قال الله تبارك وتعالى: {واذكر في الكتابِ موسى إنَّهُ كانَ مُخلصًا وكانَ رسولاً نبيًّا} [سورة مريم] وقال تعالى: {ووهبنا لهُ من رحمتِنا أخاهُ هارونَ نبيًّا} [سورة مريم].

 

نسبه عليه السلام

 

هو موسى بن عمران بن يصخر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، واسم أمه يوحانذ، وقيل: "أياذخت" والله أعلم، وأما هارون فهو شقيق سيدنا موسى عليهما الصلاة والسلام.

 

عدد المرات التي ذكر فيها في القرءان الكريم

 

ذكر ايم موسى عليه الصلاة والسلام في القرءان مائة وستًا وثلاثين مرة في كثير من السور المباركة.

 

زمان مولد نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام

 

ولد سيدنا موسى عليه السلام في عهد الطاغية الوليد بن مصعب فرعون مصر عدو الله الذي اشتهر بالطغيان والجبروت وادعى الألوهية.

وفرعون كان لقب كل ملك من ملوك مصر كما أن كسرى لقب لكل ملك من ملوك بلاد فارس، وكما أن قيصر لقب كل ملك من ملوك بلاد الروم، ويقال إن فرعون هذا تولى الملك بعد موت أخيه "قابوس" فكان أعتى وأفجر وأشد عنادًا وطغيانًا منه، وقد ذاق بنو إسرائيل من أذاه وشرّه ما لم يذوقوه من قبل، يقول الله تبارك وتعالى: {نتلوا عليكَ مِن نبإِ موسى وفرعونَ بالحقِّ لقومٍ يؤمنون* إنَّ فرعونَ علا في الأرضِ وجعلَ أهلها شيعًا يستضعِفُ طائفةً منهُم يُذبِّحُ أبناءهُم ويستحيِ نِساءهُم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفسدينَ* ونُريدُ أن نَّمَنَّ على الذينَ استضعفوا في الأرضِ ونجعلهم أئمَّةً ونجعلهم الوارثين* ونُمَكِّنَ لهُم في الأرضِ ونُري فرعونَ وهامانَ وجُنُودهُما منهُم ما كانوا يحذرون} [سورة القصص].

فقد سُلط هذا الملك الطاغية المتكبر فرعون الذي عمّر مدة قيل تزيد على أربعمائة سنة على بني إسرائيل يُذيقهم العذاب يذبح أبناءهم ويستبقي نساءهم للخدمة ويستخدم الرجال منهم في أخس الصنائع والحرف وكان قد صنّفهم أصنافًا، فصنفٌ يبنون وصنف يحرثون وصنف يتولون الأعمال القذرة، ومن لم يكن منهم أهلاً للعمل كان يأخذ منه الجزية.

أراد الله سبحانه وتعالى أن يفرّج عن بني إسرائيل فبعث إليهم موسى بن عمران عليه السلام لينقذهم من شر هذا الملك ويخلصهم من ظلمه وطغيانه، فكانت بعثته عليه الصلاة والسلام رحمةً لبني إسرائيل وإنقاذًا لهم من ظلم هذا الملك.

 

سبب قتل فرعون أبناء بني إسرائيل وذبحهم

 

رأ فرعون مصر في منامه رؤيا منامية أفزعته فاهتمّ لها واغتمّ، فقد رأى كأن نارًا قد أقبلت من جهة بيت المقدس حتى وصلت إلى بلاد مصر وأحاطت بدورها وبيوتها فأحرقتها وأحرقت الأقباط وتركت بني إسرائيل دون أذى، فلما استيقظ هالته هذه الرؤيا، لذلك جمع الكهنة والسحرة والمنجمين وسألهم عن تأويل هذه الرؤيا وتفسيرها، فقالوا له: هذا غلام يولد من بني إسرائيل يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، ويكون ذهاب ملكك على يديه أيضًا ويخرجك وقومك من بلدك ويبدل دينك، وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه، لذلك أمر فرعون الطاغية أن يقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، فجمع القابلات وقال لهن: لا يولد على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا تقتلنه وتوعدهنّ ووكّل بهن وكلاء، فكانت القابلة تنفذ أمر فرعون فكانت تقتل كل مولود ذكر من أطفال بني إسرائيل خوفًا من فرعون وبطشه، وأما الإناث فكن لا يُقتلن بل يبقين على قيد الحياة من أجل الخدمة والتسخير قال تعالى: {يُذَبِّحونَ أبناءكُم ويَستحيونَ نساءكُم} [سورة البقرة].

وأمر فرعون كذلك بقتل كل الأطفال الذين هم في زمانه وبقتل من بعدهم، وأخذ جنوده الأشرار يعذبون الحبالى من نساء بني إسرائيل حتى كانت المرأة منهم تسقط حملهما خوفًا من التعذيب والتنكيل على أيدي جنود فرعون، ولما كثُر الموت في الشيوخ الكبار من بني إسرائيل دخل وجهاء الأقباط ورؤساؤهم على فرعون وقالوا له: إن الموت قد وقع في مشيخة بني إسرائيل – أي الكبار منهم- وأنت تأمر بقتل صغارهم لهذا يوشك أن يقع العمل والخدمة علينا ولا يبقى أحد للخدمة غيرنا، لذلك أمر فرعون أن يقتل غلمان بني إسرائيل سنة ويتركوا سنة حتى لا يهلك جميع أبناء بني إسرائيل الذين كان فرعون يستخدمهم في أعماله.

 

مولد هارون وموسى عليهما السلام

 

هارون عليه السلام بعثه الله تبارك وتعالى معينًا لنبيه موسى عليه السلام حين أراد أن يبعثه إلى فرعون لدعوته إلى الإيمان، وقد دعا موسى عليه السلام ربه بدعوات حين أمره تعالى أن يذهب إلى فرعون لدعوته إلى الإيمان وقد استجاب الله دعوته، قال تعالى حكاية عن موسى: {قالَ ربِّ اشرَحْ لي صدري* ويَسِّرْ لي أمري* واحلُلْ عقدةً من لساني* يفقهواْ قولي* واجعلْ لي وزيرًا مِنْ أهلي* هارونَ أخي* اشدُدْ بهِ أزري* وأشرِكهُ في أمري* كي نُسَبِّحُكَ كثيرًا* ونذكُركَ كثيرًا* إنَّكَ كنتَ بنا بصيرًا* قالَ وقد أوتيتَ سؤالكَ يا موسى} [سورة طه].

ولد نبي الله هارون عليه السلام بعد ولادة موسى بثلاث سنوات، وفي السنة التي لا يذبح فيها الأطفال أي عام المسامحة عن قتل الأبناء فترك ولم يُذبح، وولد نبي الله موسى عليه السلام في السنة التي يذبح فيها الأطفال، فضاقت أمه به ذرعًا خوفًا من قتله وأخذت تأخذ حِذرها وحيطتها من أول ما حبلت به، ولم يكن يظهر عليها مخايل الحمل، ولما قرب وقت وضع الحمل حزنت حزنًا شديدًا واشتد غمها وكربها، فألهمها الله تعالى ألا تخاف ولا تحزن لأن هذا المولود سيكون له شأن عظيم وأنه سيحفظه من كيد فرعون ثم يجعله من المرسلين، وأمرها الله تبارك وتعالى أن ترضعه، حتى إذا خافت عليه تصنع له تابوتًا وصندوقًا من خشب ثم تضعه فيه وتلقيه في البحر ولا تخاف من الهلاك ولا تحزن لأنه سيكون في حفظ الله ورعايته وكفى به حافظًا ووكيلاً.

قال الله تبارك وتعالى: {وأوحينا إلى أمِّ موسى أن أرْضِعيهِ فإذا خِفْتِ عليهِ فألقيهِ في اليمِّ ولا تخافي ولا تحزني إنَّا رادُّوهُ إليكِ وجاعلوهُ مِنَ المُرسلين} [سورة القصص].

ولدت أم موسى نبي الله موسى عليه السلام خفية، وجعلت ترضعه برأفة وحنان وهي واثقة من حفظ الله تبارك وتعالى له، ولما خشيت عليه من كيد فرعون وجنوده السفاحين اتخذت صندوقًا وجعلت فيه قطنًا ثم وضعت فيه وليدها الصغير موسى عليه السلام، وربطت الصندوق في حبل وكانت دارها متاخمة لنهر النيل، فكانت ترضع وليدها موسى كل يوم فإذا خشيت عليه من أحد وضعته في ذلك التابوت والصندوق وأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهب هؤلاء الذين تخشى عليه منهم استرجعته إليها. وذات يوم أرسلته وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فانطلق الصندوق وفيه موسى الرضيع عليه السلام مع نهر النيل، وانطلق الماء به يرفعه الموج تارة ويخفضه أخرى حتى وصل إلى قصر فرعون، وبينما كانت الجواري في قصر فرعون يغتسلن على ضفاف نهر النيل أبصرن هذا الصندوق فأخذنه وظنن أن فيه مالاً وأشياء ثمينة فحملنه على حالته إلى زوجة فرعون ءاسيا بنت مزاحم وكانت من بني إسرائيل، وكانت مؤمنة صالحة تقية على دين الإسلام، وكانت تكتم إسلامها خوفًا من فرعون وطغيانه، فلما فتحت باب التابوت والصندوق رأت فيه طفلاً جميلاً وسيمًا فألقى الله تعالى محبته في قلبها وأحبته حبًا شديدًا، فلما جاء فرعون ورءاه أراد قتله وأمر بذبحه فما كان من زوجته ءاسيا إلا أن دافعت عنه وطلبت منه أن لا يقتله لأنها كانت لا تلد، قال الله تعالى: {فالتَقطهُ ءالُ فرعونَ ليكونَ لهُم عدوًّا وحَزَنًا} [سورة القصص] {وقالتِ امرأتُ فرعونَ قُرَّتُ عَيْنٍ لي ولكَ لا تقتلوهُ عسى أن ينفعنا أو نتَّخِذُهُ ولدًا وهُم لا يشعرون} فما كان من فرعون إلا أن أجابها بقوله: يكون لك وأما أنا فلا حاجة لي فيه.

 

قصة رضاعة موسى عليه السلام

 

عاش المولود الصغير في دار فرعون عند زوجته ءاسية التي أحبته حبًا شديدًا وأخذت تعطف عليه مع فرعون لما شاهدا فيه من جمال وهيبة، وأخذت تبحث له عن مرضع ترضعه وتربيه، وكانت كلما أحضرت مرضعة لترضعه وتغذيه من لبنها يمتنع عن قبول ذديها، وحاروا في أمره حتى اشتد به الجوع وكثر منه البكاء وخشيت عليه من الهلاك، فأخذت تبحث بنفسها عن مرضع له عسى أن تجد مرضعًا يقبل ثديها ويتغذى بلبنها، وفي هذه الأثناء كان حنين أم موسى عليه السلام يشتد نحو موسى الذي صار في قصر فرعون، وكانت الأشواق تتأجج داخلها شوقًا إلى طفلها الصغير موسى عليه السلام حتى طلبت من أخته أن تتبعه وتقص ءاثاره عسى أن تأتيها بأخبار موسى عليه السلام في قصر فرعون فيشفى غليلها، وكانت قد سمعت أن فرعون قد أصاب صبيًا في تابوت ووضعه في قصره.

واستجابت أخت موسى لطلب أمها وصارت تتقصى وتتبع أخبار أخيها موسى عليه السلام في قصر ودار فرعون حتى أبصرته داخل القصر على بعد منها عنه لئلا يفطن فرعون لها، ولما تتبعت أخباره وأحواله علمت أنه ممتنع عن قبول ثدي أي مرضعة تأتي لترضعه وأنه كثير البكاء من الجوع، فقد قيل إنه بقي عليه السلام ثمانية أيام ولياليهن كلما أتي بمرضع لم يقبل ثديها حتى أهمهم ذلك واشتد عليهم.

عند ذلك دخلت أخت موسى القصر وتقدمت من ءاسية زوجة فرعون تعرض عليها أن تأتي لها بامرأة مرضعة أمينة تكفل وتتعهد هذا الرضيع الصغير في مقابل أجر لها فوافقت ءاسية على طلبها، وانطلقت أخت موسى بفرح وسرور إلى أمها تخبرها الخبر، وما إن سمعت هذا الخبر حتى عمّها الفرح والسرور وانطلقت إلى قصر فرعون، فلما دخلت ووضعت وليدها الصغير موسى في حجرها التقط موسى عليه السلام ثديها وأخذ يرضع منه حتى ارتوى، ففرحت ءاسية بذلك فرحًا عظيمًا وطلبت منها أن تمكث في القصر لترضع هذا الغلام، ووعدتها بأن تعطيها أنواع الهدايا وتكرمها بأنواع الإكرام، لكن أم موسى طلبت من ءاسية أن تسمح بها بأخذ الغلام إلى بيتها لتتعهده هناك بالعناية والرعاية لأنها لا تستطيع أن تترك بيتها وأولادها، وأمام هذا الأمر الواقع رضيت ءاسية بذلك على أن تأتي به إليها في القصر كل فترة لتراه ثم تعيده لها، وهكذا أعطى الله تبارك وتعالى أم موسى ما وعدها به وردّ لها ولدها موسى وكان وعد الله تعالى حقًا، يقول الله تبارك وتعالى: {وأصبحَ فُؤادُ أمِّ موسى فارِغًا إنْ كادتْ لَتُبدي بهِ لولا أنْ ربَطنا على قلبِها لتكونَ مِنَ المؤمنين* وقالت لأختِهِ قُصِّيهِ فبصُرت بهِ عن جُنُبٍ وهُم لا يشعرون* وحرَّمنا عليهِ المراضِعَ مِن قَبْلُ فقالتْ هل أدُلُّكُم على أهلِ بيتٍ يكفلونهُ لكُم وهُم لهُ ناصحون* فردَدناهُ إلى أمِّهِ كي تَقَرَّ عينُها ولا تحزنَ ولِتَعلمَ أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون} [سورة القصص]. وقال تعالى: {ولقد منَنَّا عليكَ مرَّةً أخرى* إذْ أوحينا إلى أمِّكَ ما يُوحى* أنِ اقذِفيهِ في التَّابوتِ فاقذفيهِ في اليمِّ فَلْيُلقِهِ اليمُّ بالسَّاحلِ يأخذهُ عدوٌّ لي وعدوٌّ لهُ وألقيتُ عليكَ محبَّةً منِّي ولتُصنعَ على عيني* إذْ تمشي أختُكَ فتقولُ هل أدلُّكم على مَن يكفلهُ فرَجَعناكَ إلى أمِّكَ كي تقرَّ عينُها ولا تحزنَ} [سورة طه].

فائدة: في قوله تعالى: {وحرَّمنا عليهِ المراضعَ من قبلُ} [سورة القصص] قال المفسرون: هذا تحريم منع وليس تحريم شرع، فقد ألهم الله سبحانه موسى عليه السلام وهو طفل في المهد أن لا يرضع من المراضع التي كان يؤتى بهن إلى قصر فرعون ليرضعنه حتى جاءت أمه عليه السلام وأرضعته.

 

نشأة موسى عليه السلام وقتله للرجل القبطي

 

مكث موسى عليه السلام عند أمه ترضعه حتى فطمته ثم ردته إليهم، فنشأ عليه السلام في حجر فرعون وزوجته ءاسيا واتخذاه ولدًا، وشبّ عليه السلام في قصر فرعون وعاش فيه معززًا مكرمًا وكان يعيش عيشة أبناء الملوك فيركب مراكب فرعون ويلبس ما يلبس فرعون.

