسجدَ إذْ أمرتُكَ قالَ أنا خيرٌ منهُ خَلقتني من نارٍ وخلقتهُ من طينٍ} [سورة الأعراف] ففي هذه الآية دليل على أن إبليس مخلوق من نار، بخلاف الملائكة فإنهم خلقوا من نور كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخُلق ءادم مما وُصف لكم".

 

خلافةُ بني ءادم في الأرض

 

قال الله تعالى: {وإذ قالَ ربُّكَ للملائكة إني جاعِلٌ في الأرضِ خليفةٌ قالوا أتجعلُ فيها مَن يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدِّماءَ ونحنُ نسبِّحُ بحمدِكَ ونُقَدِّسُ لكَ قالَ إني أعلمُ ما لا تعلمونَ} [سورة البقرة].

هذه الآية تخبر أن الله قضى على ءادم وبنيه باستخلاف الأرض لعمارتها والانتفاع بما أودعه فيها من نبات وحيوان ومعادن ويتولى بعضهم على بعض بالحكم وغير ذلك.

وقد أخبر الله الملائكة وأعلمهم أنه سيجعل بني ءادم خليفة في الأرض يسعون فيها ويمشون في مناكبها وينتشر نسلهم في أرجائها، ويأكلون من نباتها ويستخرجون الخيرات من باطنها ويخلف بعضهم بعضًا فيها.

فسألت الملائكة ربها للاستكشاف عن الحكمة في جعله خليفة في الأرض لا للاعتراض على الله وقالت: {أتَجعلُ فيها مَن يُفسدُ فيها ويَسفكُ الدماءَ ونحنُ نُسَبِّحُ بحمدكَ ونُقدِّسُ لكَ} [سورة البقرة] أي نحن نعبدك دائمًا ولا يعصيك منا أحد.

فبيّن الله للملائكة الحكمة من جعل بني ءادم خليفة في الأرض وهو أن البشر وإن كان فيهم من يسفك الدماء ويفسد في الأرض، لكن منهم الأنبياء والأولياء، ونصب لهم دليلاً على فضل ءادم أن علمه أسماء كل شيء فتفوق على الملائكة بذلك وقال الله للآدم: {أنبِئهُم بأسمائهِم} [سورة البقرة] فصار ءادم يقول لهم هذا اسمه كذا هذا اسمه كذا فعرفوا أن هذا الجنس أفضل منهم.

 

كيف عرف الملائكة أن بني ءادم يفسدون

 

 عرف الملائكة ذلك من أنه كان مضى قبل ذلك جن يعيشون في الأرض فأحرقتهم الملائكة على ما ورد في بعض الآثار، وليس السبب ما قال بعض الناس أنه سبق قبل ءادم أوادم كثير حتى قال بعضهم كان مائة ألف ءادم، وهذا قول هراء ليس له أساس من الصحة.

أما سجود الملائكة لآدم فكان سجود تحية وإكرام لا عبادة لآدم، وكان سجود المخلوق للمخلوق جائزًا في شرائع الأنبياء ثم حرمه الله في شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

سكنى ءادم وزوجته حواء الجنة

 

أمر الله سيدنا ءادم وزوجته حواء التي جعلها حلالاً له أن يسكنا الجنة، وهي جنة الخلد التي سيدخلها المؤمنون يوم القيامة.

وقد أباح الله لآدم وحواء سكنى الجنة والأكل من ثمارها والشرب من مياهها والتنعم بنعيمها من غير مشقة ولا تعب يلحقهما في الحصول على ما يريدان من طعام وشراب، إلا شجرة واحدة حرّمها عليهما ونهاهما عن الأكل منها، وحذّرهما من عداوة إبليس وإغوائه لهما، ولم في القرءان الكريم ولا في الحديث الثابت الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هي هذه الشجرة، لذلك اختلف العلماء في تعيينها فقيل: هي الحنطة، وقيل: هي التفاح، وقيل: هي النخلة، وقيل: التين، وقيل غير ذلك، فقد تكون واحدة من هذه وقد تكون غيرها، وقال بعضهم: هذا الخلاف لا طائل تحته لأنه لا يتعلق بتعيينها حكم شرعي ولا فائدة تاريخية وإلا لعيّنها لنا القرءان.

وسكن ءادم وزوجه حواء الجنة وصارا يتنعمان بما فيها من نعيم وما فيها من كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فكان يتنقل بين أشجارها ويقطف من ثمارها ويتنعم بفاكهتها ويشرب من عذب أنهارها ومياهها، قال الله تعالى: {وقُلنا يا ءادمُ اسكُنْ أنتَ وزوجُكَ الجنَّةَ وكُلا منها رَغدًا حيثُ شِئتُما ولا تقربا هذهِ الشجرةَ فتكونا مِنَ الظالمينَ} [سورة البقرة].

