قال الله تعالى: {وخُذ بيدِكَ ضِغْثًا فاضرِبْ بهِ ولا تَحْنث إنّا وجدناهُ صابرًا نِعمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص].

 

نسبه عليه الصلاة والسلام

 

قيل: هو أيوب بن موص بن رازح بن العيص بن اسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام، وقيل غير ذلك في نسبه، إلا أن الثابت أنه من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام.

وحُكي أن أمه بنت نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام. وأما زوجته فقيل: إنّ اسمها رحمة بنت يوسف بن يعقوب، وقيل غير ذلك.

وسيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام من الأنبياء المنصوص على الوحي إليهم في القرءان الكريم قال الله تبارك وتعالى: {إنَّا أوحينا إليكَ كما أوحينا إلى نوحٍ والنَّبيِّنَ مِنْ بعدِهِ وأوحينا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ وعيسى وأيوب} [سورة النساء].

وكان عليه الصلاة والسلام عبدًا تقيًا شاكرًا لأنعم الله رحيمًا بالمساكين، يُطعم الفقراء ويُعين الأرامل ويكفل الأيتام، ويكرم الضيف، ويؤدي حق الله عليه على أكمل وجه.

 

إبتلاء الله لأيوب عليه الصلاة والسلام

 

يقول الله تبارك وتعالى: {واذكُر عبدنا أيوبَ إذْ نادى ربَّهُ أنِّي مَسَّني الشيطانُ بنُصبٍ وعذابٍ} [سورة ص].

كان أيوب كثير المال ءاتاه الله الغنى والصحة والمال وكثرة الأولاد، وابتلاه بالنعمة والرخاء ولم تفتنه زينة الحياة الدنيا ولم تخدعه ولم تشغله عن طاعة الله، وكان عليه السلام يملك الأراضي المتسعة من أرض حوران، ثم ابتلاه الله بعد ذلك بالضرّ الشديد في جسده وماله وولده فقد ذهب ماله ومات أولاده جميعهم، فصبر على ذلك صبرًا جميلاً ولم ينقطع عن عبادة الله تعالى بأنواع من الأمراض الجسيمة في بدنه وهو في كل هذا البلاء صابرٌ محتسب يرجو ثواب الله في الآخرة، ذاكرًا لمولاه في جميع أحواله في ليله ونهاره وصاحبه ومسائه. وطال مرضه عليه الصلاة والسلام ولزمه ثماني عشرة سنة وكانت زوجته لا تفارقه صباحًا ولا مساء إلا بسبب خدمة الناس بالأجرة لتطعمه وتقوم بحاجاته، وكانت تَحْنو عليه وترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها وحسن معاشرتها لها في حالة السراء، لذلك كانت تتردد إليه فتصلح من شأنه وتعينه على قضاء حاجته ونوائب الدهر، وكانت تخدم الناس لتطعمه الطعام وهي صابرة معه محتسبة ترجو الثواب من الله تبارك وتعالى.

 

دعاء أيوب وشفاؤه عليه الصلاة والسلام، ورفع البلاء عنه بعد ثماني عشرة سنة من الضر والعذاب

 

كثرت البلايا والأمراض على نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام طيلة ثماني عشرة سنة، وهو صابرٌ محتسبٌ يرجو الثواب من الله تعالى، فدعا الله وابتهل إليه بخشوع وتضرع قائلاً: {أنِّي مَسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ} [سورة الأنبياء]، ثم خرج عليه الصلاة والسلام لقضاء حاجته وأمسكت زوجته بيده إلى مكان بعيد عن أعين الناس لقضاء حاجته فلما فرغ عليه الصلاة والسلام أوحى الله تبارك وتعالى إليه في مكانه: {اركُض برجلكَ هذا مُغتسلٌ باردٌ وشرابٌ} [سورة ص] فأمره تعالى أن يضرب برجله الأرض، فامتثل عليه الصلاة والسلام ما أمره الله به وأنبع الله تبارك وتعالى له بمشيئته وقدرته عَينين فشرب من إحداهما واغتسل من العين الأخرى فأذهب الله عنه ما كان يجده من المرض وتكاملت العافية وأبدله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة، ولما استبطأته زوجته وطال انتظارها، أقبل نبي الله عليه الصلاة والسلام إليها سليمًا صحيحًا على أحسن ما كان فلما رأته لم تعرفه فقالت له: بارك الله فيك هل رأيت نبي الله أيوب هذا المبتلى؟ فوالله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحًا، فقال لها عليه الصلاة والسلام: فإني أنا هو.