وترعرع عليه السلام بين قومه حتى إذا بلغ أشده ءاتاه الله تعالى حُكمًا وعلمًا، وذات يوم ركب فرعون مركبًا وليس عنده موسى عليه السلام فلما جاء موسى ركب في إثره يتبعه فأدركه المقيل في مدينة من مدن مصر القديمة، وبينما هو يتجول في طرقها وكان الوقت وقت ظهيرة والأسواق مغلقة والناس في بيوتهم وجد رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر قبطي من ءال فرعون اعتدى على ذاك الإسرائيلي، فلما مر موسى عليه السلام استغاثه الإسرائيلي ليخلصه من شر ذلك القبطي، فأقبل موسى عليه السلام نحو القبطي يريد أن يمنعه من الاعتداء ويدفع الأذى عن ذاك الإسرائيلي فوكزه موسى عليه السلام – ضربه بجمع يده- فقضى عليه وقتله وخرّ القبطي على الأرض ميتًا، فندم موسى عليه السلام على ذلك وكانت هذه معصية صغيرة من سيدنا موسى عليه السلام وذلك لأنه لا ينبغي لنبي من الأنبياء أن يقتل حتى يؤمر أو يؤذن له بالقتل، وتاب سيدنا موسى عليه السلام من هذا الذنب وقبل الله تعالى توبته وغفر له، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن نبيه موسى عليه السلام: {ولمَّا بلغَ أشُدَّهُ واستوى ءاتيناهُ حُكمًا وعِلمًا وكذلكَ نَجزي المُحسنين* ودخلَ المدينةَ على حينٍ غفلةً مِنْ أهلِها فوجدَ فيها رجُلينِ يقتتلانِ هذا من شيعتهِ وهذا من عدُوّهِ فاستغاثهُ الذي من شيعتِهِ على الذي من عدوهِ فوكزهُ موسى فقضى عليهِ قالَ هذا مِنْ عملِ الشيطانِ إنَّهُ عدوٌّ مُضِلٌّ مبينٌ* قال ربِّ إنِّي ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي فغفرَ لهُ إنَّهُ هُوَ الغفورُ الرَّحيمُ* قالَ ربِّ بما أنعمتَ عليَّ فلن أكونَ ظهيرًا للمُجرمين} [سورة القصص].

ولما قتل موسى عليه السلام ذلك القبطي الذي هو من أتباع فرعون أصبح عليه السلام في المدينة التي دخلها خائفًا على نفسه من فرعون وأتباعه ويترقب وينتظر سوءًا يناله منهم إذا علموا أن هذا القتيل إنما قتله موسى عليه السلام في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى بذلك ظنونهم أن موسى منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم، ولم يكن احد من الناس قد رأى موسى عليه السلام يقتل القبطي إلا ذاك الرجل الإسرائلي، وكان الأقباط أتباع فرعون قد أتوا فرعون وقد غاظهم وأغضبهم قتل واحد منهم، وطلبوا منه أن يأخذ لهم بثأرهم من بني إسرائيل وقالوا له: إن بني إشرائيل قتلوا رجلاً منا فخذ لنا بحقنا، فقال لهم فرعون: ائتوني بقاتله ومن يشد عليه لآخذ لكم حقكم، فبينما هم يطوفون يبحثون عن القاتتل ويتلمسون الأخبار إذ وقعت حادثة أخرى بين ذاك الإسرائيلي وأحد الأقباط في اليوم الثاني وإذا موسى عليه السلام يمر فرأى ذاك الإسرائيلي يقاتل قبطيًا فرعونيًا ءاخر فاستغاثه هذا الإسرائيلي على خصمه الفرعوني، فتقدم موسى عليه السلام غاضبًا وهو يريد أن يبطش بذلك الفرعوني القبطي، ولكن لما رأى هذا الإسرائيلي غضب موسى عليه السلام ورأى ءاثار الغضب على وجهه وسمعه يقول معنفًا له على كثرة مخاصمته: {إنَّكَ لغويٌّ مُبينٌ} ورءاه وقد همّ أن يبطش بهذا الفرغوني فظن أنه يريده فخاف على نفسه فقال لموسى عليه السلام حينئذ: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس، فسمع الفرعوني هذا الكلام وانطلق وذهب مسرعًا إلى فرعون وجماعته وأخبرهم أن موسى هو الذي قتل ذاك الرجل القبطي، فما كان من فرعون لما سمع هذا الخبر إلا أن أمر جنده أن يبحثوا عن موسى ويأتوه به ليقتله، حتى لا يتجرأ أحد من بني إسرائيل على قتل أحد من أتباعه الأقباط، فذهب الجند يفتشون ويبحثون عن موسى عليه السلام في طرقات المدينة، وكان رجل مؤمن من ءال فرعون يكتم إيمانه يقال إنه "حزقيل" قد علم بأمر فرعون بالإتيان بموسى ليقتله فما كان منه إلا أن سبقهم إلى موسى عليه السلام من طريق أقرب وأخبره بالخبر وبمؤامرة فرعون وجنده وطلب منه ناصحًا مشفقًا عليه أن يخرج من مصر خوفًا عليه من فرعون وجنوده، وقبل موسى عليه السلام نصيحته وخرج من مصر إلى أرض "مدين" ودعا ربه أن يهديه الطريق إليها وأن ينجيه من شر فرعون، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن نبيه موسى عليه السلام: {فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ فإذا الذي استنصرهُ بالأمسِ يستصرخهُ قالَ لهُ موسى إنَّكَ لغويٌّ مبينٌ* فلمَّا أنْ أرادَ أن يبطشَ بالذي هوَ عدوٌّ لهما قالَ يا موسى أتريدُ أن تقتلني كما قتلتَ نفسًا بالأمسِ إنْ تريدُ إلا أن تكونَ جبَّارًا في الأرض وما تريدُ أن تكونَ مِنَ المُصلحين* وجاءَ رجلٌ مِنْ أقصا المدينةِ يسعى قالَ يا موسى إنَّ الملأ يأتمرونَ بكَ ليقتلوكَ فاخرُج إني لكَ مِنَ الناصحين* فخرجَ منها خائفًا يترقبُ قالَ ربِّ نجِّني مِنَ القومِ الظالمين} [سورة القصص].

 

خروج موسى عليه السلام إلى أرض مدين، واجتماعه بني الله شعيب عليه السلام

 

خرج سيدنا موسى عليه السلام من أرض مصر يريد النجاة من كيد فرعون وجنوده، ولم يكن خروجه جُبنًا لأن الأنبياء يستحيل عليهم الجبن، وتوجه عليه السلام إلى مدين ماشيًا على قدميه بغير زاد ولا دابة يركبها فكان يأكل ورق الشجر، ومدين هي المدينة التي أهلك الله تعالى فيها قوم نبيه شعيب، وبقي يمشي مسيرة ثمانية أيام حتى وصل إلى مدين وقد أثر به الجوع والتعب، فجلس تحت ظل شجرة فأبصر امرأتين وكانتا أختين ترعيان الأغنام وتريدان سقي أغنامهما من بئر كبيرة، كان الرعاة يسقون مواشيهم منها وكانت هاتان الأختان تحبسان غنمهما لئلا يختلط بغنم الآخرين، فأشفق موسى عليه السلام عليهما فسألهما عن سبب تعهدهما لرعاية الغنم بأنفسهما، فأخبرتاه بأن أباهما شيخ كبير وليس عنده من الاولاد الذكور من يرعى له هذه الأغنام، وكان موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وهو البئر وجد عليه جماعة من الرعاة يسقون أغنامهم منه فلما فرغوا أعادوا صخرة كبيرة عليه، وكانت هذه الصخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فلما حدثت هاتان الاختان خبرهما لموسى عليه السلام تقدم نحو الصخرة الكبيرة الموضوعة على فم البئر فرفعها وحده ثم استقى منها الماء وسقى لهاتين الفتاتين غنمهما ورد الحجر مكانه، فلما فرغ من ذلك انصرف إلى ظل شجرة وجلس تحتها يدعو الله تعالى ويشكره، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن نبيه موسى عليه السلام عندما خرج إلى مدينة مدين: {ولمَّا توجَّهَ تِلقاءَ مدينَ قالَ عسى ربي أن يهديني سواءَ السبيلِ* ولمَّا وردَ ماءَ مدينَ وجدَ عليهِ أمَّةً مِنَ الناسِ يسقونَ ووجدَ مِنْ دونهم امرأتينِ تَذودانِ قالَ ما خطبكُما قالتا لا نسقي حتى يُصدِرَ الرِّعاءُ وأبونا شيخٌ كبيرٌ* فسقى لهُما ثمَّ تولَّى إلى الظلِّ فقالَ ربِّ إني لِما أنزلتَ إليَّ مِنْ خيرٍ فقيرٌ} [سورة القصص].

بعد أن سقى موسى عليه السلام غنم المرأتين رجعتا إلى أبيهما نبي الله شعيب عليه السلام مسرعتين وأخبرتاه بخبر موسى عليه السلام، وكيف سقى لهما غنمهما وأخبرتاه بقوته، وطلبتا منه أن يكرمه على هذا الصنيع الحسن معهما، فسُرّ شعيب عليه السلام لحسن صنيع موسى وبعث إحدى ابنتيه هاتين لدعوته إليه، فجاءت إلى موسى عليه السلام تمشي على استحياء ووقار وحشمة وطلبت منه أن يذهب معها إلى أبيها ليجزيه على عظيم صنعه معها ومع اختها وعلى سقيه غنمهما، فقام معها موسى عليه السلام وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق فإني أمره أن تُصيب الريح ثيابك فتصف جسدك، فمشت خلفه تصف له الطريق حتى وصل إلى أبيها شعيب عليه السلام، فلما جاءه أخبره بامره من حين وُلد والسبب الذي أخرجه من أرض مصر، فلما سمع نبي الله شعيب خبر موسى عليه السلام طمأنه قائلاً له: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، لأنه لا سلطان لفرعون وجنده في أرض مدين. يقول الله تبارك وتعالى: {فجاءتهُ إحداهُما تمشي على استحياءٍ قالتْ إنَّ أبي يدعوكَ ليجزيكَ أجرَ ما سقيتَ لنا فلمَّا جاءهُ وقصَّ عليهِ القصصَ قالَ لا تخفْ نجَوْتَ مِنَ القومِ الظالمينَ} [سورة القصص].

وطلبت إحدى الفتاتين من والدها شعيب عليه السلام أن يتخذ موسى عليه السلام أجيرًا عنده لقوّته وصدقه وأمانته قائلة له: {يا أبتِ استَئْجِرهُ إنَّ خيرَ مَنِ استَئجرتَ القويُّ الامينُ} [سورة القصص] وإنما سمته قويًا لرفعه الصخرة العظيمة وحده عن رأس البئر، وسمته أمينًا لأنه أمرها أن تمشي خلفها عندما جاءته تدعوه إلى المجيء إلى أبيها، وأخبرت أباها بما فعل معها عندما دعته إليه فسُرّ أبوها شعيب عليه السلام بأمانة موسى وورعه ورغب فيه وزوّجه ابنته التي أحضرته وقيل اسمها "صفورا" على أن يرعى له الغنم ثماني سنين يكون فيها أجيرًا عنده وإن شاء يتممها موسى عليه السلام عشرًا، ولكن موسى عليه السلام أتمّ المدة كلها وهي عشر تفضلاً منه، قال الله تبارك وتعالى إخبارًا عن موسى عليه السلام وما جرى بينه وبين شعيب عليه السلام: {قالَ إنِّي أريدُ أن أُنْكِحَكَ إحدى ابنَتَيَّ هاتينِ على أن تأجُرني ثماني حِجَجٍ فإنْ أتْمَمْتَ عشرًا فَمِنْ عندكَ وما أريدُ أن أشُقَّ عليكَ ستجدُني إن شاءَ اللهُ مِنَ الصالحين* قالَ ذلكَ بيني وبينك أيَّما الأجَلينِ قَضَيتُ فلا عُدوانَ عليَّ واللهُ على ما نقولُ وكيلٌ} [سورة القصص].

فائدة: اختلف في الشيخ المذكور في الآية فقيل هو شعيب نبي الله عليه السلام وهذا هو المشهور عند كثيرين، قال بعضهم: بأن شعيبًا عاش عمرًا طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته، وقيل هو رجل اسمه شعيب وكان سيد الماء ولكن ليس بالنبي صاحب مدين، وقيل هو ابن أخي شعيب، وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب، وقيل غير ذلك. والله أعلم.

 

رجوع موسى عليه السلام إلى مصر وسماعه كلام الله الذي لا يشبه كلام العالمين واصطفاؤه بالنبوة والرسالة

 

أقام موسى عليه السلام عند صهره شعيب عليه السلام يرعى له غنمه عشر سنين في أرض مدين، ثم إنه اشتاق لأهله فأراد زيارتهم في بلاد مصر فسار بأهله في ليلة مظلمة باردة ومعه ولداه وغنم قد استفادها في مدة مقامه في مدين، وبينما هو في الطريق في تلك الليلة المظلمة الباردة التي أراد الله تعالى لموسى عليه السلام كرامته وابتداءه فيها بنبوته وكلامه، تاه موسى عليه السلام مع أهله في الطريق حتى لم يكن يدري أين يتوجه ولم يهتد إلى سلوك الدرب المألوف، وكانت زوجته حاملاً، فأخذها الطلق في تلك الليلة المظلمة البارة التي عمها المطر والرعد والبرق، وأراد موسى عليه السلام أن يشعل نارًا فلم يستطع إلى ذلك سبيلاً، وبينما هو كذلك ءانس وأبصر من جانب الطور نورًا فحسبه نارًا، يقول الله تعالى: {وهل أتاكَ حديثُ موسى* إذْ رءا نارًا فقالَ لأهلِهِ امكثوا إنِّي ءانَسْتُ نارًا لعلي ءاتيكُم منها بقَبسٍ أو أجدُ على النارِ هدىً} [سورة طه]، وقال تعالى: {فلمَّا قضى موسى الأجلَ وسارَ بأهلِهِ ءانَسَ مِن جانبِ الطورِ نارًا قالَ لأهلِهِ امكثوا إنِّي ءانستُ نارًا لعلِّي ءاتيكُم منها بخبرٍ أو جَذوةٍ مِنَ النارِ لعلّكُم تصطلون} [سورة القصص].

وتقدم موسى عليه السلام فلما وصل قريبًا من جبل الطور في واد اسمه "طوى" رأى نورًا عظيمًا ممتدًا من عنان السماء إلى شجرة عظيمة خضراء، هناك قي: هي العوسج، فتحيّر هناك موسى عليه السلام وناداه ربه، قال تعالى: {فلمّا أتاها نُودِيَ يا موسى* إنِّي أناْ ربُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى* وأنا اخترتُكَ فاستَمِع لِما يُوحى* إنَّني أنا اللهُ لا إلهَ إلا أناْ فاعبُدني وأقِمِ الصلاةَ لِذِكرى} [سورة طه]، وقال تعالى: {فلمَّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الايمَنِ في البُقعةِ المُباركةِ مِنَ الشجرةِ أن يا موسى إنِّي أنا اللهُ ربُّ العالمين} [سورة القصص]، وقال تعالى: {فلمَّا جاءَها نُودِيَ أن بُورِكَ مَن في النارِ ومَنْ حولها وسُبحانَ اللهِ رَبِّ العالمين} [سورة النمل].

أمر الله تعالى موسى أن يخلع نعليه لينال بقدميه الارض المباركة، وقال الله تعالى له تسكينًا لقلبه: {وما تلكَ بيمينكَ يا موسى* قالَ هيَ عصايَ أتَوَكَّؤا عليها وأهُشُّ بها على غَنمي وليَ فيها مآربُ أخرى} [سورة طه] أي أتحامل عليها وأضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه فترعاه غنمي، ولي فيها حاجات أخرى، فأمره تعالى أن يلقي العصا التي كانت بيمينه، فألقاها عليه السلام فانقلبت حية عظيمة سريعة المشي لها ضخامة هائلة وأنياب عظيمة، فلما رءاها موسى عليه السلام على هذه الحال ولّى مدبرًا ولم يلتفت وناداه ربه سبحانه وتعالى يطمئنه: {يا موسى أقبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمنينَ} [سورة القصص] فلما رجع موسى عليه السلام أمره الله تعالى أن يمسكها: {قالَ خُذْها ولا تخَفْ سنُعيدُها سيرَتَها الأولى} [سورة طه]، قال تعالى: {وأن ألقِ عصاكَ فلمَّا رءاها تَهْتَزُّ كأنَّها جانٌّ ولّى مُدبرًا ولمْ يُعَقِّبْ} [سورة القصص]، وقال تعالى: {قالَ ألقِها يا موسى* فألقاها فإذا هيَ حيَّةٌ تسعى} [سورة طه]، فلما وضع عليه السلام يده عليها عادت الحية في يده كما كانت عصا بقدرة الله سبحانه وتعالى.

