محاضرة في برنامج "ميناريت" عن الرقية وتحصين النفس

محاضرة في برنامج "ميناريت" عن الرقية وتحصين النفس
ألقاها المفتي الأعلى لمسلمي أوكرانيا الشيخ أحمد تميم:
السلام عليكم ورحمة الله
الحمد لله الذي يسر لنا اتباع هدي الأنبياء وجعلنا من أمة النبي محمد الذي دعا الى الإسلام دين من قبله من النبيين والمرسلين وجاء بخاتمة الشرائع فلا نبي بعده صلى الله عليه وعلى إخوانه الأنبياء أجمعين.
أعزائي
يجب على العبد العمل وفق ما شرع الله تعالى، وإن تجنب المعاصي فريضة، فإن دعته نفسه إلى الحرام يجب عليه مخالفتها وقهرها وحبسها عنه.
ومما حرم الله تعالى السحر، فإن بعض الناس لأجل التحبب أو لأجل أن يطاع أمره أو بسبب الحسد والبغض يأخذ شيئا من أثر الشخص كثوب أو شعر أو يضع له في بيته شيئا كتب أو قرئ عليه كلمات من السحر، فليعلم أن هذا من المعاصي الكبيرة وبعض أنواع السحر فيه كفر، فمن عمل السحر أو طلب أن يعمل ذلك فهو فاسق أو كافر والعياذ بالله تعالى.
وكذلك من المعاصي الكبيرة التي يجب تجنبها الحسد، وهو كراهية النعمة التي أنعم الله بها على أخيه المسلم وتمني زوالها عنه فيعمل بمقتضى ذلك كأن يتكلم في حقه ما يتسبب له بالأذى أو يكيد له بما يضره.
وكذا العين الخبيثة حينما ترى على الغير نعمة في المال أو الأهل أو الصحة أو غير ذلك فإنها قد تصيب فيتأذى بسببها المصاب فتتغير أحواله أو تضيق عليه معيشته أو يمرض وقد يكون بمرض مستعص، وقد يدخل معه عمل الشيطان لإيذاء المصاب في اللحظة التي أصيب فيها بالعين، ونحن لا نرى الشياطين لكنهم يروننا وهم لا يتمنون للإنسان إلا السوء.
كيف يكون العلاج؟
هناك ما يطلق عليه الرقية الشرعية، والرقية التي أذن بها الشرع تكون بالأيات القرءانية أو الأدعية الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مما ثبت في الأثر بالإسناد عن أهل العلم العاملين الثقات، وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه جبريل عليه السلام أشياء يقرؤها للتحصين من العين وغير ذلك، ويجوز كتابة هذه الأيات والأدعية على ورق أو جلد أو معدن وتعليقها وهذا حرز ينفع بمشيئة الله تعالى وفيه بركة.
لكن مما يجب على المسلم اعتقاده أن مشيئة الله نافذة في كل الأمور ولا يمنع قدر الله تعالى شيء فهو تعالى خالق كل شيء ولا خالق إلا الله، والرقية والحروز إنما هي أسباب أذن بها الشرع لتحصيل النفع والشفاء بمشيئة الله تعالى ولا يكون إلا ما شاء الله.
فإن قيل ما نفع الرقية أو الحرز طالما أن الشفاء بمشيئة الله، فيقال لهم كما أن المريض يأخذ الدواء وهو يعلم أن الشفاء لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى وعنده احتمال أنه لن يشفى به، ومع ذلك يأخذ بالأسباب التي حث عليها الشرع إذ قد يلهمه الله تعالى تناول دواء يكون سببا لشفائه لأن الله تعالى أراد له الشفاء وجعل السبب هو هذا الدواء.
 
 والتداوي بالقرءان سبب كالتداوي بالأدوية المركبة، لا بل هو أقوى وأنفع، فبالقرءان يداوى المصاب بالعين ويداوى من أذى الشيطان ويفك السحر وينفع للحفظ والوقاية والتحصين، وقراءة القرءان وسيلة لبلوغ المرادات والرغائب فكم به حصلت للمؤمن منافع وألطاف.
لكن يشترط للتداوي بالقرءان في المسلم إتقان القراءة بإخراج الحروف من مخارجها والنطق بالآيات كما جاءت من غير تحريف أو تغيير في اللفظ ويشترط إخلاص النية لله تعالى، فيرقي الشخص نفسه بقراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات الثلاث وغيرها من آيات القرءان وبالأدعية المأثورة بعد أن يتعلمها تلقيا من أهل العلم بالسند إلى الصحابة ومنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه الرقى حصن للمسلم وفيها طاعة لله ووقاية من كل شر، ومن الحسن أن يقرأها دبر كل صلاة قبل أن يقوم من جلسته أو صباحا ومساء.
ولا يرقي الشخص غيره إلا بشروط، فليس كل إنسان أهل لذلك، فمن لم تتوفر فيه شروط الرقية قد يؤذي نفسه أو يؤذي المصاب دون أن يشعر، فلا تؤخذ الرقية بمجرد قراءة الكتب ولا ممن لم يكن من الثقات، وبعض الناس قد يعملون السحر وهم لا يدرون بسبب جهلهم بالقرءان واعتمادهم على ما يجدونه في بعض الكتب، وبعض السحرة يكتبون آيات من القرءان فيدخلون كلمات حرمها الشرع فيها سحر ليوهموا غيرهم أن هذا من القرءان، وكذلك منهم من يكتب القرءان بالبول أو الدم وكل هذ كفر والعياذ بالله تعالى.
فيشترط فيمن يريد أن يرقي غيره فضلا عن كونه تعلم من أهل العلم الثقات أن يكون مجازا بالرقية من قبل رجل صالح بسنده إلى الصحابة ثم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليحذر من لم يكن مجازا - بالشروط التي ذكرها العلماء - أن يتجرأ على رقية غيره فإنهم قد اشترطوا الإذن ممن هو أهل لإعطاء الإجازة بالرقية.
وأخيرا نصيحتي لكم أن تحصنوا أنفسكم بما هو أوجب الواجبات وهو تعلم ما افترض الله عليكم لتحفظوا أنفسكم من الحرام ولتؤدوا ما أوجب الله عليكم، فعلم الدين أقوى حصن لكم تحفظون به أنفسكم من مخاطر الكفر الذي هو أشد المصائب، إذ ما سوى ذلك من البلايا أهون بكثير، ومما يساعد على تحصين النفس مصاحبة أهل الدين والصلاح وحضور مجالس الأخيار فبهذا يعم الخير ويبارك فيكم ويبتعد الشيطان عنكم "فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".
أسأل الله تعالى السعادة لنا ولكم في هذه الدنيا وفي الآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله.