شجرة لأنبياء

قال الله تعالى: {وزكريا إذ نادى ربَّهُ ربِّ لا تَذَرني فردًا وأنتَ خيرُ الوارثين} [سورة الأنبياء]، وقال تعالى: {وزكريا ويحيى وعيسى وإلياسَ كُلٌّ مِنَ الصالحين} [سورة الأنعام].

 

نسبه عليه السلام

 

قيل: هو زكريا بن دان بن مسلم بن صدوق إلى أن يصل نسبه إلى سليمان بن داود الذي يتصل نسبه بـ يهوذا بن يعقوب، فهو من أنبياء بني إسرائيل، وقد ورد في الحديث الشريف أنه كان نجارًا، ويقال: زكريا بالقصر، ويقال: زكرياء بالمد.

 

عدد المرات التي ذكر فيها في القرءان الكريم

 

ذكر اسم زكريا في القرءان الكريم ثماني مرات، وذكرت قصته مع شيء من التفصيل في سورة ءال عمران وسورة مريم.

 

مقدمة في رسالته عليه السلام

 

بعث الله تعالى زكريا عليه الصلاة والسلام رسولاً إلى بني إسرائيل، فقام عليه السلام يدعو قومه إلى دين الله الإسلام وعبادة الله وحده ويخوفهم عذابه في وقت اشتد فيه الفسق والفجور وانتشرت فيهم المفاسد والمنكرات، وتسلط فيه على الحكم ملوك فسقةٌ ظلمة جبابرة يعيثون في الأرض فسادًا ويفعلون الموبقات والجرائم ولا يراعون حرمة لنبيهم، وكان هؤلاء الملوك قد تسلطوا على الصالحين والاتقياء والأنبياء حتى سفكوا جماءهم، وكان أعظمهم فتكًا وإجرامًا الملك "هيرودس" حاكم فلسطين الذي أمر بقتل يحيى بن زكريا إرضاءً لرغبة عشيقته كما سيأتي في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام.

لقي زكريا عليه السلام من بني إسرائيل وحكامهم وناله من قومه الأذى الكثير، وتوالت عليه الأهوال العظام والشدائد الثقال فصبر عليه السلام الصبر الجميل حتى وهن العظم منه وضعف وخار واشتعل الشيب في رأسه. وقد كان زكريا قبل أن يكرمه الله بالرسالة ويختاره لإنقاذ بني إسرائيل من الشقاوة والضلال من كبار الصالحين الربانيين الذين لهم شركة في خدمة الهيكل، ثم نبأه الله تعالى وجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، وكان عمران والد مريم إمامهم وسيدهم.

يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن نبيه زكريا: {إذْ نادى ربَّهُ نداءً خَفيًّا* قالَ ربِّ إنِّي وهنَ العظمُ منِّي واشتعلَ الرَّأسُ شيبًا ولم أكُنْ بدُعائِكَ ربِّ شقيًّا} [سورة مريم].

 

كفالة زكريا عليه السلام لمريم أم نبي الله عيسى عليهم السلام

 

كان نبي الله زكريا عليه السلام متزوجًا بإشياع أخت مريم وهذا قول الجمهور، وقيل زوج خالتها إشياع والله أعلم. وكانت حنة زوجة عمران من الصالحات العابدات قد كبِرت وعجزت ولم تلد ولدًا، فبينما هي في ظل شجرة إذ أبصرت طائرًا يطعم فرخًا له، فاشتهت الولد ودعت الله تعالى أن يهبها ولدًا، ونذرت إن رزقها الله تعالى ولدًا أن تجعله من سَدَنة بيت المقدس وخدمه، وحررت ما في بطنها ولم تكن تعلم ما هو، وكان النذر المحرر عندهم هو أن يجعل الولد لله يقوم بخدمة المسجد ولا يبرح منه حتى يبلغ الحلم فإذا بلغ خيّر، فإن أحب أن يقيم فيه أقام وإن أحب أن يذهب ذهب حيث شاء. ثم مات عمران زوج حنة وهي حامل بمريم عليها السلام، فلما وضعت حملها إذا هو أنثى، يقول الله تعالى إخبارًا عن أم مريم حنة قالت: {ربِّ إنِّي وضَعتُها أنثى واللهُ أعلَمُ بما وضَعتُ وليسَ الذَّكرُ كالأنثى} [سورة ءال عمران] قيل: هذا من تمام اعتذارها، ومعناه لا تصلح الأنثى لما يصلح له الذكر من خدمته المسجد والإقامة فيه لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس، ويقول تعالى حكاية عنها أيضًا: {وإنِّي سَمَّيتُها مريمَ وإنِّي أُعيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيطانِ الرجيم} [سورة ءال عمران].