 

وقال تعالى: {فقُلنا يا ءادمُ إنَّ هذا عَدُوٌّ لكَ ولِزوجِكَ فلا يُخرِجَنَّكُما مِنَ الجنةِ فتَشقى* إنَّ لكَ ألا تجوعَ فيها ولا تَعرى* وأنَّكَ لا تظمؤا فيها ولا تَضحى} [سورة طه] ومعنى رغدًا: أي هنيئًا.

 

سبب خروج ءادم من الجنة

 

السبب في ذلك أن ءادم خالف النهي الذي نهاه الله لأنه أعلمه بالمنع من أكل شجرة واحدة من أشجار الجنة وأباح له ما سواها فوسوس الشيطان له ولحواء أن يأكلا منها فقال لهما ما أخبر الله تعالى في القرءان: {فوَسوسَ لهُما الشيطانُ ليُبديَ لهُما ما وُرِيَ عَنهُما من سَوْءاتِهِما وقالَ ما نهاكُما ربُّكُما عن هذهِ الشجرةِ إلا أن تكونا مَلَكينِ أو تكونا من الخالدينَ} [سورة الأعراف] فأكلا منها فأخرجهما الله تعالى من الجنة، وكان ذلك قبل أن تنزل عليه النبوة والرسالة لأنه إنما نبئ بعد أن خرج من الجنة فتابا من تلك المعصية، ولا تعد تلك المعصية معصية كبيرة قال الله تعالى: {ثمَّ اجتباهُ ربُّهُ فتابَ عليهِ وهدى} [سورة طه].

ثم بعد خروجهما من الجنة تناسلا فعلّم ءادم أولاده أمور الإسلام فكل ذريته كانوا على الإسلام، ثم نبئ بعد ءادم ابنه شيث، ثم بعد وفاة شيث نبئ إدريس ثم كفر بعض البشر بعبادة الأصنام فبعث الله الأنبياء بالتبشير لمن أطاعهم بالجنة والإنذار بالنار لمن خالفهم بعبادة غير الله وتكذيبهم.

مما ابتلي به ءادم وحواء بعد أكل الشجرة أنه نزع عنهما لباسهما وانطشفت لهما سوءاتهما فطفقا يلصقان عليهما من ورق الجنة وكان لباسهما الذي كان عليهما من نور، وقد دل القرءان العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله تعالى: {يا بني ءادمَ لا يَفتِنَكمُ الشيطانُ كما أخرجَ أبويكُم مِنَ الجنةِ يَنزعُ عنهُما لِباسهُما ليُريَهُما سوءاتهما} [سورة الأعراف]. ثم بعد أن نزلا إلى الأرض علمه الله تعالى أسباب المعيشة فأنزل له القمح وعلمه كيف يبذر وكيف يحصد وكيف يعمل للأكل، وعلمه النقدين الذهب والفضة فعمل الدراهم والدنانير.

فآدم عليه السلام له فضل كبير على البشر لما له عليهم من حق الأبوة وتعليم أصول المعيشة فلا يجوز تنقيصه، فمن نقصه أو أنكر رسالته فهو كافر. فلو كان الأمر كما ظن بعض الناس أن ءادم لم يكن رسولاً لساوى البشر البهائم ولكانت ذريته كذرية البهائم.

قال الله تعالى: {وقُلنا يا ءادمُ اسكُنْ وزوجكَ الجنةَ وكُلا منها رَغَدًا حيثُ شِئتُما ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا مِنَ الظالمينَ* فأزَلَّهُما الشيطانُ عنها فأخرجَهُما مِمَّا كانا فيهِ وقُلنا اهبطوا بعضكم لبعضٍ عَدُوٌّ ولكم في الأرضِ مُستقرٌّ ومتاعٌ إلى حينٍ} [سورة البقرة].

وقال الله تعالى: {فوَسوسَ إليهِ الشيطانُ قال يا ءادمُ هل أدُلُّكَ على شجرةِ الخُلدِ ومُلْكٍ لا يبلى* فأكلا منها فبَدَتْ لهًما سوءاتهما وطفِقا يَخْصِفانِ عليهما من ورقِ الجنَّةِ وعصى ءادمُ ربَّهُ فغوى* ثمَّ اجتباهُ ربُّهُ فتابَ عليهِ وهدى} [سورة طه].