ثم أمره الله تبارك وتعالى أن يدخل يده في جيبه ثم أمره بإخراجها فإذا هي بيضاء تتلألأ كالقمر بياضًا من غير سوء ومرض أي من غير برص ولا بهق، قال تعالى: {وأدْخِلْ يدَكَ في جيبِكَ تَخرُج بيضاءَ مِن غير سُوءٍ في تسعِ ءاياتٍ إلى فرعونَ وقومهُ إنَّهم كانوا قومًا فاسقين} [سورة النمل]، وقال تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ في جيبِكَ تخرُج بيضاءَ مِن غير سوءٍ واضمُمْ إليكَ جناحَكَ مِنَ الرَّهبِ فذانِكَ بُرهانانِ مِن ربِّكَ إلى فرعونَ ومَلإيهِ إنَّهُم كانوا قومًا فاسقين} [سورة القصص] أي هاتان المعجزتان وهما العصا واليد حجتان من الله تبارك وتعالى لموسى عليه السلام على صدقه إذا ذهب إلى فرعون وأتباعه الذين عبدوا غير الله سبحانه وتعالى ليدعوهم إلى الله وعدم الإشراك به، ومع سبع ءايات أخر فذلك تسع ءايات يقول الله تعالى: {ولقد ءاتينا موسى تسعَ ءاياتٍ بيِّناتٍ} [سورة الإسراء].

فائدة: في قوله تعالى: {وكلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا} [سورة النساء] أسمع الله تبارك وتعالى نبيه موسى عليه السلام كلامه الذاتي الأزلي الذي ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغة بغير واسطة من ملك غيره، فقد رفع الله تبارك وتعالى الحجاب عن عبده ونبيه موسى عليه السلام فسمع كلام الله الذاتي الذي لا يشبه كلامنا.

 

أمر الله موسى وهارون بدعوة فرعون وأتباعه إلى الإيمان والإسلام

 

لما كلم الله سبحانه وتعالى عبده ونبيه موسى عليه السلام وجعله نبيًا ورسولاً أمره أن يذهب إلى فرعون ليدعوه إلى عبادة الله وحده وتوحيده تعالى وترك الكفر والإشراك، وفطلب موسى عليه السلام من ربه أن يبعث معه أخاه هارون ليكون معه في طاعة الله ومعينًا له على تبليغ الرسالة، فاستجاب الله تعالى دعوته، يقول الله تبارك وتعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {واجعلْ لي وزيرًا من أهلي* هارونَ أخي* اشدُدْ بهِ أزري* وأشْرِكهُ في أمري* كي نُسَبِّحَكَ كثيرًا* ونذكُركَ كثيرًا* إنَّكَ كنتَ بِنا بصيرًا* قالَ قد أوتِيتَ سُؤلكَ يا موسى} [سورة طه]، ويقول تعالى: {قالَ ربِّ إنِّي قتلتُ منهُم نفسًا فأخافُ أن يقتلونِ* وأخي هارونَ هُوَ مني لِسانًا فأرسلهُ معي رِدْءًا يُصَدِّقني إنِّي أخافُ أن يُكَذبونِ} [سورة القصص] أي اجعله معي معينًا وردءًا ووزيرًا يشدُّ ظهري ويقويني ويساعدني على أداء رسالتي إليهم فإنه أفصح مني لسانًا وأبلغ بيانًا، واستجاب الله تعالى لنبيه موسى وقال له تعالى مجيبًا له إلى سؤاله: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بأخيكَ ونجعلُ لكُما سُلطانًا فلا يَصِلونَ إليكُما بآياتِنا أنتُما ومَنِ اتَّبعكُما الغالبون} [سورة القصص]، والحاصل أن الله تعالى استجاب لموسى طلبه وأخبره بأنه سيجعل معه أخاه هارون معينًا له ووزيرًا، وطمأنه بأن فرعون وجنده لن يصلوا إليه وإلى أخيه هارون بقتل ولا ينالون منهما، قال تعالى: {وإذ نادى ربُّكَ موسى أنِ ائتِ القومَ الظالمينَ* قومَ فرعونَ ألا يتَّقون* قالَ ربِّ إني أخافُ أن يُكذبونِ* ويضيقُ صدري ولا ينطلقُ لساني فأرسِل إلى هارونَ* ولهم عليَّ ذنبٌ فأخافُ أن يقتلونِ* قالَ كلا فاذهبا بآياتنا إنَّا معكم مُستمِعون} [سورة الشعراء]، وقال تعالى: {قالَ ربِّ اشرح لي صدري* ويسِّر لي أمري* واحلُل عقدةً من لساني* يفقهوا قولي} [سورة طه]، أي حتى يفهموا عني بسرعة، وما أصابه من بطء خفيف في كلامه لم يمنع عنه البيان.

قال المفسرون: إن فرعون كان قد وضع موسى عليه السلام وهو طفل صغير في حجره، فأخذ موسى بلحية فرعون ومدها بيده فهمّ فرعون بقتله فخافت عليه زوجته "ءاسية" وقالت لفرعون: إنه طفل لا يعقل وسأريك بيان ذلك، قدّم إليه جمرتين ولؤلؤتين فإن اجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل فلما وضعت الجمرتين أمام موسى عليه السلام أخذ موسى جمرة من الجمرتين ووضعها في فمه فأحرقت لسانه وصار فيه عقدة خفيفة من أثر هذه الجمرة ولكن ما تركت هذه الجمرة في لسانه أن يكون كلامه بعد ذلك مع الناس غير مفهم بل كان عليه السلام يتكلم على الصواب، وقد سأل موسى عليه السلام ربه لما نزل عليه الوحي أن يزيل هذه العقدة من لسانه فاستجاب الله له وأذهبها عنه، قال الله تعالى: حكاية عن موسى عليه السلام: {واحلُلْ عقدةً من لساني* يفقهوا قولي} [سورة طه].

 

مواجهة موسى عليه السلام لفرعون وتكذيب فرعون لموسى وعناده

 

سار موسى عليه السلام بأهله نحو مصر حتى وصلها ليلاً وكان هارون عليه السلام يومئذ غائبًا بمصر، فأوحى الله تعالى إليه أن يتلقى أخاه موسى عليه السلام ويخبره أنه قد جعله وزيرًا له ورسولاً معه، وتلقى هارون موسى فلما اجتمعا والتقيا قال موسى لأخيه هارون: إن الله أمرني أن ءاتي فرعون فسألته أن يجعلك معي فانطلق معي إليه، وانطلق موسى وهارون عليهما السلام إلى قصر فرعون ليلاً، وطلب موسى من البواب أن يأذن له بالدخول على الملك أي فرعون، وعندما سأله البواب بقوله: وماذا أقول لفرعون؟ أجابه موسى: قل له جاءك رسول رب العالمين، ففزع البواب من كلام موسى ودخل على فرعون مرعوبًا وقال له: إن بالباب إنسانًا مجنونًا يزعم أنه رسول رب العالمين، فأخذت فرعون رعدة وهيبة وأمر بوابه بإدخاله مع أخيه هارون عليهما السلام، فلما دخل موسى ومعه أخوه هارون على فرعون في قصره دَعَواه إلى عبادة الله وحده لا شريك له في الألوهية والدخول في دين الإسلام وبلّغاه ما ارسلا به، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته ويتركهم يعبدون الله تعالى وحده ويتفرغون لعبادته، وهنا تكبّر فرعون في نفسه وعتا وطغى وأخذته العزة بالإثم ونظر إلى موسى وهارون بعين الازدراء، وقال لهما: وهل يوجد إله غيري؟ ولما تحقق فرعون من موسى وعلم أنه الذي تربى في بيته وقصره ثم كان من أمره ما كان، قال لموسى: ألم نربك فينا وليدًا ولبثت فينا من عمرك سنين؟ أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنّا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر؟ قال تعالى: {فأتيا فرعونَ فقولا إنَّا رسولُ ربِّ العالمين* أنْ أرسِلْ معَنا بني إسرائيل* قالَ ألمْ نُربِّكَ فينا وليدًا ولبثتَ فينا مِنْ عُمركَ سنين* وفعلتَ فَعْلتكَ التي فعلتَ وأنتَ مِنَ الكافرين* قال فعلتُها إذًا وأناْ مِنَ الضَّالين* ففرَرْتُ مِنكُم لمَّا خِفتُكم فوهبَ لي ربي حُكمًا وجعلني مِنَ المُرسلين} [سورة الشعراء].

 

ومعنى قوله: {وأناْ مِنَ الضالين} أي ما كنت أعرف الاحكام الشرعية في ذلك الوقت هذا قبل أن يوحى إليه، ولما ضرب ذلك الكافر لم يكن في ذلك الوقت نبيًا.

 

وأخذ فرعون يجادل موسى عليه السلام وجحد وجود الله الخالق الصانع وزعم أنه هو وحده الإله، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عما جرى بين نبيه موسى عليه السلام وفرعون من الجدال والمناظرة: {قالَ فرعونُ وما ربُّ العالمين* قالَ ربُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينهما إن كنتُم موقنين* قالَ لِمَنْ حولهُ ألا تستمعون* قالَ ربُّكم وربُّ ءابائكم الأوَّلين* قالَ إنَّ رسولكم الذي أُرسِلَ إليكُم لمجنونٌ* قالَ ربُّ المشرقِ والمغربِ وما بينهما إن كنتم تَعقلون} [سورة الشعراء].

 

أظهر فرعون كل عناد وتكبر بالذي جاءه وبلغه إياه موسى عليه السلام مع الحجج القوية الباهرة، ومع هذا كله لم يستفق من رقدته ولم يتراجع عن ضلالاته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه مع ما في كلام موسى عليه السلام له من الحجج والبراهين الساطعة النيرة يقول الله تعالى في فرعون وفساده: {فحشَرَ فنادى* فقالَ أناْ ربُّكُمُ الاعلى} [سورة النازعات]، وقال تعالى: {وقالَ فرعونُ يا أيُّها الملأ ما علمْتُ لكم مِن إلهٍ غيري} [سورة القصص]، ثم قال فرعون لمن حوله من أمرائه ووزرائه على سبيل التهكم ألا تستمعون لكلامه، قال تعالى: {قالَ لمن حوله ألا تستمعون} فأجابه موسى: {قال ربُّكُم وربُّ ءابائكُم الأوَّلين} [سورة الشعراء].

 

بعد أن قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه الواهية ولم يبق له إلا العناد والتكبر عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته وجبروته، يقول الله تعالى حكاية عنه: {قالَ لئنِ اتَّخذتَ إلهًا غيري لأجعلنَّكَ مِنَ المسجونين* قالَ أوَلوْ جِئتُكَ بشيءٍ مبينٍ* قالَ فأتِ بهِ إن كنتَ مِنَ الصادقين* فألقى عصاهُ فإذا هيَ ثُعبانٌ مبينٌ* ونزَعَ يدهُ فإذا هيَ بيضاءُ للناظرين} [سورة الشعراء].

لذلك خافه فرعون ووثب فزعًا، ثم أدخل موسى عليه السلام يده البيضاء في جيبه وأخرجها فإذا هي بيضاء كالثلج لها نور يتلألأ ثم ردّها فعادت كما كانت بقدرة الله ومشيئته.

وهاتان المعجزتان هما البرهانان اللذان أيد الله تبارك وتعالى بهما نبيّه موسى عليه السلام لما أرسله إلى فرعون وأتباعه وهما معجزتان أبهرتا العقول والأبصار، فحين ألقى موسى عليه السلام عصاه أمام فرعون إذا هي ثعبان مبين أي عظيم الشكل في الضخامة والهول والمنظر الفظيع الباهر، حتى قيل إن فرعون لما شاهد معجزة العصا وعاينها أخذه خوف عظيم انعكس اثر ذلك على صحته وحالته، وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها إذا هي كفلقة القمر تتلألأ نورًا يبهر الأبصار، فلما أعادها إلى جيبه واستخرجها رجعت إلى صتها الأولى، ومع هذا كله لم يقتنع فرعون بشيء من ذلك بل استمر على كفره وطغيانه وادعى أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن هم في رعيته وتحت سلطته ودولته، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

 

قصة نبي الله موسى عليه السلام مع سحرة فرعون

 

استمر فرعون على كفره وأخذ يهدد نبي الله موسى عليه السلام ويتوعده بالسجن والتعذيب والأذى، ثم دعا وزيره هامان واستشاره في أمر موسى وما دعاه إليه وما رأى منه فقال له: إن اتبعته فيما دعاك له تصير تعبد بعد أن كنت تُعبد، وزيّن له باطله وما هو عليه من طغيان وتكبر، فخرج فرعون إلى قومه وقال يصف موسى عليه السلام: {إنَّ هذا لساحرٌ عليمٌ* يريدُ أن يخرجكم من أرضكم بسحرِهِ فماذا تأمرون} [سورة الشعراء]، ثم دعا جماعته واستشارهم في أمر موسى عليه السلام وما رأى منه، فأشاروا عليه أن يجمع السحرة ليبطلوا على زعمهم ما جاء به موسى لأنهم ظنوا أن ما جاء به من الآيات هو من قبيل السحر، وقال الملأ من قوم فرعون: {قالوا أرجِهْ وأخاهُ وأرسِلْ في المدائنِ حاشرين* يأتوكَ بكُلِّ ساحرٍ عليمٍ} [سورة الاعراف] ففعل فرعون ما طلبوا منه وذهب يجمع من كان ببلاده بمصر من السحرة وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة متمكنين في سحرهم حتى اجتمع له خلق كثير من السحرة وجم غفير منهم فكانوا سبعين ساحرًا وقيل أكثر من هذا بكثير، ولما اجتمعوا عند فرعون طلب منهم فرعون ن يجمعوا قواهم ويوحدوا هدفهم وجهودهم ليبطلوا على زعمه سحر موسى، وأخذ فرعون يُغريهم بالمال والمنصب وأنه سيجعلهم من خاصته فيما إذا تمكنوا من موسى وغلبوه بسحرهم، قال تعالى: {فجُمعَ السَّحرةُ لميقاتِ يومٍ معلومٍ* وقيلَ للناسِ هلْ أنتم مجتمعون* لعلَّنا نتَّبِعُ السَّحرةَ إن كانوا هُمُ الغالبين* فلمَّا جاءَ السحرةُ قالوا لفرعون أئنَّ لنا لأجرًا إن كُنَّا نحنُ الغالبين* قالَ نعم وإنَّكم إذًا لمنَ المُقرَّبين} [سورة الشعراء].