وعندما ولدت "حنة" زوجة عمران مريم عليها السلام لفّتها في خرقة وحملتها وانطلقت بها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار العلماء أبناء هارون، وكانوا يلون من بيت المقدس ما يلي بنو شيبة من الكعبة المشرفة وقالت لهم: "دونكم هذه المنذورة" فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وسيدهم عمران الذي كان من علماء بني إسرائيل الصالحين وكانوا يقترعون على الذين يؤتون بهم إلى المسجد لخدمته، فقال زكريا عليه السلام وكان نبيهم يومئذ: أنا أحق بها لأن خالتها عندي، وذلك أن الخالة كما ورد في الحديث بمنزلة الأم، فأبوا وطلبوا الاقتراع عليها وقالوا: نطرحُ أقلامنا في النهر الجار قيل هو نهر الأردن فمن صعد قلمه فوق الماء فهو أحق بها، فذهبوا إلى ذلك النهر وألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا عليه السلام وكفلها وضمنها إلى خالتها "أم يحيى" واسترضع لها حتى كبرت ووضعها في غرفة في المسجد لا يرقى إليها إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره، وكان يغلق عليها الباب ومعه المفتاح لا يأمن عليه أحدًا، وكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله لتكون مع خالتها "أم يحيى"، وقد كان نبي الله زكريا عليه السلام يرى من عجائب قدرة الله تعالى من الكرامات في حفظ هذه السيدة الطاهرة العفيفة ما يبهر العقول، يقول الله تبارك وتعالى: {فَتَقبَّلها ربُّها بقبولٍ حَسَنٍ وأنبتها نباتًا حَسَنًا وكفَّلَها زكريا كُلَّما دخلَ عليها زكريا المحرابَ وجدَ عندها رِزقًا قالَ يا مريمُ أنَّى لكِ هذا قالتْ هُوَ مِنْ عندِ اللهِ إنَّ اللهَ يرزُقُ مَن يشاءُ بغيرِ حساب} [سورة ءال عمران].

كان نبي الله زكريا عليه السلام إذا دخل على مريم عليها السلام في المحراب وهو معبدها الذي تعبد فيه الله تعالى وهو سيد المجالس وأشرفها في المسجد يجد عندها من الرزق وهو الفاكهة ما لا يوجد مثله في البلد أو عند سائر الناس، فقد كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وهذه من الكرامات التي يُكرم الله تعالى بها أولياءه الأولياء والوليّات.

وقد كانت السيدة الجليلة مريم عليها السلام من الصالحات العابدات تقوم بالعبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يُضرب بها المثل بالعبادة والطاعة في بني إسرائيل، ولقد اشتهرت هذه السيدة الطاهرة العفيفة بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة.

 

دعاء زكريا عليه السلام ربه وسؤاله الولد في حال كبره

 

كان نبي الله زكريا عليه السلام قد تقدمت به السن وانتشر الشيب في رأسه وبلغ من الكبر عتيًا، وكانت امرأته عاقرًا لا تلد، فلما رأى من ءايات الله الباهرات عاين هذه الآية والكرامة العجيبة من رزق الله تعالى لمريم أم عيسى عليهما السلام الفاكهة في غير حينها، هنالك رغب في الولد على الكِبر، فطلب من ربه أن يرزقه غلامًا تقيًا يرثه في العلم والنبوة ويعلم الناس الخير، يقول الله تبارك وتعالى: {هُنالِكَ دَعَا زكريَّا ربَّهُ قالَ ربِّ هَبْ لي مِن لدُنْكَ ذُرِّيَّةً طيِّبةً إنَّكَ سميعُ الدُّعاء} [سورة ءال عمران].