فائدة: قال الله تعالى: {فتلقَّى ءادمُ من ربِّهِ كلماتٍ فتابَ عليهِ إنَّهُ هوَ التَّوابُ الرحيمُ} [سورة البقرة]، وروي عن مجاهد قال: "الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمكدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم"، وروى البيهقي بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: "لما اقترف سيدنا ءادم الخطيئة قال: "يا ربّ أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي، فقال الله: فكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه بعد؟ فقال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك [8]، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك"، قال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه وهو ضعيف، ورواه الحاكم وصححه.

تنبيه: لا يقال طرد الله ءادم من الجنة لأن هذا اللفظ فيه تحقير لسيدنا ءادم بل يقال أهبِطَ كما يفيد نص القرءان.

 

مدة إقامة ءادم عليه السلام في الجنة

واليوم الذي خرج فيه من الجنة

 

اختلف العلماء في مقدار مُقام ءادم عليه السلام في الجنة فروى الحاكم في مستدركه أن ءادم لم يمكث في الجنة إلا ما بين العصر إلى الغروب، والأقوى أنه مكث مائة وثلاثين سنة. ولا ينافي هذا بالنسبة لتلك الأيام الستة أن يكون أدرك فيها مائة وثلاثين عامًا ثم أكمل الألف في الارض كما يفهم ذلك من بعض الآثار.

وقد ورد أن اليوم الذي أُخرج فيه ءادم عليه السلام من الجنة وهبط فيه إلى الأرض كان يوم الجمعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق ءادم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منه" رواه مسلم، ورواه أحمد بنحوه.

 

مكان نزول ءادم عليه السلام على الأرض

 

أمر الله سيدنا ءادم وحواء بالهبوط من الجنة إلى الأرض، وأمر إبليس بالهبوط إليها أيضًا، وأخبرهما أن العداوة بينهما وبين إبليس اللعين ستظل قائمة وبالتالي ستكون بين إبليس وبني ءادم قال الله تعالى: {وقُلنا اهبطوا بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ ولكم في الأرضِ مُستقرُّ ومتاعٌ إلى حينٍ} فيروى أن ءادم عليه السلام نزل في أرض الهند في أرض تسمى سرنديب على أشهر الأقوال، ونزلت حواء عليها السلام في أرض أخرى قيل إنها جُدة، فجاء سيدنا ءادم في طلبها حتى أتى جمعا فازدلفت [9] إليه حواء فلذلك سميت المزدلفة وهي بين مكة وعرفة، وقيل إنهما تعارفا في عرفات لذلك سميت عرفات، وأما إبليس اللعين فقيل إنه نزل بالأبُلّة أرض في العراق.

فائدة: قيل إن أطيب بقعة في الأرض ريحًا الأرض التي أهبط بها ءادم فعلق بشجرها من ريح الجنة، قيل إن تلك الأرض التي نزل بها ءادم من أصح بلاد الأرض فناسبت أن تكون موطنه لكونه قريب عهد بالجنة.

 

بناء البيت الحرام

 

أمر الله ءادم عليه السلام أن يبني البيت الحرام فقدم مكة وبنى البيت من خمسة أجبُلٍ: من طور سيناء، وطور زَيْتى، ولبنان، والجودي، وبنى قواعده من حراء، فلما فرغ من بنائه أرسل الله له ملكًا علمه المناسك، ثم بقي كذلك حتى أغرق الله قوم نوح عليه السلام فرُفع البيت وبقي أساسه فجاء سيدنا إبراهيم عليه السلام فبناه.

 

قصة هابيل وقابيل

 

قال الله تبارك وتعالى: {واتْلُ عليهم نبأ ءادمَ بالحقِّ إذْ قَرَّبا قُربانًا فتُقُبِّلَ مِنْ أحدِهما ولم يُتَقَبَّل مِنَ الآخرِ قالَ لأقتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقينَ* لئِن بَسَطتَ إليَّ لتقتُلني ما أناْ بباسِطٍ يدي إليكَ لأقتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمينَ* إنِّي أريدُ أن تَبُوأ بإثمي وإثمكَ فتكونَ مِن أصحابِ النارِ وذلكَ جَزَاؤا الظالمينَ* فَطَوَّعَتْ لهُ نفسُهُ قَتْلَ أخيهِ فقتلهُ فأصبحَ مِنَ الخاسرينَ* فبعثَ اللهُ غُرابًا يبحثُ في الأرضِ ليُريهُ كيفَ يُواري سوءَةَ أخيهِ قالَ يا ويلتي أعَجَزْتُ أن أكونَ مِثْلَ هذا الغُرابِ فأُواريَ سوءةَ أخي فأصبحَ مِنَ النَّادمينَ} [سورة المائدة].