 

وقال الله تعالى: {فتوَلَّى فرعونُ فجمعَ كيدهُ ثمَّ أتى* قالَ لهم موسى ويلكم لا تفتروا على اللهِ كذبًا فيُسْحِتَكم بعذابٍ وقد خابَ مَنِ افترى* فتنازعوا أمرهُم بينهم وأسرُّوا النَّجوى* قالوا إنْ هذانِ لساحِرانِ يُريدانِ أن يُخرجاكُم مِنْ أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى* فأجمعوا كيدكم ثمَّ ائتوا صَفًا وقد أفلحَ مَنِ استعلى} [سورة طه] وكان موعد اللقاء يوم عيد فرعون يجتمع فيه الرعية في وضح النهار من الضحى قال تعالى: {قالَ أجِئْنا لتُخرجنا مِن أرضنا بسحركَ يا موسى* فلَنأتينَّكَ بسحرٍ مثلهُ فاجعل بيننا وبينك موعِدًا لا نُخلفهُ نحنُ ولا أنتَ مكانًا سوًى* قالَ موعدكم يومُ الزينةِ وأن يُحشرَ الناسُ ضُحًى} [سورة طه]، وجاء موسى عليه السلام حاملا عصاه في يده ومعه أخوه هارون في الموعد المحدد، وكان فرعون جالسًا مُستشرفًا بأهبة في مجلسه مع أشراف قومه من الأمراء والوزراء ومعهم السحرة الذين جلبهم من كل أنحاء بلاد مصر التي كان يحكمها، فأقبل موسى عليه السلام نحو السحرة وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه وقال لهم: {ويلكُم لا تفتروا على اللهِ كذبًا فيًسحتكم بعذابٍ} [سورة طه] أي يستأصلكم ويُهلككم بعذاب، وارتعد السحرة من مقالته هذه وفزعوا وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، ولما اصطفّ السحرة ووقف موسى وهارون عليهما السلام تجاههم قالوا لموسى عليه السلام: {قالوا يا موسى إمَّا أن تُلقي وإمَّا أن نكونَ أوَّلَ مَنْ ألقى* قالَ بل ألقوا} [سورة طه] وكان هذا تهكمًا بهم، عند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم التي كانت معهم وهم يقولون: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، وإذا بهذه الحبال والعصي يخيل للناس الحاضرين أنها حيات وثعابين تتحرك وتسعى، يقول الله تبارك وتعالى: {فلمَّا ألقوا سحروا أعينَ النَّاسِ واسترهبوهم بسحرٍ عظيمٍ} [سورة الأعراف]، وقال الله تعالى: {فإذا حبالهم وعصيُّهُم يُخَيَّلُ إليهِ مِن سحرهم أنَّها تسعى} [سورة طه] وأمام هذا الموقف المثير المستغرب نظر نبي الله موسى عليه السلام فإذا بهذه الحبال والعصي يخيل إليه أنها حيات تسعى، فأوجس في داخل نفسه خيفة حيث خاف على الناس أن يفتنوا بسحر السحرة قبل أن يلقي ما في يده، ولكن الله سبحانه وتعالى ثبّته أمام هذا الجمع الزاخر من السحرة وأوحى إليه أن {لا تَخَفْ إنَّكَ أنتَ الاعلى} [سورة طه] أي الغالب المنتصر عليهم، وأمره تعالى أن يلقي عصاه التي كانت في يده، فلما ألقاها عليه السلام إذا هي تنقلب إلى حية حقيقية عظيمة ذات قوائم وعنق عظيم وشكل هائل مزعج، بحيث إن الناس الذين كانوا بالقرب منها انحازوا وهربوا سراعًا وتأخروا عن مكانها، وأقبلت هذه الحية على ما ألقاه السحرة من الحبال والعصي والتي خُيّل للناس الحاضرين أنها حيات تسعى فجعلت تلقفه وتبتلعه واحدًا واحدًا وفي حركة سريعة والناس ينظرون إليها متعجبين لهول ما رأوا وشاهدوا أمامهم، وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم واطلعوا على أمر لم يكن في بالهم ولا يدخل تحت قدرتهم وتحققوا بما عندهم من العلم أنّ ما فعله موسى عليه السلام ليس بسحر ولا شعوذة وأن ما يدعو إليه ليس زورًا ولا بهتانًا، وكشف الله تعالى عن قلوبهم غشاوة الغفلة وقذف وخلق في قلوبهم الاهتداء والإيمان لذلك ءامنوا وخرّوا له ساجدين وأقرّوا بوحدانية الله تعالى، لأنهم أيقنوا أن ما جاء به موسى ليس من قبيل السحر وإنما هو ءاية من ءايات الله تعالى الباهرة خلقها الله تعالى وأظهرها بقدرته على يد رسوله موسى عليه السلام لتكون برهانًا ساطعًا على صدقه فيما جاء به وبلغه عن الله تعالى، ولو كان ما فعله موسى عليه السلام من قبيل سحرهم لاستطاعوا معارضته بمثله، لذلك أعلنوا إسلامهم وإيمانهم جهرة أمام الحاضرين وفيهم ملكهم فرعون وأهل دولته غير ءابهين بفرعون وسطوته وقالوا: ءامنا بري العالمين رب موسى وهارون، يقول الله تبارك وتعالى: {وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاكَ فإذا هيَ تلقفُ ما يأفكون* فوقعَ الحقُّ وبطلَ ما كانوا يعملون* فغُلبوا هُنالكَ وانقلبوا صاغرين* وأُلقيَ السَّحرةُ ساجدينَ* قالوا ءامنَّا بربِّ العالمين* ربّ موسى وهارون} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {وألقِ ما في يمينكَ تلقف ما صنعوا إنَّما صنعوا كيدُ ساحرٍ ولا يُفلحُ الساحرُ حيثُ أتى} [سورة طه].

 

ولما رأى فرعون هؤلاء السحرة قد أعلنوا على الملإ إسلامهم وإيمانهم وأشهروا ذكر موسى وهارون عليهما السلام في الناس على هذه الصفة الجميلة أفزعه ذلك وبهره وأعمى بصيرته، وكان فيه كيد ومكر وخداع في الصدّ عن سبيل الله، فأراد أن يستر هزيمته ويستعيد هيبته فقال مخاطبًا السحرة بمكر وخداع وبحضرة الناس: {ءامنتُم له قبلَ أن ءاذنَ لكُم إنَّهُ لكبيركم الذي علَّمكم السحر} [سورة طه].

 

ومع ذلك ثبت السحرة على الإيمان والإسلام ولم يبالوا بوعيد فرعون وتهديداته بل واجهوه بكل جرأة رافضين تسلطه وهيمنته، وءاثروا الحق الذي جاء به موسى وهارون على فرعون وجبروته، وءاثروا الآخرة الباقية ودار النعيم الدائم على الدنيا الفانية الزائلة، يقول الله تبارك وتعالى: {فألقي السحرةُ سجَّدًا قالوا ءامنَّا بربِّ هارونَ وموسى* قالَ ءامنتم لهُ قبلَ أن ءاذنَ لكم إنَّهُ لكبيرُكم الذي علَّمكُم السِّحرَ فلأقَطِّعَنَّ أيديكم وأرجلكم مِنْ خِلافٍ ولأصَلِّبَنَّكُم في جذوع النَّخل ولتعلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذابًا وأبقى* قالوا لن نؤثِركَ على ما جاءنا من البيِّناتِ والذي فطرنا فاقضِ ما أنتَ قاضٍ إنَّما نقضي هذه الحياةَ الدُّنيا* إنَّا ءامَنَّا بربنا ليغفرَ لنا خطايانا وما أكرهتنا عليهِ مِنَ السحرِ واللهُ خبيرٌ وأبقى* إنَّهُ مَن يأتِ ربَّهُ مُجرمًا فإنَّ لهُ جهنَّمَ لا يموتُ فيها ولا يحيى* ومَن يأتِهِ مُؤمنًا قد عملَ الصالحاتِ فأولئكَ لهم الدرجاتُ العُلى* جَنَّاتُ عدنٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدينَ فيها وذلكَ جزاءُ مَن تَزكَّى} [سورة طه]. وقال تعالى: {وأُلقيَ السَّحرةُ ساجدينَ* قالوا ءامَنَّا بربِّ العالمينَ* ربِّ موسى وارون* قالَ فرعونُ ءامنتُم بهِ قبل أن ءاذنَ لكُم إنَّ هذا لَمكرٌ مكرتُوهُ في المدينةِ لِتُخرجوا منها أهلها فسوفَ تعلمون* لأقطعنَّ أيديكُم وأرجلكم من خِلافٍ ثمَّ لاصلبنَّكُم أجمعين* قالوا إنَّا إلى ربِّنا مُنقلبون* وما تنقِمُ مِنَّا إلا أنْ ءامَنَّا بآياتِ ربِّنا لَمَّا جاءتنا ربَّنا أفرِغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين} [سورة الأعراف].

ونفّذ فرعون الطاغية تهديده ووعيده فصلب هؤلاء السحرة الذين ءامنوا وتابوا وقطّع أيديهم وأرجلهم وقتلهم ليُروي غليله الحاقد دون أن يستطيع ثنيهم عن الإيمان والإسلام، فماتوا شهداء أبرار قد نالوا الدرجات العلى رضوان الله عليهم أجمعين، فقد كانوا أول الأمر سحرة فجّارًا ثم صاروا بعد قتلهم ظُلمًا شهداء بررة، والله تعالى يعطي الفضل من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

 

 ذكر ماشطة بنت فرعون

 

كانت ماشطة بنت فرعون مؤمنة مسلمة تكتم إسلامها، فبينما هي تمشط شعر ابنة فرعون إذ وقع المشط من يدها فقالت: بسم الله، فقالت ابنة فرعون: "أولك إله غير أبي؟" قالت الماشطة: ربي وربك ورب أبيك هو الله، فأخبرت بنت فرعون أباها بذلك، فدعا بها وبولدها وقال لها: من ربك؟ قالت: ربي وربك الله، فأمر بتنور نحاس فأحمي ليعذبها وأولادها، فقالت: لي إليك حاجة، قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام اولادي فتدفنها، فقال: لك ذلك، فأمر بأولادها فألقوا في التنور واحدًا واحدًا، وكان ءاخر أولادها صبيًا رضيعًا قال لها: اصبري يا أماه فإنك على الحق، ثم ألقيت في التنور مع ولدها.

 

ذكر ءاسيا بنت مزاحم

 

كانت ءاسيا امرأة فرعون من بني إسرائيل وقيل: كانت من غيرهم وكانت مؤمنة تكتم إيمانها، وقد دخل عليها ذات يوم فرعون فأخبرها خبر الماشطة فقالت له ءاسية زوجته: الويل لك! ما أجرأك على الله! فقال لها: لعلك اعتراك الجنون الذي اعترى الماشطة، فقالت له: ما بي جنون ولكني ءامنت بالله تعالى رب العالمين، فأقسم فرعون لتذوقنّ الموت أو لتكفرن بإله موسى، فقالت له: أما أن أكفر بالله فلا والله! فأمر فرعون فمُدَّ بين يديها أربعة أوتاد وعذّبت حتى ماتت، فلما عاينت الموت قالت: {ربِّ ابنِ لي عندكَ بيتًا في الجنَّةِ ونجِّني من فرعونَ وعملهِ ونجني من القومِ الظالمين} [سورة التحريم]. ومعنى "عندك" أي في المكان المشرف عندك وهو الجنة.

 

الفرق بين السحر والمعجزة

 

اعلم أن السبيل إلى معرفة النبي المعجزة، فالله سبحانه وتعالى أيّد أنبياءه بالمعجزات لتكون دليلاً على صدقهم فيما يدعون من أنهم أنبياء وأنهم صادقون في كل ما يبلغون عن الله سبحانه وتعالى، يقول الله سبحانه وتعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبيِّنات} [سورة الحديد] ومعنى "بالبينات" أي بالمعجزات. وتعريف المعجزة عند العلماء: أنها أمر خارق للعادة يأتي على وفق دعوى من ادعوا النبوة، سالم من المعارضة بالمثل.

فما كان من الامور عجبًا ولم يكن خارقًا للعادة فليس بمعجزة، وكذلك ما كان خارقًا للعادة لكنه لم يقترن بدعوى النبوة كالخوارق التي تظهر على أيدي الأولياء أتباع الأنبياء فإنه ليس بمعجزة بل يسمى كرامة.

وكذلك ليس من المعجزة ما يستطاع معارضته بالمثل كالسحر، فإنّ السحر يعارض بسحر مثله. ويفرّق بين المعجزة والسحر بأن السحر يعارض بالمثل بمعنى أنّ الساحر إذا عمل سحرًا يُتعجّب منه، وقد يأتي ساحر ءاخر في درجة الساحر الأول أو أقوى منه في ممارسة السحر فيفعل مثل ما فعل الساحر الاول ويعارضه بمثل ما أتى.

 وأما المعجزة التي يؤيد الله تعالى بها النبي والرسول الذي بعثه للناس فإنها لا تعارض ولا تقابل بالمثل من قبل المكذبين لهم والمعارضين، لأن النبي لو كان كاذبًا في قوله "إن الله أرسله" لم يأت بمثل بهذا الأمر العجيب الخارق للعادة الذي لم يستطع أحد أن يعارضه بمثل ما أتى به، وتثبت بذلك الحجة على هؤلاء المعارضين لهم والمكذبين، ولا يسع هؤلاء المكذبين إلا الإذعان والتصديق، لأن العقل يوجب تصديق من أتى بمثل هذا الأمر العجيب الخارق للعادة، ومن لم يذعن ويصدق هذا النبي الذي ظهرت على يديه المعجزة بل عانده يُعدّ مهدرًا لقيمة البرهان العقلي.

فإن قال ملحد: وقوع الأمر الخارق للعادة على يد الأنبياء لا يكفي دليلاً على صدقهم لأننا نشاهد كثيرًا من الخوارق يُتوصل إليها بالسحر والشعوذة واستحضار الجن.

 فالجواب: أن هذه الاشياء تُعارض بالمثل فيعارض ساحرٌ ساحرًا بمعنى أنه يأتي بمثل ما أتى به، وهذا بخلاف المعجزة، فهل استطاع أحد من المكذبين المعارضين للأنبياء في عصورهم أو فيما بعد ذلك إلى يومنا هذا أن يأتيَ بمثل ما أتى به نبي الله صالح عليه السلام من إخراج الناقة وولدها من صخرة صماء حين اقترح عليه قومه ذلك، وهل استطاع أحدٌ أن يدخل نارًا عظيمة كالنار التي رمي بها إبراهيم حتى إنهم من شدتها لم يستطيعوا أن يرموه فيها إلا بواسطة المنجنيق ولم تؤثر فيه النار بإحراق جسمه وثوبه، وهل استطاع أحد منهم أن يفعل ما فعل موسى من ضرب البحر بعصاه فينفرق اثني عشر فرقًا كل فرق كالجبل العظيم حتى يمشي فيه مئات الألوف ولا ينهال عليهم حتى قطعوا المسافة التي أرادها موسى ثم يعود البحر كما كان، وهل استطاع سحرة فرعون الذين جكعهم من جميع أنحاء مملكته أن يقاوموا معجزة موسى عليه السلام من انقلاب عصاه حية حقيقية ابتلعت حبالهم وعصيهم التي خيل للناس الحاضرين أنها حيات تسعى، بل لقد غُلب السحرة كلهم وعجزوا عن المقاومة ومعارضته بمثل ما أتى، ثم أذعنوا لموسى فآمنوا بالله وبرسوله موسى عليه السلام موقنين كل الإيقان: {قالوا ءامنَّا بربِّ العالمين* ربِّ موسى وهارون} [سورة الأعراف].

فإن قال الملحد: إن هذه الحوادث من قبيل الخرافات التي تُروى من غير أساس.

فالجواب: أن هذا من الخبر المتواتر الذي يفيد علمًا قطعيًا، وليس من الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب كأخبار البلاد والأماكن النائية والملوك الماضية التي تناقلتها الكافة عن الكافة، لذلك يُقطع بصحة معجزات وحوادث الأنبياء التي تناقلتها الكافة عن الكافة.

 

كبراء قوم فرعون يُحرّضون فرعون على إيذاء موسى ومن ءامن معه

 

لما وقع ما وقع من الأمر العظيم وهو انتصار نبي الله موسى عليه السلام على السحرة الذين جمعهم فرعون من أنحاء مملكته، فكان الأمر على خلاف ما أرادوا وكانت الغلبة والانتصار لموسى عليه السلام في ذلك الموقف الهائل وأسلمَ السحرةُ الذين استنصر بهم فرعون وأتباعه القبط مما زاد فرعون وأتباعه الكافرين غيظًا وحقدًا، أخذوا يُغرون فرعون ويحرضونه على إيذاء موسى عليه السلام ومن ءامن معه لائمين ومنكرين عليه ترك موسى عليه السلام وقومه الذين ءامنوا بما جاء به يُفسدون على زعمهم في الأرض، فوعدهم أنه سيقتل أبناءهم ويستحيى نساءهم أي يسخّرهن في خدمته معتزًا بما له عليهم من القهر والغلبة والسلطان، فأخذ يبطش ويفتك ببني إسرائيل الذين ءامنوا بموسى عليه السلام وبما جاء به، فعند ذلك ضجّ بنو إسرائيل بالشكوى مما حاق بهم من الظلم والتعذيب وأخذوا يشكون ذلك لموسى عليه السلام، فأوصاهم عليه السلام بالصبر وبشّرهم بالنصر ووعدهم على ذلك بحسن العاقبة.

يقول الله تبارك وتعالى: {وقالَ الملأُ مِن قومِ فرعونَ أتَذَرُ موسى وقومهُ ليُفسدوا في الأرضِ ويذَرَكَ وءالهتكَ قالَ سنُقَتِّلُ أبناءهُم ونستحيي نساءهُم وإنَّا فوقهم قاهرونَ* قالَ موسى لقومِهِ استَعينوا باللهِ واصبروا إنَّ الأرضَ للهِ يُورثُها مَن يشاءُ مِنْ عبادِهِ والعاقبةُ للمُتَّقينَ* قالوا أوذينا مِن قبلِ أن تأتينا ومن بعدِ ما جئنا قالَ عسى ربُّكُم أن يُهلِكَ عَدوَّكُم ويَسْتَخلفكم في الأرضِ فيَنظُرَ كيفَ تعملون} [سورة الأعراف].