وقال تعالى إخبارًا عنه أيضًا: {وإنِّي خِفتُ المواليَ مِنْ ورائي وكانتِ امرأتي عاقرًا} [سورة مريم] وقيل: المراد بـ"الموالي" العصبة، وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله تعالى وطاعته.

وقال تعالى إخبارًا عنه أيضًا: {فَهَبْ لي مِنْ لدُنكَ وليًا* يَرِثُني ويرثُ مِنْ ءال يعقوبَ واجعلهُ ربِّ رَضِيًّا} [سورة مريم]، قيل: أي يرثني في العلم والنبوة والحكم في بني إسرائيل، يعني كما كان ءاباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب، وليس المراد هاهنا وراثة المال.

وبعدما دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ولدًا صالحًا تقيًا بشره الله تبارك وتعالى بواسطة الملائكة وهو قائم في محراب المسجد يصلي لله تعالى "بيحيى" نبيًا من الصالحين، قال الله عز وجل: {فنادَتْهُ الملائكةُ وهُوَ قائمٌ يُصَلِّي في المِحرابِ أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بيَحيى مُصَدِّقًا بكلمةٍ مِنَ اللهِ وسيِّدًا وحصورًا ونبيًّا مِنَ الصالحين} [سورة ءال عمران]، وقال تعالى: {يا زكريَّا إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغلامٍ اسمُهُ يحيى لم نجعلْ لهُ مِنْ قبلُ سَمِيًّا} قيل: أي لم يكن قبله من تَسمى بهذا الاسم.

ولما بُشِّر نبي الله زكريا عليه السلام بالغلام وبتحقيق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد له وليس على وجه الشك في قدرة الله تعالى على ذلك، فالأنبياء كلهم عارفون بالله تعالى ويعلمون يقينًا أن الله عز وجل على كل شيء قدير، قال الله تبارك وتعالى إخبارًا عن نبيه زكريا: {قالَ ربِّ أنَّى يكونُ لي غُلامٌ وكانَتْ امرأتي عاقِرًا وقدْ بلغتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا} [سورة مريم] يعني نحول العظم، والمعنى أنه قد كبر وعتا أي عسا عظمه ونحل، وقد قيل: إن زكريا عليه السلام كان عمره ءانذاك تسعًا وتسعين سنة وكان عمر زوجته ثمانيًا وتسعين سنة وكانت عاقرًا لا تلد، وهكذا أجيب زكريا عليه الصلاة والسلام وقال له الملك الذي يوحي إليه بأمر الله ما أخبر الله به في قوله: {قالَ كذلِكَ قالَ ربُّكَ هُوَ علَيَّ هَيِّنٌ وقدْ خلقتُكَ من قبلُ ولمْ تَكُ شيئًا} [سورة مريم].

أي أن إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها هيّن يسير وسهل على الله تعالى الذي هو على كل شيء قدير. ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه قال تعالى: {وقدْ خلقتُكَ مِنْ قبلُ ولمْ تكُ شيئًا} أي خلقتك ولم تكن شيئًا مذكورًا أفلا يوجد منك ولد وقد كنت شيئًا مذكورًا، جلّ الله الخالق الذي هو على كل شيء قدير. ولما بشَّر الملكُ زكريا عليه السلام "بيحيى" عليه السلام نبيًا من الصالحين طلب من الله جل جلاله أن يجعل له علامة على وجود الحمل من امرأته بهذا الولد المُبشر به، قال الله تعالى إخبارًا عن نبيه زكريا عليه السلام: {قالَ ربِّ اجعَلْ لي ءايةً قالَ ءايتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثَ ليالٍ سويًّا} [سورة مريم].

فاستجاب الله تبارك وتعالى سؤاله وجعل علامة وجود الحمل أن لا يكلم الناس ثلاث ليال إلا رمزًا من غير علة ولا خرس، فقد كان يكلم الناس بيده وبالإشارة من غير علة ولا خرس ولا مرض ولا ءافة، فإذا أراد عليه السلام أن يذكر الله انطلق لسانه بمشيئة الله وقدرته الذي ينطق من يشاء.

وخرج نبي الله زكريا وخرج نبي الله زكريا عليه السلام على قومه من محرابه مسرورًا بالبشارة التي بشّره الله تبارك وتعالى بها بواسطة الملك جبريل عليه السلام، قال تعالى: {فأوحى إليهم أنْ سَبِّحوا بُكرةً وعشِيًّا} [سورة مريم]، وقيل: الوحي ههنا هو الامر الخفي إما بكتابة أو بإشارة، وقيل: إن سيدنا زكريا عليه السلام خرج إلى قومه ورمز إليهم وأشار إليهم ءامرًا بالصلاة بكرة وعشيًا. وقد أخبرنا الله تبارك وتعالى عن عبده زكريا عليه السلام حين طلب منه أن يهبه ولدًا صالحًا وليًا نبيًا يحكم في بني إسرائيل أنه استجاب له قال الله تبارك وتعالى: {وزَكريَّا إذْ نادى ربَّهُ ربِّ لا تَذَرني فردًا وأنتَ خيرُ الوارثينَ* فاستَجَبْنا لهُ ووهبنا لهُ يحيى وأصلَحْنا لهُ زوجَهُ} [سورة الأنبياء].

 

وفاة نبي الله زكريا عليه السلام

 

مات نبي الله زكريا عليه السلام قتلاً فقد قتله اليهود المجرمون، وقيل في سبب قتله: إنه لما شاع الخبر في بني إسرائيل أن مريم عليها السلام حامل اتهمها بعض الزنادقة بيوسف النجار الذي كان يتعبّد معها في المسجد، واتهمها ءاخرون بزكريا عليه السلام لذلك عزموا على قتله، فأمسكوا به ثم نشروه بالمنشار، وقتل عليه السلام ظلمًا بأيدي اليهود المجرمين ومات شهيدًا صلى الله عليه وسلم.

وقيل في سبب قتله قولٌ ءاخر وهو أنه لما قُتل ابنه نبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام بأمر الملك الظالم حاكم فلسطين "هيرودس"، أرسل هذا الملك في طلب أبيه زكريا عليه السلام فاستخفى عليه السلام منهم، فدخل بستانًا ومر بشجرة عند بيت المقدس فنادته الشجرة بمشيئة الله: هلُمَّ إليّ يا نبي الله، فلما أتاها عليه السلام انشقت بقدرة الله ومشيئته فدخلها فانطبقت عليه وبقي عليه السلم في وسطها، فأتى عدو الله إبليس اللعين فأخذ هُدْبَ رداء زكريا عليه السلام فأخرجه من لشجرة ليصدقوه إذا أخبرهم، ثم لقي القوم الذين خرجوا في طلب زكريا عليه السلام وكان متشكلاً لهم بصورة رجل فقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: نلتمس زكريا، فقال لهم: إنه سحَر هذه الشجرة فانشقت له فدخلها، فقالوا له: لا نصدقك! قال لهم: فإنّ لي علامة تصدقونني بها، فأراهم طرف ردائه فأخذوا الفؤوس وقطعوا الشجرة وشقوها بالمنشار فقتل نبي الله زكريا فيها ومات شهيدًا، وقد سلط الله تبارك وتعالى عليهم أخبث أهل الأرض فانتقم منهم، والله عزيز ذو انتقام.

وقد أخبرنا الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم عن إجرام اليهود وقتلهم الانبياء قال تعالى: {أفكُلَّما جاءَكُم ؤسولٌ بما لا تهوى أنفُسكم استَكْبَرتُم ففريقًا كذَّبتُم وفريقًا تقتُلون} [سورة البقرة].

وقال الله تعالى إخبارًا عن هؤلاء اليهود الكفرة قتلة اليهود: {فبِما نَقْضِهِم ميثاقَهُم وكُفرهِم يآياتِ اللهِ وقتلهِمُ الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ وقولِهِم قُلوبنا غُلْف بلْ طبعَ اللهُ عليها بِكُفرِهِم فلا يؤمِنونَ إلا قليلاً} [سورة النساء].

 

قال الله تعالى: {ووهبنا لِداودَ سُليمانَ نِعْمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص].

 

نسبه عليه السلام

 

هو سليمان بن داود بن ايشا بن عويد بن عابر حتى ينتهي نسبه إلى يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وهو أحد أنبياء بني إسرائيل، وقد رزقه الله النبوة والملك وأعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فكان ملكه واسعًا وسلطانه عظيمًا.