وكان لنبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام بَيدران بيدرٌ للقمح وبيدر للشعير فبعث الله تبارك وتعالى بقدرته سحابتين، فلما كانت إحداهما على بيدر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت السحابة الأخرى على بيدر الشعير الفضة حتى فاض وعمّ، وبينما كان أيوب عليه الصلاة والسلام يغتسل خرّ عليه وسقط جراد من ذهب وهذا إكرامٌ من الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام ومعجزة له، فشرع عليه السلام يحثي ويجمع في الثوب الذي كان معه استكثارًا من البركة والخير الذي رزقه الله إياه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيك عمّا ترى، فقال عليه الصلاة والسلام: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك، رواه البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، ورواه أحمد في مسنده موقوفًا، ورواه بنحوه ابن أبي حاتم وأحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بإسناد على شرط الصحيح.

وأغنى الله تبارك وتعالى عبده أيوب عليه السلام بالمال الكثير بعد أن كان قد فقد أمواله، وردَّ الله تبارك وتعالى لأيوب عليه السلام أولاده فقد قيل: أحياهم الله تبارك وتعالى له بأعيانهم، وزاده مثلهم معهم فضلاً منه وكرمًا، والله يؤتي فضله من يشاء ويرزق من يشاء بغير حساب.

يقول الله تبارك وتعالى: {واذكر عبدنا أيوبَ إذ نادى ربهُ أنِّي مسَّني الشيطانُ بنُصْبٍ وعذابٍ* اركُض برجلكَ هذا مُغتَسَلٌ باردٌ وشرابٌ* ووهَبْنا لهُ أهلهُ ومثلهم معهم رحمةً مِنَّا وذكرى لأولي الألبابِ} [سورة ص]، ويقول عز من قائل: {وأيوبَ إذ نادى ربَّهُ أنِّي مَسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ* فاستجبنا لهُ فكشفنا ما بهِ من ضرٍّ وءاتيناهُ أهلهُ ومثلهم معهم رحمةً مِنْ عِندنا وذكرى للعابدين} [سورة الأنبياء].

 

أيوب عليه الصلاة والسلام يبرُّ بيمينه ولا يحنث

 

يقولُ الله تبارك وتعالى: {وخُذْ بيدِكَ ضِغثًا فاضربْ بهِ ولا تَحْنَث إنَّا وجدناهُ صابرًا نِعْمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص] ضاق الحال بزوجة أيوب عليه السلام ذات يوم فباعت نصف شعرها لبعض بنات الملوك فصنعت له من ثمنه طعامًا فحلف أيوب عليه الصلاة والسلام إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة، ولما أراد أيوب عليه الصلاة والسلام أن يبرّ بيمينه بعد شفائه أمره الله أن يأخذ ضغثًا وهو الحُزْمة من الحشيش أو الريحان أو ما أشبه ذلك فيه مائة قضيب فيضرب بها زوجته ضربة واحدة وبذلك لا يحنث في يمينه، ولقد شرع الله تعالى له ذلك رحمة بها ولحسن خدمتها إياه وإحسانها إليه وشفقتها عليه أثناء مرضه ومصائبه التي ابتُلي بها طوال الثماني عشرة سنة التي ابتلاه الله بها، ولأنها امرأة مؤمنة صالحة تقية صابرة تؤدي حق زوجها عليها وتحسن معاشرته في السراء والضراء، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه وخافه، ولهذا قال الله تعالى: {إنَّا وجدناهُ صابرًا نِعْمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص]، قيل: أي رجّاع منيب مقبل على طاعة الله.