 

الآيات التسع التي أرسلها الله تعالى على قوم فرعون جزاءً لكفرهم وتكذيبهم نبي الله موسى عليه السلام

 

تمادى فرعون في تكذيب موسى وإيذاء بني إسرائيل، فأخبر موسى عليه السلام بوحي من الله تعالى فرعون وقومه بأنه سيوقع عليهم العذاب الشديد جزاء لكفرهم وتكذيبهم ما جاءهم به نبيهم موسى عليه السلام، وقد أرسل الله تبارك وتعالى عليهم أنواعًا من العذاب وصنوفًا من البلاء كانت بمثابة إنذار لهم من الله تعالى ليعودوا إلى رُشدهم ويسيروا على الصراط المستقيم الذي جاءهم به نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام.

وقد كانوا كلما وقع عليهم العذاب جاءوا إلى موسى يطلبون منه أن يسأل ربه أن يرفع عنهم العذاب، ويعِدونه بالإيمان وترك إيذاء المؤمنين من بني إسرائيل، فكان موسى عليه السلام يدعو ربه أن يكشف عنهم العذاب، فإذا كشف الله تعالى عنهم ما نزل بهم من الهذاب غدروا بعهدهم واستمروا وعادوا إلى طُغيانهم.

وكانت أظهر هذه الابتلاءات الآيات التسع التي أرسلها الله تعالى على قوم فرعون بسبب كفرهم وطغيانهم، يقول الله تبارك وتعالى: {ولقدْ أخَذْنَا ءالَ فرعونَ بالسِّنينَ ونَقْضٍ مِنَ الثَّمَراتِ لعلَّهُم يَذَّكَّرُون* فإذا جاءَتْهُم الحسَنةُ قالوا لنَا هذهِ وإنْ تُصِبهُم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّروا بمُوسى ومَنْ معهُ ألا إنَّما طائِرُهُم عندَ اللهِ ولكنَّ أكثرهُم لا يعلمون* وقالوا مَهْما تأتِنا بهِ من ءايةٍ لتسحرنا بها فما نحنُ لكَ بمؤمنينَ* فأرسَلْنا عليهمُ الطُّوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ ءاياتٍ مُفَصَّلتٍ فاستَكْبَروا وكانوا قومًا مُجرمين} [سورة الأعراف].

 

والآيات البينات التسع التي أرسلها الله تعالى على قوم فرعون وأتباعه القبط هي ما يلي:

 

1- القحطُ والجدب: وهو الذي عَبَّر عنه القرءان بالسنين، وهي أعوام الجدب والقحط التي أصابتهم حيث كان لا يُستغل فيها زرع ولا يُنتفع بضرع.

2- النقص من الثمرات: وهي قِلة الثمار من الأشجار بسبب الجوائح والعاهات التي كانت تصيبها.

 3- الطُّوفان: وهو كثرة الأمطار المتلفة للزروع والثمار، وقيل: المراد بالطوفان فيضان نهر النيل عليهم حيث فاض الماء على وجه الأرض ثم ركد فلا يقدرون أن يحرثوا أرضهم ولا أن يعملوا شيئًا حتى جهدوا جوعًا وأصابهم الضيق الشديد.

4- الجراد: وهو معروف، وقد أرسله الله تبارك وتعالى على قوم فرعون بشكل غير معهود، فكان يُغطي الخضراء – الأرض- ويحجب ضوء الشمس لكثرته، وكان لا يترك لهم زرعًا ولا ثمارًا ولا شجرًا حتى قيل: إنه كان يأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورُهم ومساكنهم.

5- القمل: وهو السوسُ الذي يفسدُ الحبوب، وقيل: هو القمل المعروف، وقيل: هو البعوض الذي أقضّ مضاجعهم ولم يُمكنهم معه الغمض والنوم والقرار.

6- الضفادع: وهي معروفة، وقد كثرت عندهم حتى نغَّصت عليهم عيشَهم، حيث كانت تسقط في أطعمتهم وأوانيهم وتقفزُ على فرشهم وملابسهم وملأت بيوتهم وأطعمتهم وءانيتهم.

7- الدم: حيث صارت مياه ءال فرعون دمًا، فكانوا لا يستقون من إناء ولا من بئر ولا نهر إلا انقلب إلى دم في الحال بقدرة الله، وكذلك كانوا لا يستقون من نهر النيل شيئًا إلا وجدوه دمًا.

8- العصا: وقد تقدم ذكرها أنها كانت من معجزات نبي الله موسى عليه السلام، حيث انقلبت عندما ألقاها عليه السلام حية حقيقية تسعى بقدرة الله تعالى.

9- اليد: وقد تقدم ذكرها أنها من معجزات موسى عليه السلام إذ كان عليه السلام يضع يده في جيبه ثم يخرجها بيضاء من غير سوء ومرض.

 

يقول الله تبارك وتعالى: {ولقدْ ءاتيْنا موسى تِسْعَ ءاياتٍ بيِّناتٍ} [سورة الإسراء]، ويقول الله تعالى: {ولمَّا وقعَ عليهمُ الرِّجزُ قالوا يا موسى ادعُ لنا ربَّكَ بما عَهِدَ عندكَ لئن كشفتَ عنَّا الرِّجزَ لنُؤمِنَنذَ لكَ ولنُرسِلَنَّ معكَ بني إسرائيل* فلمَّا كشفنا عنهُمُ الرِّجزَ إلى أجلٍ هُم بالِغوهُ إذا هُم يُنكِثون* فانتَقَمنا مِنهُم فأغرقناهُم في اليمِّ بأنَّهُم كذَّبوا بآياتِنا وكانوا عنها غافلين} [سورة الأعراف] يخبر الله تعالى عن كفر قوم فرعون وأتباعه وعن استمرارهم على الجهل والضلال والاستكبار عن تصديق رسوله موسى عليه السلام.

يقول الله تعالى: {فلمّا ءاسَفُونا انتقمنا منهُم فأغرقناهُم أجمعين* فجعلناهُم سَلَفًا ومَثلاً للآخرين} [سورة الزخرف]، ومعنى قوله تعالى: {فلمَّا ءاسفُونا} أي أغضبونا.

 

قصة هلا فرعون وجنوده في البحر ونجاة موسى ومن ءامن معه

 

كذب فرعون وقومه موسى عليه السلام ولم يؤمن منهم إلا القليل يقول الله تعالى: {فما ءامنَ لموسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قومِهِ على خوفٍ مِنْ فرعونَ ومَلإيهِمْ أن يَفتِنَهُم وإنَّ فرعونَ لعالٍ في الأرضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسرفين} [سورة يونس].

 

وتمادى فرعن مع أتباعه القبط في كفرهم وضلالهم وعنادهم وذلك متابعة لملكهم فرعون الذي أمرهم بعبادته وأراد فرعون قتل موسى فقال للملإ ما أخبر الله به في قوله: {وقالَ فرعونُ ذَروني أقتُل موسى وليدْعُ ربَّهُ إنِّي أخافُ أن يُبَدِّلَ دينكُم أو أن يُظهِرَ في الأرضِ فسادًا} [سورة غافر] ولكن رجلاً من ءال فرعون كان يكتم إيمانه خوفًا على نفسه أجابهم: {وقال رجلٌ مؤمنٌ مِنْ ءال فرعونَ يكتُمُ إيمانهُ أتقتلونَ رجُلاً أن يقولَ ربِّيَ اللهُ وقدْ جاءكُم بالبيِّناتِ مِنْ ربِّكُم وإنْ يَكُ كاذبًا فعليهِ كَذِبُهُ وإنْ يكُ صادقًا يُصبكُم بعضُ الذي يَعِدُكم إنَّ اللهَ لا يهدي مَنْ هُوَ مُسرفٌ كذَّابٌ* يا قومِ لكُم المُلْكُ اليومَ ظاهرينَ في الأرضِ فمَنْ ينصُرُنا من بأيِ اللهِ إنْ جاءَنا قالَ فرعونُ ما أُريكُم إلا ما أرى وما أُهديكُم إلا سبيلَ الرَّشادِ} [سورة غافر]، ثم تابع هذا المؤمن نصحه لهم: {وقالَ الذي ءامنَ يا قومِ إنِّي أخافُ عليكُم مِثْلَ يومِ الأحزابِ* مِثْلَ دأبِ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ والذينَ من بعدِهم وما اللهُ يُريدُ ظُلمًا للعِباد* ويا قومِ إنِّي أخافُ عليكُم يومَ التَّنادِ* يومَ تُوَلُّونَ ما لكُم مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ ومَنْ يُضلِلِ اللهُ فما لهُ مِن هادٍ* ولقد جاءكُم يوسُفُ مِنْ قبلُ بالبيِّناتِ فما زِلتُم في شكٍّ مِمَّا جاءَكُم بهِ حتى إذا هلكَ قُلْتُم لن يبعثَ اللهُ من بعدِهِ رسولاً كذلكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مسرفٌ مُرتابٌ* الذينَ يُجادلونَ في ءاياتِ اللهِ بغيرِ سُلطانٍ أتاهُم كَبُرَ مَقْتًا عندَ اللهِ وعندَ الذينَ ءامنُوا كذلكَ يَطبعُ اللهُ على كُلِّ قلبٍ مُتَكَبِّرٍ جبَّار} [سورة غافر]، ولكن كل هذا النصح والإرشاد لم يؤثر في قلب فرعون بل صار يزداد ضلالاً وفسادًا فأمر هامان أن يبني له صرحًا ضخمًا مبنيًا من الآجر المشوي بالنار، فبنى له ذلك الصرح الذي قيل إنه لم ير بناء أعلى منه، قال الله تعالى: {وقالَ فرعونُ يا هامانُ ابنِ لي صرحًا لعلِّي أبلُغُ الأسبابَ* أسبابَ السمواتِ فأطَّلِعَ إلى إلهِ موسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا وكذلكَ زُيِّنَ لفرعونَ سُوءُ عمَلِهِ وصُدَّ عنِ السَّبيلِ وما كيدُ فرعونَ إلا في تَبابٍ} [سورة غافر]،وقال تعالى مخبرًا عن قول فرعون: {وقالَ فرعونُ يا أيُّها الملأُ ما عَلِمتُ لكُم مِنْ إلهٍ غيري فأوقِدْ لي يا هامانُ على الطِّينِ فاجعَلْ لي صرحًا لعلِّي أطَّلِعُ إلى إلهِ موسى وإنِّي لأظنُّهُ مِنَ الكاذبين} [سورة القصص].

فلما يئس موسى عليه السلام من إيمانهم وإيمان فرعون دعا عليهم وأمّن على دعائه أخوه هارون عليهما السلام فقال في دعائه: {ربَّنا اطمِسْ على أموالِهم واشدُدْ على قلوبِهم فلا يُؤمِنُوا حتى يَرَوا العذابَ الأليمَ* قالَ قدْ أجِيبَ دَعْوَتُكما} [سورة يونس] واستجاب الله تعالى لهما فمسخ أموالهم فصارت حجارة على ما قيل، ولما طال الأمر على نبي الله موسى عليه السلام أوحى الله تبارك وتعالى إليه يأمره أن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر ليلاً ويذهب بهم إلى أرض فلسطين، وأمره أن يحمل معه تابوت يوسف بن يعقوب عليهما السلام ويدفنه بالأرض المقدسة، فتجهز موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين وكانوا يزيدون على ستمائة ألف غير الذرية، فخرج بهم في الليل سائرين في طريق البحر الأحمر على خليج السويس، وأخذوا يجدّون في السير حذرًا من فرعون وظلمه وطغيانه، ولما استيقظ فرعون علم بخروج موسى عليه السلام ومن معه من بني إسرائيل من مصر، فجهز جيشًا كبيرًا عرمرمًا حتى قيل كان فيه مائة ألف فارس وكان عدد جنوده يزيد على مليون وستمائة ألف جندي، وتوجّه فرعون بهذا الجيش الكبير طالبًا بني إسرائيل وموسى عليه السلام يتبع ءاثارهم يريد كيدهم والبطش والفتك بهم فأدركهم في اليوم التالي عند شروق الشمس، ولما تراءى الجمعان وعاين كل من الفريقين صاحبه ورءاه ولم يبق إلا المواجهة والمقاتلة، وهنا شعر بنو إسرائيل بالخطر المدلهم فالبحر أمامهم والعدو خلفهم وفرعون وجنوده يريدون الفتك بهم، فضجّوا بالعويل والصياح وقالوا لموسى عليه السلام وهم خائفون: إنا لمدركون.

ولكن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام كان يعلم أن الله سبحانه وتعالى الذي أمره بالخروج ببني إسرائيل من مصر سينصره فأخذ يسكّن روعهم، ولما تاقم الأمر وضاق الحال واشتد الأمر واقترب فرعون وجنوده من بني إسرائيل وموسى عليه السلام، عند ذلك أوحى الله عز وجل إلى موسى الكليم عليه السلام أن يضرب بعصاه البحر، فأخرج عليه السلام عصاه وضرب بها البحر فانفلق البحر بقدرة الله اثني عشر فرقًا وكان كل فرق كالجبل العظيم وصار فيه اثنا عشر طريقًا لكل سبطٍ طريق يسيرون فيه، وأمر الله موسى عليه السلام أن يَجوزَه ببني إسرائيل فانحدروا فيه مسرعين مبادرين مستبشرين بنصر الله بعد أن أصبح البحر يابسًا ممهّدًا بعد أن رأوا بأمّ أعينهم هذه الآية والمعجزة العظمى التي تحتار لها عقول الناظرين، فلما جاوزه موسى عليه السلام وجاوزه بنو إسرائيل وخرج ءاخرهم منه وانفصلوا عنه، وكان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ووصولهم إليه، أراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه حتى لا يسلكه فرعون وجنوده، فأوحى الله تعالى إليه أن يتركه على حاله ساكنًا على هيئته لأنه يريد إغراقهم فيه كما قال الله تعالى: {واترُكِ البحرَ رَهْوًا} [سورة الدخان] أي ساكنًا على هيئته التي هو عليها.

وامتثل موسى عليه السلام أمر الله وترك البحر على هيئته وحالته، فلما وصل فرعون إلى البحر وانتهى إليه رأى هذه المعجزة والآية الباهرة وعاينها، وهاله هذا المنظر العظيم حيث كان ماء البحر قائمًا مثل الجبال، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أنّ هذه الآية العظيمة من فعل وخلق الله سبحانه وتعالى، ولكنه لم يذعن لقيمة البرهان العقلي على صدق موسى عليه السلام وأخذته العزة بالإثم وأظهر أمام جنوده التجلد والشجاعة، وأخذ يشجع جنده لاقتحام البحر أمامه من أجل أن يفوز هو بالنجاة ولكن لا رادّ لقضاء الله، فقد جاء ملكٌ من السماء قيل: هو جبريل عليه السلام فقاد فرس فرعون جهة البحر، فلما رءاه الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين فلما أصبحوا جميعهم في البحر، وقد هم أولهم بالخروج منه، عند ذلك أمر الله تعالى نبيه وكليمه موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه البحر، فلما ضربه موسى عليه السلام بعصاه ارتطم البحر عليهم كما كان وعادت أمواجه هائجة كما كانت، فهلكوا جميعهم بالغرق ولم ينج منهم أحد، والله عزيز ذو انتقام.

قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ *فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ* وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ* فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ* فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ* فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ* وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ* وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ* إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [سورة الشعراء]، وقال تعالى: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسْرِ بِعِبادي فاضرب لهُم طريقًا في البحر يَبَسًا لا تخافُ دَرَكًا ولا تخشى* فأتْبَعَهُم فرعونُ بجُنودِهِ فَغَشِيَهُم مِنَ اليَمّ ما غَشِيَهُم* وأضَلَّ فرعونُ قومهُ وما هدى} [سورة طه].

 

فرعون يعلن أنه من المسلمين

 

قال الله تعالى: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ* آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [سورة يونس].

يُخبر اله تعالى عن كيفية غرق فرعون فإنه لما ضرب موسى عليه السلام بعصاه البحر ارتطم البحر بأمواجه الهائلة على فرعون وجنوده، وجعلت الأمواج الهائجة تخفض فرعون تارة وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده بين الأمواج العاتية وهم يغرقون، وكان هذا البأس الشديد والخطب الجسيم الذي نزل بفرعون وأتباعه أقر لأعين بني إسرائيل، وأشفى لنفوسهم لِمَا عانوا من ظلم وبطش فرعون وجنوده الذين اتبعوه على كفره وضلاله.