 

عدد المرات التي ذكر فيها في القرءان الكريم

 

ذكر اسم سليمان عليه السلام في القرءان الكريم في ست عشرة ءاية وفي سبع سور، وقد ذكر الله تعالى في القرءان الكريم وفي ءايات كثيرة الكثير من النعم المترادفة عليه وعلى أبيه داود عليهما السلام يظهر فيها عظيم فضله تعالى عليهما.

 

وراثة سليمان داود في النبوة والملك

 

يقول الله تبارك وتعالى: {وَوَرثَ سُليمانُ داودَ وقالَ يا أيُّها الناسُ عُلِّمنا مَنْطِقَ الطَّيرِ وأوتينا مِن كُلِّ شيءٍ إنَّ هذا لهُوَ الفضلُ المُبين} [سورة النمل].

ومعنى قوله تعالى:{وورِثَ سُليمانُ داودَ} أي ورثه في المُلك والنبوة وليس المراد أنه ورثه في المال لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" أي أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم بل تكون أموالهم صدقة من بعدهم.

 

صفته وذكاؤه وجودة رأيه في الحكم والقضاء

 

كان نبي الله سليمان عليه السلام أبيض جسيمًا، كثير الشعر، يلبس من الثياب البياض ورث الملك عليه السلام وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة وقد كان مع حداثة سنِّه من ذوي الفطانة والذكاء وحسن التدبير والسياسة، وقد منحه الله تبارك وتعالى منذ صباه الذكاء والحكمة وحسن القضاء، فقد كان أبوه في أيام ملكه يشاوره في أموره مع حداثة سنه لحكمته وفطانته. وقد ذكر القرءان الكريم طرفًا من ذلك النبوغ والذكاء الذي كان عند سليمان عليه السلام وذلك في قصة الحرث والزرع الذي نفشت فيه الغنم أي رعت فيه ليلاً، فاستفتى داود عليه السلام فأفتى فيها بوجه وأفتى فيها ابنه سليمان بوجه ءاخر، ووفق سليمان عليه السلام إلى الحكم الاقوم عليهما الصلاة والسلام.

قال الله تبارك وتعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ* فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [سورة الأنبياء].

وتفصيل هذه القصة أن زرعًا لقوم دخلت فيه غنمٌ لقوم ءاخرين ليلاً فأكلته وأفسدته، فجاء المتخاصمون إلى داود عليه السلام وكان عنده ابنه سليمان وقصوا عليه القصة، فحكم نبي الله داود بالغنم لصاحب الزرع عِوضًا عن حرثه الذي أتلفته الغنم ليلاً، فقال سليمان عليه السلام: أو غير ذلك؟ قال: ما هو؟ قال: "تدفعُ الغنمُ إلى أهل الحرث فينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها، وتدفعُ الحرث إلى أهل الغنم يقومون بإصلاحه حتى يعود كما كان، ثم يترادان بعد ذلك فيعود لأهل الغنم غنمهم ولأهل الحرث حرثهم" وكان ما أفتى به سليمان أقرب للصواب وأضمن للحق فقال داود عليه السلام: قد أصبت القضاء، ثم حكم بذلك.

ومما يدل أيضًا على حكمة وفطانة نبي الله سليمان عليه السلام وجودة رأيه في الحكم والقضاء ما جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر، فقالت الكبرى: إنما ذهب بابنك، وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى فخرجتا على سليمان فقال: ائتوني بسكين أشقه بينكما نصفين لكل واحدة منكما نصفه فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها" رواه البخاري ومسلم. ولما قال سيدنا سليمان عن الغلام: "أشقه" كان ذلك منه على وجه العرض والاستفهام وهو يعتقد أنها تقول "لا"، ويكفر من ظن أنه أمر بشقه نصفين.

 

سياسة سليمان عليه السلام وبناؤه لبيت المقدس

 

قام سليمان عليه السلام بعمارة بيت المقدس تنفيذًا لوصية أبيه داود عليه السلام بعد أربع سنين من توليه الملك وأنفق في ذلك أموالاً كثيرة وانتهى من بنائه بعد سبع سنين، وأقام السور حول مدينة القدس. وقد كان ءادم عليه السلام أول من بنى المسجد الأقصى بناه بعد أربعين سنة من بنائه المسجد الخرام كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام.