تتلخص قصة هابيل وقابيل أن حواء عليها السلام ولدت أربعين بطنًا وكانت تلد في كل بطن ذكرًا وأنثى، وكان سيدنا ءادم عليه السلام يُزوج ذكر كل بطن بأنثى من بطن ءاخر، ويقال إن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل التي كانت أجمل من أخت هابيل لكن قابيل أراد أن يستأثر بها، فأمره ءادم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى، فامرهما أن يقربا قربانًا وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى وذهب ءادم إلى مكة ليحج، وقرّب كل واحد منهما قربانه بعد ذهاب أبيهم ءادم عليه السلام، فقرَّب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم، وأما قابيل فقرب حزمة من زرع رديء وكان صاحب زرع، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب قابيل غضبًا شديدًا وقال لأخيه هابيل لأقتلنك حتى لا تنكح أختي فقال له: إنما يتقبل الله من المتقين. وذات ليلة أبطأ هابيل في المرعى فبعث سيدنا ءادم عليه السلام – وكان قد رجع من الحج- أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به، فلما ذهب إذ هو به، فقال له: تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال له هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين، فغضب عندئذ قابيل، ثم أتاه وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه، وقيل خنقه خنقًا شديدًا. وأما قول هابيل لقابيل: {لئن بسطت إليَّ لتقتُلني ما أناْ بباسِطٍ يدي إليكَ لأقتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمينَ* إنِّي أريدُ أن تَبُوأ بإثمي وإثمكَ} [سورة المائدة]. فمعناه أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشدّ منك وأقوى فتحمل إثم قتلي مع ما لك من الآثام المتقدمة قبل ذلك.

وقيل لما قتل قابيل هابيل ندم على ذلك فضمه إليه حتى تغيرت رائحته، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر حتى يرميَ به فتأكله، وكره أن يأتي به ءادم فيحزنه، ولم يزل يحمله حتى جاء غرابان فاقتتلا أمام قابيل فقتل أحدهما الآخر، فعمد إلى الأرض يحفر له بمنقاره فيها، ثم ألقاه ودفنه وجعل يَحثي عليه التراب حتى واراه، فقال عندها قابيل: {يا ويلتي أعَجَزتُ أن أكونَ مثلَ هذا الغرابِ أُواريَ سوءةَ أخي} [سورة المائدة]، ثم أخذ يفعل به ما فعل ذاك الغراب فواراه ودفنه تحت التراب.

وليعلم أن ابن ءادم قابيل الذي قتل أخاه هابيل كان مسلمًا مؤمنًا ولم يكن كافرًا، وإنما ارتكب معصية كبيرة بقتله أخاه هابيل ظلمًا وعدوانًا.

 فائدة: روى الجماعة سوى أبي داود، وأحمد في مسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن ءادم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل" أي ظلمًا، فعُلم من ذلك أن قابيل ما تاب من قتله لهابيل.

وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة يقال لها مغارة الدم، ذُكر بأنها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عندها، والله أعلم بصحة ذلك.

 

موت سيدنا ءادم وحواء عليهما السلام

 

عاش سيدنا ءادم عليه السلام ألف سنة قيل: قضى منها مائة وثلاثين سنة في الجنة وبقية الألف عاشها على هذه الأرض التي نزل إليها، ولما مات بقيت ذريته على دين الإسلام يعبدون الله تعالى وحده ولم يشركوا به شيئًا، فعاش البشر ألف سنة أخرى على دين الإسلام. ولم يكن فيهم كفر ولا شرك وإنما حصل الكفر والشرك بعد نبي الله إدريس عليه الصلاة والسلام فكان سيدنا نوح عليه السلام أول نبي بعث إلى الكفار.

وقد ورد في الأثر أن ءادم عليه السلام دفن في مكة أو في منى قرب مسجد الخيف حيث دفن سبعون نبيًا، وقبورهم مخفاة ولا يوجد علامات تدل عليها، وقيل دفن عند الجبل الذي أهبط عنده في الهند، وقيل بجبل أبي قبيس. والله أعلم.

ويروى أن زوجه حواء عليها السلام عاشت بعد سيدنا ءادم عليه السلام سنة ثم ماتت ويقال إنها دفنت في جدة.

 

الهوامش:

 

[1] أي أوقعتهم في الشدة والمشقة.

[2] أي غلب، وهذا للمباسطة والمحبة ليس على وجه التوبيخ والتعيير.

[3] المراد كُتب، وليس معناه التقدير الذي هو صفة الله.

[4] أي التوراة.

[5] مما يحتاج إليه للدين من عقائد وأحكام.

[6] أي قربك لإسماع كلامه وحدك.

[7] قال الإمام البخاري في تفسير قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}: "إلا مُلكَهُ" ومعناه سلطان الله لا يهلك.

[8] روحك: أي الروح المشرفة عندك.

[9] فازدلفت: أي اقتربت.

الصفحة 6 من 6