وأما فرعون الطاغية فإنه لما كان بين الأمواج الهائمة المدمّرة وأصبح على وشك الغرق وقد عاين ما أحيط به من أسباب الهلاك أعلن وقال: "ءامنت أنه لا إله إلا الذي ءامنت به بنو إسرائل وأنا من المسلمين"، ولم ينفعه إيمانه وإسلامه في تلك اللحظات التي أدرك وعاين فيها الغرق، وهذه هي حالة اليأس من الحياة التي لا يقبل الله تعالى التوبة فيها. يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن فرعون مصر الطاغية حين أدركه الغرق: { حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ* آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [سورة يونس].

فائدة: اعلم يا أخي المسلم أنه يشترط لقبول التوبة من ذنب الكفر وما دونه من الذنوب أن تكون قبل الغرغرة – أي قبل وصول الروح إلى الحلقوم- وقبل عذا الاستئصال وهي حالة اليأس من الحياة، يقول الله تبارك وتعالى: { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [سورة النساء]، ويقول الله تعالى: {فلمَّا رأوا بأسَنا قالوا ءامنَّا باللهِ وحدهُ وكَفرْنا بما كُنَّا مُشركين* فلمْ يَكُ ينفعهم إيمانهم لمَّا رأوا بأسنا سُنَّتَ اللهِ التي قد خَلَتْ في عبادِهِ وخَسِرَ هُنالكَ الكافرون} [سورة غافر]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" رواه الترمذي وأحمد. ولذلك لا تقبل التوبة لمن أدركه الغرق كفرعون حاكم مصر وكذلك لمن كان في مثل حالته وهي حالة اليأس من الحياة.

فلم يقبل الله سبحانه وتعالى توبة فرعون اللعين حين أدركه الغرق وعلم أنه هالك غرقًا لا محالة، قال تعالى: {ءالآنَ وقدْ عَصَيْتَ قبلُ وكنتَ مِنَ المُفسدين} [سورة يونس] فهذه الآية استفهام إنكاري، ونص على عدم قبوله تعالى منه الإيمان والإسلام في مثل هذه الحالة التي وصل إليها، وقد انعقد الإجماع من المسلمين على موت فرعون كافرًا.

ويشترط لصحة التوبة أيضًا أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها لما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنّ في المغرب بابًا خلقه الله للتوبة مسيرة عرضه سبعون عامًا لا يُغلق حتى تطلع الشمس منه" رواه الترمذي وابن حبان.

فائدة: روى أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما قال فرعون {ءامنتُ أنَّهُ لا إلهَ إلا الذي ءامنتْ بهِ بنوا إسرائيل} قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته فيه مخافة أن تناله الرحمة"، رواه الترمذي وابن جرير أيضًا وقال الترمذي: حديث حسن، ورواه الطيالسي وغيره بنحوه. ومعنى "من حال البحر" أي من طيب البحر، وفرعون لا يقولها عن اعتقاد إنما يقولها ليخلص من الغرق.

 

فائدة: في قصة تابوت يوسف عليه الصلاة والسلام

كان نبي الله موسى عليه السلام قد أمره الله تعالى أن يحمل معه تابوت يوسف بن يعقوب عليهما السلام كما ذكرنا ليدفنه بالأرض المقدسة، فسأل موسى عليه السلام عنه فلم يعرفه إلا إمرأةٌ عجوز فقالت لموسى عليه السلام: أرأيت إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك؟ فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربي؟ فأمره الله تعالى عن طريق الوحي أن يعطيها فأتاها فأعطاها، فسألته الجنة قال: نعم، فدنت من النيل وقالت لموسى عليه السلام: إنه في جوف الماء فادع الله تعالى أن يحسر عنه الماء، فدعا الله تعالى فحسر الماء عن القبر وظهر لهم الطريق فمضوا فيه، فقالت له: احفره ففعل موسى عليه السلام واستخرجه صندوقًا من مَرمر فاحتمله عليه السلام معه في خروجه من مصر، رواه ابن حبان. وهذا الحديث قاعدة نافعة لأهل السنة أنه لا يحرم طلب ما لم تجر به العادة من الأنبياء والصالحين كما زعمت الوهابية.

 

البحر يلفظ جثة فرعون ليكون ذلك ءاية وعبرة لمن اعتبر

 

لما أنجى الله تبارك وتعالى موسى عليه السلام ومن ءامن معه من بني اسرائيل من كيد فرعون وجنوده، وأغرق فرعون وجنوده في البحر ليكون ذلك ءاية عظيمة على عظيم قدرته تعالى وعلى صدق نبيه موسى علي السلام وعبرةً لمن اعتبر، شك بعض بني إسرائيل في موت فرعون وقالوا: إنا نخاف أن يكون فرعون ما غرق، فدعا موسى الكليم ربه، فأمر الله تبارك وتعالى البحر بإخراجه فرمى به البحر بقدرة الله تعالى على ساحل البحر على مكان مرتفع حتى رءاه بنو إسرائيل وأيقنوا وتحققوا من غرقه وموته وعرفوه بدرع له من لؤلؤ كان فرعون يلبسها ولم يكن لأحد مثلها، وبذلك تحققوا هلاكه غرقًا مع الهالكين، ولهذا قال الله تبارك وتعالى: {فاليومَ نُنَجِّيكَ ببدنِكَ} أي ننجيك بجدسك مصاحبًا درعك بأن أخرجه البحر وعليه درعه المعروفة به، وقوله تعالى: {لِتَكونَ لِمَنْ خَلفكَ ءايةً} [سورة يونس] أي لتكون أنت أي يا فرعون ءاية لمن خلفك من بني إسرائيل ودليلاً على عظيم قدرة الله تعالى الذي أهلكك مع الهالكين نتيجة كفرك وتكذيبك موسى عليه السلام.

 

فائدة: كان هلا فرعون وجنوده في البحر في يوم عاشوراء، فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتم أحق بموسى منهم فصوموا".

 

ذكر ما حدث من بني إسرائيل بعد هلاك فرعون وجنوده

 

أنجى الله تعالى موسى عليه السلام ومن معه من بني إسرائيل الذين ءامنوا بما جاء به واتبعوه من كيد فرعون وجنوده وأورث الله تعالى جميع أموال فرعون وحاشيته وأملاكهم بني إسرائيل الذين كانوا يُستضعفون ويظلمون من قبل فرعون وجنوده وأمرائه وجعل العاقبة الحسنى لموسى عليه السلام وللمؤمنين الذين اتبعوه وصدقوه، يقول الله تبارك وتعالى: { فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ* وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} [سورة الأعراف].

فائدة: أورث الله سبحانه وتعالى المؤمنين من بني إسرائيل الذين ءامنوا بنبيهم موسى عليه السلام واتبعوه فيما جاء به مشارق أرض الشام ومغاربها بما في ذلك أرض فلسطين المباركة وما حولها ومنحهم ملكها وحكمها.

 

طلبُ بعض جهلة بني إسرائيل من موسى عليه السلام

أن يجعل لهم إلهًا

 

بعد أن جاوز نبي الله موسى عليه السلام البحر بمن معه من بني إسرائيل، أتوا على قوم كافرين يعكفون على أصنام لهم قيل: كانت على صور البقر يعبدونها من دون الله عز وجل، فأراد بعض الجهلة الذين ركبهم الجهل والضلال وأظلّهم الشيطان أن يتشبهوا بهؤلاء المشركين الذين مروا بهم مع أصنامهم فقالوا لنبيهم موسى عليه السلام: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم ءالهة، فغضب موسى عليه السلام غضبًا شديدًا من كلام هؤلاء الذي يدل على عظيم جهلهم، مع ما قد كانوا عاينوا قبل ذلك من ءايات الله تعالى على ما يدل على عظيم قدرته وعلى صدق ما جاءهم به نبيهم موسى عليه السلام، وردّ عليهم نبيهم مستنكرًا لمقولتهم هذه وبيّن لهم أن هؤلاء المشركين الذين يعبدون هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع في هلاك ودمار لا يعقلون ولا يهتدون وعملهم هذا باطل لا يوافق العقل السليم، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن هؤلاء الجاهلين وما ردّ عليهم موسى عليه السلام: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ* إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سورة الأعراف].

 

رفض بني إسرائيل الجهاد في سبيل الله ومقاتلة الجبارين وإنزال

عقاب التيهان بهم

 

أمر الله تعالى نبيه موسى عليه السلام أن يتوجه بالمؤمنين من بني إسرائيل إلى بيت المقدس في فلسطين، فخرج بهم موسى عليه السلام حتى إذا كانوا في الطريق عطشوا عطشًا شديدًا، فشكوا ذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام مُتذمرين وطلبوا منه الماء والسقيا، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يضرب الحجر الذي كان معه بعصاه فلما ضربه بعصاه تفجَّرت منه بقدرة الله تعالى اثنتا عشرة عينًا لكل سبط من أسباطهم عين تجري بالماء العذب الزُّلال يشربون منها، وأرسل الله سبحانه لهم من السماء المن والسلوى رزقًا منه تعالى وفضلاً وكرمًا يحصلون عليه من دون جهد أو تعب. ثم إن كثيرًا منهم ضجر وتبرم وسألوا موسى أن يستبدلوا منها ببدلها مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها فوبخهم موسى ونصحهم، قال تعالى: { وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْوَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ* وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَارَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} [سورة البقرة].

ثم أكمل نبي الله موسى عليه السلام سيرهُ ببني إسرائيل إلى بيت المقدس التي كان الله سبحانه وتعالى قد وعدهم بها وكتبها لهم، وأخذ موسى عليه السلام يُذكرهم نعمة الله تعالى عليهم وإحسانه إليهم إذ جعل فيهم أنبياء، وءاتاهم من النعم ما لم يؤت أحدًا في زمان نبيهم موسى عليه السلام، ولما انفصل موسى عليه السلام بمن معه من بني إسرائيل وواجه بلاد بيت المقدس في فلسطين وجد عليه السلام فيها قومًا من الجبارين الظالمين المعروفين بكفرهم وجبروتهم وكانوا من الكنعانيين ومن بقايا الحيثانيين وغيرهم، فأمرهم عند ذلك موسى عليه السلام بالدخول على هؤلاء الجبارين ومقاتلتهم وإجلائهم عن بيت المقدس التي كتبها الله تعالى لهم ووعدهم بها، ولكنهم أبوا ورفضوا الجهاد وجَبنوا عن مقاتلة هؤلاء الأعداء الكافرين الذين كانوا ذوي قوة وبأس، وقالوا لنبيهم موسى عليه السلام: يا موسى إن فيها قومًا جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، وأمام هذا الموقف المخزي من جانب هؤلاء تقدّم رجلان من الذين يخافون الله تعالى وقد أنعم الله تعالى عليهما بالإسلام والإيمان والطاعة والشجاعة والثبات وأشارا عليهم بالجهاد وأن يدخلوا على هؤلاء الجبارين من باب القرية ليمتلئوا منهم خوفًا ورعبًا، وطلبا منهم أن يتوكلوا على الله تعالى حق توكّله وأن يستعينوا به ويلتجئوا إليه لينصرهم على هؤلاء الطغتة الجبارين ويظفرهم بهم.

وأمام هذا الموقف المشرّف الذي وقفه هذان الرجلان المؤمنان اللذان يخافان الله تعالى، وقع أمر عظيم كبير من جانب بني إسرائيل إذ صمّم أكثرهم على رفض الجهاد والتقاعس عنه وقالوا لنبيهم موسى عليه السلام: يا موسى إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون، فعاقبهم الله تعالى بسبب مخالفتهم نبيهم موسى عليه السلام وعصيانهم أمره بالتيهان في الأرض يسيرون إلى غير مقصد ليلاً ونهارًا وصباحًا ومساءً، يحلون ويرتحلون ويذهبون ثم يرجعون إلى مكانهم الذي ذهبوا منه طيلة أربعين سنة، حتى مات هؤلاء كلهم في مدة أربعين سنة ولم يبق إلا أولادهم وذراريهم سمى هذين الرجلين اللذين يخافان الله تعالى وقيل هما: يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وكانا رجلين صالحين. يقول الله سبحانه وتعالى إخبارًا عن موسى عليه السلام مع هؤلاء القوم من بني إسرائيل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ* يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ* قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ* قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ* قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [سورة المائدة].

 

ذهاب موسى عليه السلام لميقات الله تعالى وسؤاله الرؤية

 

كان نبي الله موسى عليه السلام قد وعد بني إسرائيل الذين ءامنوا به واتبعوه أن يأتيهم بكتاب فيه تبيان معالم الشريعة وما يأتون وما يتركون، فلمّا أهلك الله تبارك وتعالى فرعون مصر ومن اتبعه من جنوده في البحر وأنجى بني إسرائيل، قالوا لنبيهم موسى عليه السلام: ائتنا بالكتاب الذي وعدتنا، فسأل موسى عليه السلام ربه ذلك، فواعده الله تعالى ثلاثين ليلة وأمره تعالى بالصيام فيها ثم يُتبعها بعشر ليال أخرى يصوم فيها موسى أيضًا ليسمعه كلامه ويعطيه التوراة وفيها الأحكام وتفاصيل الشريعة المطهرة، وقيل الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله وأتمت أربعين ليلة بعشر من ذي الحجة. فصام موسى عليه السلام أربعين يومًا استكمل فيها الميقات الذي وعده فيه الله تعالى، فلما عزم على الذهاب لميقات الله تعالى استخلف في غيابه أخاه هارون عليه السلام على بني إسرائيل فوصّاه وأمره أن يخلفه في بني إسرائيل في غيابه مع أن هارون كان معه نبيًا ورسولاً في ذلك الوقت، ولما جاء موسى عليه السلام لميقات الله تعالى أي في الوقت الذي أمره تعالى بالمجيء فيه، رفع الله تعالى الحجاب المعنوي عن سمعه فكلمه تعالى من وراء حجاب، أي من غير أن يرى الله وذلك لأن الله متكلم أزلاً وأبدًا من غير حرف ولا صوت كما قال أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر لأن الكلام الذي يكون بحرف وصوت حادث لأن الحروف يتقدم بعضها عن بعض ويتأخر بعضها عن بعض فيستحيل أن يتكلم الله هكذا لأن هذا من الاعراض التي يشترك بها البشر وغيرهم من المخلوقات والله منزه عن الأعراض في ذاته وفي كل صفاته من علمه وقدرته وحياته.

وكلامه تعالى قديم أزلي ليس شيئًا ينقص بمرور الزمان أو يتجدد شيئًا بعد شيء، والدليل على أن كلامه تعالى ليس حرفًا وصوتًا يسبق بعضه بعضًا قوله تعالى: {وهُوَ أسرعُ الحاسبين} [سورة الأنعام] لأنه يكلم كلاً منا يوم القيامة ويفرغ من حسابهم في وقت قصير في لحظة ولو كان كلامه لهم بالحرف والصوت لم يكن أسرع الحاسبين، ولا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى يكلمهم بالحرف والصوت لأن الله تعالى كان متكلمًا قبل خلق اللغات اللغة العربية وغيرها. وأما قوله تعالى: {إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شيئًا أن يقولَ لهُ كُنْ فيكون} [سورة يس] فمعناه سرعة الإيجاد من غير مشقة ولا تعب من غير تأخر عن الوقت الذي شاء وجود الشيء فيه، وإنما عبر في القرءان بلفظ كن لأن هذه الكلمة أسهل شيء على الإنسان، والقرءان كما قال الإمام أحمد أمثال ومواعظ.

 

وقد سمع موسى عليه السلام كلام الله الذاتي الأزلي الذي لا يُشبه كلام البشر، وهذا مقامٌ رفيع ومنصبٌ شريف لموسى عليه السلام، فصلوات الله تعالى عليه وعلى جميع إخوانه النبيين والمرسلين. ولما أعطي نبي الله موسى عليه السلام هذه المنزلة العالية وهي سماعه كلام الله تعالى الأزلي، طلب عليه السلام من ربه عز وجل أن يراه فقال: {ربِّ أرِني أنظُر إليكَ فالَ لن تراني} [سورة الأعراف] وعلّق الله تعالى رؤية موسى له بثبات الجبل عند رؤيته تعالى، والله عالم في الأزل أن الجبل لن يثبت ولهذا قال الله تبارك وتعالى لكليمه موسى عليه السلام: {ولكنِ انظُرْ إلى الجبلِ فإنِ استقرَّ مكانهُ فسوفَ تراني} [سورة الأعراف] أي أن الله تعالى تجلّى للجبل بعد أن خلق فيه الإدراك والرؤية فاندكّ الجبل دكًّا وموسى عليه السلام ينظر إليه حتى خّ عليه السلام مغشيًا عليه من هول ما رأى من اندكاك الجبل، فلما أفاق عليه السلام من غشيته قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين، قال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الأعراف]، أي وأنا أول المؤمنين بأنك لا تُرى بالعين في الدنيا وذلك لأن الله لم يوح إلى موسى وإلى من قبله من الأنبياء أنه لا يُرى بالعين في الدنيا، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تخيّروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى ءاخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور".

أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه موسى عليه السلام التوراة وكانت مكتوبة على ألواح، قيل: كانت من زبرجد وجوهر نفيس، وقيل: كانت من خشب والله أعلم، وكان فيها تشريعات ومواعظ وتفصيل لكل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أمور الحلال والحرام، وقد أمره الله تعالى أن ياخذ ألواح التوراة بعزم ونية صادقة قوية، ويأمر قومه بني إسرائيل بالعمل بها على الوجه الأكمل محذرًا إياهم من مخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى، قال الله تبارك وتعالى: { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ* وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ* قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ* وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} [سورة البقرة].

فائدة: من المعلوم لدى علماء أهل الحق أنّ كلام الله تعالى الأزلي الأبدي هو صفته بلا كيف وهو ليس ككلامنا الذي يُبدأ ثم يختم، فكلامه تعالى أزلي ليس بصوت ولا حرف ولا لغة، لذلك نعتقد أنّ نبي الله موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى الأزلي بعد أن أزال الله تعالى عنه الحجاب الذي يَمنع من سماع كلام الله تعالى الأزلي الأبدي الذي ليس ككلام العالمين، وكذلك سمع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في المعراج كلام الله تعالى الذاتي الأزلي، فقد أسمعه الله تعالى بقدرته كلامه الأزلي في ذلك المكان الذي هو فوق سدرة المنتهى وهو مكان شريف لم يُعص الله فيه وليس هو مكانًا يتحيز فيه الله، لأن الله تعالى موجود بلا مكان ولا يجري عليه الزمان، والله تعالى ليس حجمًا كثيفًا ولا حجمًا لطيفًا كالنور.

وليُعلم أن مذهب أهل الحق أن الله سبحانه وتعالى لا يُرى بالعين الفانية في الدنيا لقوله تعالى لكليمه موسى عليه السلام عندما سأله الرؤية: {لن تراني}، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "واعلموا أنكم لن تروا ربَّكم حتى تموتوا" وإنما يُرى الله سبحانه وتعالى في الآخرة بالعين الباقية يراه المؤمنون الذين ءامنوا بالله تعالى ورسله وهم في الجنة لا يشبه شيئًا من الأشياء بلا مكان ولا جهة ولا مقابلة ولا ثبوت مسافة ولا اتصال شعاع بين الرائي وبينه عز وجل، يقول الله تعالى: {وجوهٌ يومئذٍ ناضِرة* إلى ربِّها ناظرة} [سورة القيامة].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أما إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" رواه البخاري، أي لا تشكون أن الذي ترون هو الله تبارك وتعالى كما لا تشكون في القمر ليلة البدر، ولا يعني النبي صلى الله عليه وسلم أن بين الله تعالى وبين القمر مشابهة فهو تعالى أخبر في القرءان أنه لا يشبه شيئًا قال تعالى: {ليسَ كمثلهِ شيءٌ وهُوَ السَّميعُ البصيرُ} [سورة الشورى].

 

قصة عبادة بني إسرائيل العجل في غيبة موسى عليه الصلاة والسلام

 

بعد أن ذهب نبي الله موسى عليه السلام إلى جبل الطور لميقات ربه، وفي أثناء ذلك عمد رجل من بني إسرائيل يقال له موسى السامري منتهزًا غيابَ موسى عليه السلام حيث أخذ ما كانوا استعاروه من حلي ءال فرعون وأتباعه، فصاغ منه شكل عجل ثم ألقى فيه قبضة من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل عليه السلام حين رءاه يوم أغرق الله عز وجل فرعون وجنوده في البحر، فلما ألقاها في فم هذا العجل الذي صاغه صار يخور كما يخور العجل الحقيقي بقدرة الله تعالى ومشيئته ابتلاءً منه تعالى واختبارًا وفتنة، ثم قال السامري ومن وافقه من الذين افتتنوا بهذا العجل ما أخبر الله تعالى في قوله: {فقالوا هذا إلهُكُم وإلهُ موسى فنَسِيَ} [سورة طه]، أي قالوا: إن هذا العجل الذي خار هو إلهكم وإله موسى، وقد نسي موسى ربه عندنا وذهب يبحث عنه ويطلبه، قال الله تبارك وتعالى مبيّنًا بطلان من ذهبوا إليه وادعوه: {أفلا ترونَ ألا يرجِعُ إليهِم قولاً ولا يَمْلِكُ لهُم ضَرًا ولا نَفْعًا} [سورة طه]، وقال تعالى: {ألمْ يَرَوا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ ولا يهديهِم سبيلاً اتَّخَذوهُ وكانوا ظالمين} [سورة الأعراف].

ولما رجع نبي الله موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل وفيهم هؤلاء الذين عبدوا هذا العجل، ورأى عليه السلام ما هم عليه غضب غضبًا شديدًا وكان معه الألواحُ المتضمنة التوراة، فألقى الألواح التي كانت معه من غير استخفاف بها على مكان طاهر [1]، ثم أقبل على هؤلاء الذين عبدوا العجل يعنفهم ويوبخهم على صنيعهم القبيح هذا.

ثم أقبل عليه السلام على أخيه هارون عليه السلام الذي كان قد استخلفه عليهم في أثناء غيبته وأخذ برأسه ولحيته يجرُّه إليه ليدنيه ويتفحص الواقعة والأخبار منه من غير أن يقصد موسى عليه السلام أن يهينه ويستخفّ به، وصار عليه السلام يسأله عمّا منعه أن يتبعه ليخبره بما فعله هؤلاء من عبادة العجل فخاف هارون عليه السلام بما فعل أخوه موسى معه في شدة غضبه أن يسبق إلى قلوب قومه ما لا أصل له ويظنوا به ما لا يليق، فقال لموسى عليه السلام: { يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [سورة طه]، فبيّن هارون لأخيه موسى عليهما السلام أنه خاف إن تركهم وجاءه ليخبره بأمرهم أن يقول له موسى عليه السلام: "تركتهم وجئتني" وهو قد استخلفه عليهم في فترة غيابه، عند ذلك دعا موسى عليه السلام ربه وكان قد هدأ غضبه: { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [سورة الأعراف] وقد كان نبي الله هارون عليه السلام نهى هؤلاء الذين عبدوا العجل عن عبادته أشدّ النهي وزجرهم عنه زجرًا شديدًا، يقول الله تعالى إخبارًا عن هارون عليه السلام: { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ} [سورة طه] أي إنما قدّر الله تعالى أمر هذا العجل وجعله يخور خوران العجل فتنة واختبارًا لكم، ثم قال لهم عليه السلام ما أخبر الله تعالى: { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [سورة طه]، وأخبر الله تعالى كيف كان ردُّ هؤلاء الضالين على هارون عليه السلام قال الله تعالى: {قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [سورة طه].

وبعد أن سمع موسى عليه السلام مقالة أخيه هارون عليه السلام تركه وأقبل غاضبًا على السامري وسأله عما حمله على هذا الصنيع الشنيع في عبادته العجل ودعوةِ الناس إلى عبادته واتخاذه إلهًا فأخبره موسى السامري بأنه رأى جبريل عليه السلام راكبًا فرسًا يوم أغرق الله تعالى فرعون وجنوده في البحر، وأنه أخذ قبضة من أثر التراب الذي كان تحت حافر فرسه وألقاه في فم هذا العجل المصنوع من الذهب كما سوّلت له نفسه ذلك وزينت حتى كان من أمر العجل المصوغ ما كان، ولما سمع موسى عليه السلام مقالة السامري وبّخه وعنفه بشدة على عبادته لغير الله تعالى، ثك دعا عليه أن لا يمسّ أحدًا ولا يمسه أحد ما دام في حياته فقد عاقبه الله تعالى في دنياه بذلك وألهمه أن يقول "لا مساس" فكان السامري إذا لقي أحدًا يقول: "لا مساس" أي لا تقربني ولا تمسني، وصار يهيمُ في البرية مع الوحوش والسباع لا يمسّ أحدًا ولا يمسُّه أحد، وكان نبي الله موسى عليه السلام قد توعده على كفره بالعذاب الأليم في الآخرة.

عمد نبي الله موسى عليه السلام إلى العجل الذي عبده بعض بني إسرائيل بإشارة وطلب من السامري فأحرقه بالنار ورمى رماده في البحر، ثم توجه نحو بني إسرائيل وأخبرهم أن الله تبارك وتعالى هو الإله الذي يستحق العبادة وحده ولا إله غيره فقال لهم: { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [سورة طه]، ثم أمر موسى بني إسرائيل بالشرب من هذا فشربوا، فمن كان من عابديه علق على شفاههم من ذلك الرماد ما يدل عليه، ولم يقبل الله تعالى توبة عابدي العجل إلا بالقتل، فدخلوا في الإسلام وندموا على ما فعلوا وصاروا يقتلون أنفسهم قال الله تبارك وتعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة البقرة].

ويقال: إنهم أصبحوا يومًا وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف، وألقى الله عليهم ضبابًا وهي السحاب الذي يُغشي الأرض كالدخان حتى لا يعرفَ القريب قريبه ولا النسيب نسيبه، ثم مالوا على عابدي العجل فقتلوهم وحصدوهم، فيقال: إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفًا. قال الله تبارك وتعالى: { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ* وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ* وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة الأعراف].وقال تعالى: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى* قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى* قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ* فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي* قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ* فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ* أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا* وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي* قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى* قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا* أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي* قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي* قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ* قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي* قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا* إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [سورة طه].

ولما ذهب ما كان في موسى عليه السلام من غضب أخذ الألواح التي كتب فيها التوراة وأمرهم بقبولها والأخذ بها بقوة وعزم، فقالوا له: انشرها علينا فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها، فعندئذ قال لهم: اقبلوها بما فيها، فلما راجعوه مرارًا أمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل على رءوسهم حتى صار كأنه غمامة على رءوسهم وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها سقط هذا الجبل عليكم، فقبلوا ذلك وأمروا بالسجود فسجدوا، ولما نشر نبي الله موسى عليه ألواح التوراة لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتزّ، قال الله تعالى: { وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [سورة الأعراف].

وقال الله تعالى: { وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة البقرة]، انقلع جبل الطور وصار فوق رؤوسهم أظلهم فخافوا أن يهلكوا فلما رأوا أن لا مهرب لهم قبلوا ذلك وسجدوا على شقّ وجوههم وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود فصارت عادة في اليهود أنهم يسجدون عل جانب وجوههم وقالوا: سمعنا وأطعنا.

ثم إن بني إسرائيل سألوا موسى الرؤية فأخذتهم الرجفة كما قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة البقرة]، وبعد ذلك اختار موسى عليه السلام سبعين رجلاً يقال إنهم كانوا علماء بني إسرائيل وخرج معه هارون ويوشع إلى طور سيناء، فلما اقتربوا من الجبل وقع عليه عامود الغمام فدخل موسى في الغمام وهناك أوحى الله لموسى ما أوحى قال تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ* وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [سورة الأعراف].

 

قصة بقرة بني إسرائيل

 

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ* قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ* قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ* قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ* وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة].

إن قصة بقرة بني إسرائيل تتلخص في أنّ رجلاً من بني إسرائيل كان كثير المال وكان شيخًا كبيرًا وله بنو أخ يتمنون موته ليرثوه، فعمد أحدُهم فقتله في الليل وطرحه في مجمع الطرق وقيل على باب رجل منهم، فلمّا أصبح الناس اختصموا فيه، وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلم فقالوا: ما لكم تختصمون ولا تأتون نبي الله؟ فجاء ابن أخيه هذا وشكا أمر عمه إلى رسول الله موسى عليه السلام، فقال موسى عليه السلام لما سمع الخبر: أنشد الله رجلاً عنده علم من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به، فلم يكن عند أحد منهم علم منه، ثم طلبوا منه أن يسأل في هذه القضية ربه عز وجل، فسأل موسى عليه السلام في هذه القضية ربه عز وجل فأمره الله تعالى أن يأمرهم بذبح بقرة فقال لهم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} [سورة البقرة] فقالوا له: نحن نسألك عن أمر هذا القتيل وأنت تقول لنا هذا { قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أي أعوذ بالله أن أقول غير ما أوحي إلي، ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، فقد سألوا عن صفتها ثم عن لونها ثم عن سنّها فأجيبوا بما عز وجوده فيهم.

والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عوان وهي الوسط النصف بين الفارض وهي الكبيرة والبكر وهي الصغيرة، ثم شددوا وضيقوا على أنفسهم فسألوا عن لونها، فأمروا بصفراء فاقع لونها أي مُشربٌ بحمرة تسر الناظرين، وهذا اللون عزيز يصعب وجوده، ثم شددوا على أنفسهم أيضًا { قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} [سورة البقرة] فأجابهم موسى عليه السلام بما أخبر الله سبحانه وتعالى: { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}.

وهذه الصفات أضيق مما تقدم حيث أمروا بذبح بقرة ليست بالذلول وهي المذللة بالحراثة وسقي الأرض بالساقية، مسلّمة وهي الصحيحة التي لا عيب فيها، وقيل معنى {لا شِيَةَ فيها} أي ليس فيها لون يخالف لونها، بل هي مسلمة من العيوب ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها، فلما حددها بهذه الصفات {قالوا ألآنَ جِئْتَ بالحقِّ} ويقال: إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم كان بارًا بأمه فطلبوها منه فأبى عليهم فأرغبوه في ثمنها حتى أعطوه بوزنها ذهبًا فأبى عليهم ولم يقبل حتى أعطوه بوزنها عشر مرات فباعها لهم، فأتوا بها موسى عليه السلام فأمرهم بذبحها {فذبحوها وما كادوا يَفعلون} أي وهم يترددون في أمرها، ثم أمرهم موسى عليه السلام أن يضربوا ذلك القتيل ببعض هذه البقرة التي ذبحوها قيل: بلحم فخذها، وقيل بالعظم الذي يلي الغضروف، وقيل بغير ذلك، فلما ضربوا القتيل ببعض هذه البقرة كما أمرهم نبيهم عليه السلام أحياه الله تعالى فسأله نبي الله موسى: من قتلك؟ فقال: قتلني ابن أخي، وعرّفه ثم عاد ميتًا كما كان.

 

 قصة نبي الله موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام

  

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا* فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا* فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا* قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا* قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا* فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا* قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا* قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا* وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا* قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا* قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا* فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا* قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا* فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا* قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا* قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا* فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا* قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا* أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا* وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا* فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا* وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [سورة الكهف].

قام نبي الله موسى عليه السلام خطيبًا في بني إسرائيل فسُئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله تعالى عليه إذ لم يَرُدَّ العلم إليه، فأوحى الله تعالى إليه إنّ لي عبدًا بمجمع البحرين أي ملتقاهما هو أعلم منك، فقال موسى عليه السلام: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مِكتل – وهو ما يشبه القُفّة- فحيثما وجدت الحوت فهو ثمّ أي هناك، وتهيأ موسى عليه السلام للسفر وكله شوق لمقابلة هذا الرجل ورؤيته، وانطلق عليه السلام في سفره هذا مع فتاه يوشع بن نون الذي كان يلازمه ويأخذ عنه العلم ويخدمه، وكانا قد تزوّدا حوتًا مالحًا وضعاه في قفة فكانا يصيبان منه ويأكلان عند الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى صخرة على ساحل البحر وضعا رأسهما عليها وناما، وكان قد وضع فتاه يوشع المِكتل فأصاب الحوت بلل البحر، فعاش وتحرك في المكتل بقدرة الله تعالى ثم سقط وانسرب في البحر، وأمسك الله تبارك وتعالى بقدرته جرية الماء في البحر حتى جعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرةً بقدرة الله تعالى وقيل: صار عليه مثل الطاق، وكان قد قيل لموسى عليه السلام: تزوّد حوتًا مالحًا، فإذا فقدته وجدت الرجل ولما نام موسى عليه السلام على الصخرة واستيقظ مضى لقضاء حاجة له ونسي فتاه وصاحبه يوشع أن يخبره بما جرى للحوت وكيف انسرب في البحر، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما بحثًا عن الرجل الذي اخبره الله بأنه أعلم منه، فلما جاوزا المكان الذي ذهب فيه الحوت في البحر أصابهما ما يصيب المسافر من النصب والتعب، فدعا موسى عليه السلام فتاه يوشع بالطعام وقال له {ءاتِنا غَداءنا لقدْ لَقينا مِن سفرنا هذا نَصَبًا} وهنا تذكّر يوشع أمر الحوت وخبره وعرض على موسى الرجوع إلى الصخرة التي نزلا وفقدا الحوت عندها وقال له: {قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} فقال موسى عليه السلام لفتاه يوشع: { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} فرجعا في الطريق الذي سلكاه يقصان ءاثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا هناك رجل مسجّى بثوب وكان هو الخضر عليه السلام، فسلم عليه موسى عليه السلام فقال له الخضر: وأنّى بأرضك السلام، وقال له الخضر عليه السلام: من أنت؟ قال: أنا موسى، قال الخضر: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني ممّا علمت رُشدًا، فقال له الخضر: {إنَّكَ لن تستطيعَ معيَ صبرًا} يا موسى، وقال له أيضًا: يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، فقال له موسى عليه السلام: {ستجدُني إن شاء اللهُ صابرًا ولا أعصي لكَ أمرًا}.