 

موت أيوب عليه الصلاة والسلام

 

لقب نبي الله أيوب عليه السلام بالصدّيق وضرب به المثل في الصبر بسبب صبره الجميل طيلة الثماني عشرة سنة على المصائب والبلايا، وعاش أيوب عليه الصلاة والسلام بعد رفع الضر والمصائب عنه مُسَارعًا في طاعة الله لا تغرّه الحياة الدنيا وزهرتها يؤدي ما فرض الله عليه ويدعو إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده لا شريك له، ويستعمل ما رزقه الله من أموال كثيرة في طاعة الله، إلى أن توفاه الله وهو عنه راضٍ.

وقيل إنه لما توفي كان عمره ثلاثًا وتسعين سنة، وقيل أكثر من ذلك.

 

عصمة نبي الله أيوب من الأمراض المنفرة

 

اعلم رحمك الله بتوفيقه أنّ علماء العقيدة قد قرروا أن أبياء الله ورسه هم صفوة خلق الله، فيجب للأنبياء الصدق ويستحيل عليهم الكذب، ويجب لهم الفطانة [الذكاء] ويستحيل عليهم البلادة والغباوة، ويجب لهم الصيانة فيستحيل عليهم الرذيلة والسفاهة والجبن، ويجب لهم الأمانة ويستحيل عليهم الخيانة، فالأنبياء سالمون من الكفر وكبائر الذنوب وصغائر الخسة كسرقة حبة عنب، وكذلك يستحيل عليهم الأمراض المنفرة التي تنفر الناس عنهم، وهذا من العصمة الواجبة لهم.

لذلك قال العلماء: إن من نسب إلى نبي من الأنبياء الكذب أو الخيانة أو الرذائل أو السفاهة أو الجُبن أو نحو ذلك من صفات النقصان فقد كفر، فإذا علم ذلك تبيّن أن ما يرويه وينسبه بعض الناس إلى سيدنا أيوب من أنه ابتلي في جسمه بأمراض منفرة لا أساس ولا صحة له، بل هو أكاذيب لا تقوم بها الحجة. ومن هذه الأخبار الكاذبة في بلاء أيوب أن الله سلط عليه إبليس فنفخ عليه فأصابه مرض الجذام الخبيث حتى صار الدود يتناثر من بدنه وجسمه ويقول لها: كلي من رزقك يا مُباركة، إلى ءاخر ما يذكره أهل القصص وبعض المفسرين وهي لا تجوز في حق الأنبياء بل تستحيل عليهم وذلك للعصمة التي عصمهم الله بها. فهذا تكذيب للدين وكفر لأن هذا لا يليق بنبي من الأنبياء، وكيف يرد الدود إلى جسمه ليتأذى به والله تعالى يقول: {وأنفِقوا في سبيل اللهِ ولا تُلقوا بأيديكُم وأحسنوا إنَّ اللهَ يحبُّ المُحسنينَ} [سورة البقرة]، ويقول: {يا أيها الذينَ ءامنوا لا تأكلوا أموالكُم بينكم بالباطلِ إلا أن تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكُم ولا تقتلوا أنفُسَكم إنَّ اللهَ كانَ بكم رحيمًا} [سورة النساء].

ولا صحة لما ذكر في كتاب الإبريز أن مرضه كان شهرين خلاف ما جاء في حديث رسول الله، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "كان بلاء أيوب ثمانية عشر عامًا" رواه ابن حبان وصححه ولم يقل عليه الصلاة والسلام في حق أيوب أصابته الجدري أو كان الدود يغلي في جسمه، والتفاسير الصحيحة ليس فيها شيء من هذه الأكاذيب هذا وأن الأنبياء لتمكنهم في الصبر وبلوغهم في ذلك إلى ما لم يبلغه غيرهم جعل الله في الدنيا حظهم من البلاء أكثر ليتأسى بهم أتباعهم المؤمنون. والله أعلم وأحكم.