فقال له الخضر عليه السلام: {فإنِ اتَّبَعْتني فلا تسئلني عن شيءٍ حتَّى أُحْدِثَ لكَ منهُ ذكرًاْ أي حتى أكون أنا الذي أبينه لك لأن علمه قد غاب عنك {فانْطَلَقا} يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر عليه السلام فحملوهم في السفينة بغير عطاء، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ موسى عليه السلام إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم وقيل: قبع لوحين مما يلي اللماء، فحشاها موسى عليه السلام بثوبه وأنكر عليه وقال له: قوم حملونا بغير نول – أي عطاء- وعمدت إلى سفينتهم فخرقتها {لِتُغرقَ أهلَها لقدْ جِئْتَ شيئًا إمْرًا} أي منكرًا {قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لن تستطيعَ معيَ صَبرًا* قالَ لا تؤاخذني بما نسيتُ ولا تُرهقني من أمري عُسرًا} المعنى عاملني باليسر لا بالعسر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكانت الأولى من موسى نسيانًا". وبينما كان موسى والخضر عليهما السلام على ظهر السفينة يتجاذبان أطراف الحديث جاء عصفور ووقف على طرف السفينة فنقر في البحر نقرة بأن غمس منقاره في البحر وأخرجه، فقال الخضر لموسى عليهما السلام: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر! ثم خرج موسى والخضر عليهما السلام من السفينة وانطلقا، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع رفاقه الغلمان، فما كان من الخضر عليه السلام إلا أن اخذ رأس هذا الغلام بيده فاقتلعه فقتله، فقال له موسى عليه السلام: {أقتَلتَ نفسًا زكِيَّةً بغير نفسٍ لقد جِئْتَ شيئًا نكرًا* قالَ الم أقُلْ لكَ لن تستطيعَ معيَ صبرًا} فما كان من موسى عليه السلام إلا أن {قالَ إن سألتُكَ عن شيءٍ بعدها بعدها فلا تُصاحبني قد بلغتَ من لدني عُذرًا} يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، يعني أنك قد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرًا. وانطلقا عليهما السلام يمشيان حتى مرا على أهل قرية فسألاهم الضيافة وطلبا من أهل هذه القرية الطعام فأبوا أن يطعموهما ويضيفوهما، ثم وجدا جدارًا مائلاً يكاد أن يقع ويسقط، فقام الخضر عليه السلام وأقامه بيده وسوّاه، فقال له موسى عليه السلام: قوم أتيناهم فلم يُطعمونا ولم يضيفونا وكان بإمكانك أن تطلب منهم أجرًا على إقامة الجدار فقال له الخضر عليه السلام: {هذا فراقُ بيني وبينك} أي المفرّق بيننا، وقبل أن يفترقا أنبأ الخضر عليه السلام موسى عليه السلام بتأويل الحوادث والقصص الثلاث التي حدثت معهما قائلاً له: {أمَّا السفينةُ فكانت لمساكينَ يعملون في البحرِ فأردتُ أن أعيبَها وكان وراءهُم ملِكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غَصْبًا} أي إنما خرقتها لأن الملك إذا رءاها منخرقة ومعيبة تركها، لأنه كان يأخذ غصبًا كل سفينة صالحة، فإذا تركها رقّعها أهلها فانتفعوا بها. {وأمَّا الغُلامُ فكانَ أبواهُ مؤمنين فخَشَيْنا أن يُرهِقَهُما طُغيانًا وكُفرًا} أي أن هذا الغلام كان أبواه مؤمنين فخشي الخضر عليه السلام أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على طغيانه وكفره، روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا". وقتل الخضر عليه السلام هذا الغلام رحمة بأبويه المؤمنين وعسى الله تبارك وتعالى أن يبدلهما بغلام مؤمن صالح.

فائدة: قال أحد العلماء عن أبوي هذا الغلام المقتول: فرحا به حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما فليرض امرؤٌ بقضاء الله.

وأما الحادثة الثالثة فقد بيَّنها الخضر عليه السلام بقوله: {وأمَّا الجدارُ فكانَ لغُلامَين يَتيمَيْنِ في المدينةِ وكانَ تحتهُ كنزٌ لهُما وكان أبُوهُما صالحًا فأرادَ ربُّكَ أن يبلغا أشُدَّهُما ويستخرجا كنزهُما رحمةً من ربِّكَ وما فعلتُهُ عن أمري ذلك تأويلُ ما لمْ تسطِعْ عليهِ صبرًا} [سورة الكهف].

فقد كان تحت الجدار الذي اقامه الخضر عليه السلام وسواه كنز من ذهب وفضة، وكان هذا الكنز لغلامين يتيمين وكان ابوهما مؤمنًا صالحًا تقيًّا فأراد الخضر عليه السلام أن يقيم هذا الجدار المائل حتى يبلغ هذان اليتيمان أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من الله تبارك وتعالى بهما.

فائدة في كنز الغلامين اليتيمين: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "انَّ هذا الكنز كان لوحًا من ذهب كُتب فيه: عجبًا لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب – أي يتعب-، عجبًا لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبًا لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبًا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبًا لمن رأى الدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. أنا الله الذي لا إله إلا أنا محمدٌ عبدي ورسولي".

تنبيه: قال الله تبارك وتعالى: {فوَجَدا عبدًا مِن عِبادِنا} قال المفسرون: هو الخضر عليه السلام واسمه بليا بن ملكان، والصحيح عند العلماء أنه نبي من أنبياء الله بدليل قوله تعالى حكاية عنه: {وما فعلتُهُ عن أمري}.

وأما تسميته بالخضر ففيه قولان:

أحدهما: أنه كان إذا جلس اخضرَّ ما حوله، وكذلك إذا صلى اخضر ما حوله.

والقول الثاني: أنه جلس في فروة بيضاء فاخضرت والفروة هي الأرض اليابسة، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما سُمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء" رواه البخاري، وقيل: المراد بالفروة ههنا الحشيش اليابس وهو الهشيم من النبات.

واختلف العلماء هل هو باق إلى يومنا هذا أم مات، والصحيح أنه حي لم يمت بعد وسيموت، ويقال إنه كان في عهد ذي القرنين والله أعلم.

 

قصة قارون مع موسى عليه السلام

 

قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ* قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ* فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ* وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ* فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ* وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ* تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة القصص].

 قارون الذي ذكره الله تعالى في القرءان هو ابن عم موسى عليه السلام وقيل غير ذلك، وكان من أتباع فرعون مصر الكافرين الذين اتبعوا فرعون على كفره وضلاله، وكان رجلاً طاغيًا فاسدًا غرته الحياة الدنيا، وكان كثير المال والكنوز، وقد ذكر الله تبارك وتعالى كثرة كنوزه وبيّن أن كنوزه كان يثقل حمل مفاتيحها على الرجال الاقوياء الأشداء حتى قيل: إن مفاتيح خزائن كنوزه كانت تحمل على أربعين بغلاً.

ولكن قارون غرته الحياة الدنيا وغرّه ما عنده من أموال وكنوز، وطغى وبغى على قومه بكثرة أمواله وافتخر عليهم واستكبر بما ءاتاه الله تعالى من الأموال والكنوز، فنصحه النصحاء من قومه ووعظوه ونهوه عن فساده وبغيه وقالوا له ما أخبر الله تعالى: {لا تفرحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحين} أي لا تبطر بما أعطيت وتفخر على غيرك وتستكبر إن الله لا يحب الذين يفتخرون بأموالهم على الناس وقالوا له: {وابتغِ فيما ءاتاكَ اللهُ الدّارَ الآخرة} أي لتكن همتك مصروفة لتحصيل ثواب الله في الدار الآخرة بالإيمان والعمل الصالح فإن هذا خير وأبقى وقالوا له: {ولا تنسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنيا} أي ولا تنس أن تأخذ من الدنيا لآخرتك بالتزود لها والاستعداد كما قال ابن عباس. ثم نصحوه قائلين له: {وأحسِنْ كما أحسنَ اللهُ إليكَ ولا تبغِ الفسادَ في الأرضِ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفسدين} أي أحسن إلى خلق الله كما أحسن الله تعالى خالقهم إليك، ولا تفسد فيهم وتبغ فتعاملهم بخلاف ما أمرت به، ولكن قارون أجابهم جواب مغتر مفتون مستكبر فقال لهم: {قالَ إنَّما أوتيتُهُ على علمٍ عندي} يعني أنا لا احتاج إلى نصيحتكم أي أوتيته على معرفة مني وخبرة، ثم أخذ يزداد في بغيه وفساده معتقدًا أن الله سبحانه يحبه ولذلك أعطاه هذا المال الكثير.

قال الله تعالى ردًا عليه فيما ذهب واعتقد: {أوَلَمْ يعلمْ أنَّ اللهَ قدْ أهلكَ مِنْ قبلهِ مِنَ القرونِ مَنْ هُوَ أشدُّ منهُ قوةً وأكثرُ جمعًا} أي قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر مالاً فلو كان إفاضة المال الكثير على عبد من عباد الله دليلاً على محبة الله تعالى لهذا العبد لما عاقب الله تعالى أحدًا ممن كان أكثر مالاً منه كما قال الله تبارك وتعالى: {وما أموالُكم ولا أولادُكم بالتي تُقَرِّبُكم عندنا زُلفى إلا مَنْ ءامنَ وعَمِلَ صالحًا}.

وخرج قارون يومًا متجملاً في موكب عظيم من ملابس ومراكب وخدم وحشم فلما رءاه قومه من هو مغرور بزهرة الحياة الدنيا تمنوا أن لو كانوا مثله وغبطوه بما عليه من زينة وما له من كنوز وأموال، فلما علم بمقالتهم العلماء العارفون ذوو الفهم الصحيح والزهاد قالوا لهم: {وَيْلكم ثوابُ اللهِ خيرٌ لمن ءامَنَ وعَمِلَ صالحًا} أي ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى وأجل وأعلى، قال الله تعالى: {ولا يُلَقَّاها إلا الصَّابرون} أي وما يُلقّى هذه الهمة السامية إلى الدار الآخرة عند النظر إلى نعيم هذه الدنيا الزائل الفاني إلا من هدى الله تعالى قلبه وثبت فؤاده وجعله من الصابرين.

بينما قارون في موكبه خسف الله تعالى الارض به وبداره فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: {فخسَفنا بهِ وبدارهِ الارضَ فما كانَ لهُ من فئةٍ ينصُرونهُ من دونِ اللهِ وما كانَ مِنَ المُنتصرين} [سورة القصص].

واما حلّ بقارون ما حل من خسف وذهاب الأموال وخراب الدار وخسفها، ندم من كان تمنّى مثل ما أوتي وشكروا الله تعالى الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدره ويضيقه على من يشاء، وشكروا الله تعالى الذي لم يجعلهم كقارون طغاة متجبرين متكبرين فيخسف بهم الأرض.

قال الله تعالى: {وتلكَ الدارُ الآخرةُ نجْعلُها للذينَ لا يريدونَ عُلوًا في الارضِ ولا فسادًا والعاقبةُ للمُتَّقين} أي أن الدار الآخرة وهي الجنة معدة للذين لا يريدون تكبرًا وفخرًا وأشرًا وبطرًا في الارض ولا يريدون الفساد بها وأخذ أموال الناس وإفساد معايشهم والإساءة إليهم وعدم النصح لهم، ثم أخبر تعالى أن العاقبة المحمودة لعباده المتقين الذين يلتزمون أوامره فيؤدون الواجبات ويجتنبون المحرمات.

فائدة: يروى أن الله تبارك وتعالى أمر قارون بالزكاة فجاء إلى موسى عليه السلام من كل ألف ديناء بدينار، ثم جمع مفرًا يثق بهم من بني إسرائيل فقال: إنّ موسى أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أخذ أموالكم، فقالوا له: مرنا بما شئت قال: ءامركم أن تحضروا فلانة البغيّ فتجعلوا لها جعلاً أي أجرة فتقذفه بنفسها ففعلوا ذلك فأجابتهم إليه، ثم أتى قارون إلى موسى عليه السلام فقال: إن قومك قد اجتمعوا لك لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم نبي الله موسى عليه السلام فقال لهم: من سرق قطعناه ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة جلدة، وإن كانت له امرأة رجمناه حتى يموت.

فقال له قارون: إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال عليه السلام: أدعوها، فلما جاءت قال لها موسى عليه السلام: أقسمت عليك بالذي أنزل التوراة إلا صدقت، أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا، كذبوا ولكن جعلوا لي جعلاً على أن أقذفك، فسجد موسى عليه السلام ودعا الله عليهم فأوحى الله تعالى إليه: مُرِ الأرض بما شئت تطعك، فقال موسى عليه السلام: يا أرض خذيهم، فاضطربت داره وساخت بقارون وأصحابه إلى الكعبين وجعل يقول: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيهم، فلم يزل يستعطفه وهو يقول: يا أرض خذيهم حتى خُسفت بهم.

 

فصل في ذكر شيء من فضائل موسى وشمائله

 

قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا* وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا* وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [سورة مريم]، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ موسى كان رجلاً ستيرًا لا يُرى من جلده شيء استحياه منه فآذاه من ءاذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة – وهو انتفاخ الخصية- وإما ءافة، وأن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وأن الحجر عدا بثوبه فاخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله وأبرأه الله مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه فوالله إن بالحجر لَنَدبا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله عز وجل: {يا أيها الذينَ ءامنوا لا تَكُونوا كالذينَ ءاذوا موسى فبرَّأهُ اللهُ ممَّا قالوا وكانَ عندَ اللهِ وجيهًا}"، والحديث عند مسلم أيضًا وأحمد، وفي الصحيحين أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".

 

حجه عليه السلام وصفته

 

روى مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق فقال: "أي واد هذا"، قالوا: وادي الأزرق، قال: "كأني أنظر إلى موسى وهو هابط من الثنية وله جؤار إلى الله عز وجل بالتلبية".

وروى أحمد عن ابن عباس قال: "وأما موسى فرجل ءادم جعد الشعر على جمل أحمر مخطوم بخلبة – أي ليف- كأني أنظر إليه وقد انحدر من الوادي يلبي".

 وروى أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وأما موسى فآدم جسيم سبط"، وروى أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً طوالاً جعدًا كأنه من رجال شنوءة".

 

وفاة موسى عليه السلام

 

روى البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما حاءه صكّه – أي ضربه على عينه- فرجع إلى ربه عز وجل، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، قال: فسأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلو كنت ثمَّ – أي هناك- لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر".

 

تنبيه: ما حصل من موسى لما ضرب عزرائيل حصل منه وهو لا يعلم أنه ملك، بل ظنه صائلاً – أي إنسانًا مهاجمًا- فلا لوم عليه.

وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر".

قيل: وكان عمر موسى عليه السلام عند وفاته مائة وعشرين سنة، والله أعلم، ونُبئ بعده يوشع بن نون من ذرية إبراهيم عليهم السلام.

 

 

الهوامش:

 

[1] هذا يقال عنه سبق فعل.