روى النسائي وابن ماجه وأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز وجل خلالاً ثلاثًا فأعطاه اثنين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة: سأله حُكمًا يُصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطاه إياه".

ولما انتهى سليمان من تجديد بناء بيت المقدس، بنى الهيكل أي القصر الملكي وقد أتم بناءه في مدة ثلاث عشرة سنة، وكان لسيلمان عليه السلام اهتمام عظيم بالإصلاح والعمران وكان له أسطول بحري كبير له عناية كبيرة بالخيل يُروّضها ويُعدها للجهاد في سبيل الله في الحروب، وكانت لسليمان مجموعة كبيرة من النساء الحرائر والسراري حيث لم يكن في شريعته تحديد لعدد الزوجات، روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لرزق في سبيل الله فرسانًا أجمعون" قال تعالى: {ولقد فَتَنَّا سليمانَ وألقَيْنا على كُرسيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ} [سورة ص]. ومن هذا الحديث يعلم أن أنبياء الله عندما يكثرون الزوجات تكون نيتهم خالصة لله لما فيه مصلحة الدعوة وأن يرزقوا ذرية صالحة تجاهد في سبيل الله، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم عدّد الزوجات لحكم عظيمة تعود لمصلحة الدعوة ونشر الإسلام ولم يكن نبي منهم متعلق القلب بالنساء.

 

نعم الله تعالى على سليمان عليه السلام

 

قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ* وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [سورة النمل].

أكرم الله عز وجل عبده ونبيه سليمان عليه السلام بنعم كثيرة وخصه بمزايا رائعة كانت عنوانًا للعظمة والمجد ومظهرًا من مظاهر المُلك العظيم والجاه الكبير والدرجة العالية عنه الله سبحانه، فقد فضّله الله تعالى بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإنس، وأعطاه الله عز وجل علمًا بالقضاء وتسبيح الجبال.

وقد علمه الله تبارك وتعالى منطق الطير ولغته وسائر لغات الحيوانات فكان يفهم عنها ما لا يفهمه سائر الناس، وكان يتحدث معها أحيانًا كما كان الأمر مع الهدهد والنمل، قال الله عز وجل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} [سورة النمل] أي من كل شيء يجوز أن يؤتاه الأنبياء والناس، وقيل إن نبي الله سليمان عليه السلام أعطي ملك مشارق الارض ومغاربها.

وقد سخر الله تبارك وتعالى لنبيه سليمان عليه السلام الريح فكانت تنقله إلى أي أطراف الدنيا شاء، قال الله عز وجل: {فسَخَّرنا لهُ الريحَ تجري بأمرِهِ رُخاءً حيثُ أصابَ} [سورة ص]، وقال تعالى: {ولسُليمانَ الريحَ عاصفةً تجري بأمرِهِ إلى الأرضِ التي باركنا فيها وكُنَّا بكُلِّ شيءٍ عالمين} [سورة الأنبياء].

والمعنى أن الله تعالى سخر لعبده سليمان الريح عاصفة أي شديدة الهبوب، تجري بأمر سليمان فتسير به إلى حيث شاء ثم تعود به إلى منزله بالشام.

وقال الله تعالى: {ولسُليمانَ الريحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرواحها شهرٌ} [سورة سبإ] أي أنها تقطع به أول النهار مسيرة شهر، وبعد الظهر مسيرة شهر.

ويقال إنه كان لنبي الله سليمان عليه السلام بساط مركب من أخشاب بحيث أنه يسعُ جميع ما يحتاج إليه من الدُّور المبنية والقصور والخيام والامتعة والخيول والجمال والأثقال والرحال وغير ذلك من الحيوانات والطيور، فإذا أراد سفرًا أو قتال أعداء من أيّ بلاد الله شاء، حمل الأشياء كلها على هذا البساط وأمر الريحَ فدخلت تحته فرفعته وسارت به مُسرعة بإذن الله إلى أي مكان شاء بمشيئة الله تعالى وقدرته.

ومن نِعم الله تبارك وتعالى على سليمان عليه السلام أن سخّر له الجن ومَردة الشياطين يغُوصون له في البحار لاستخراج الجواهر واللآلئ ويعملون له الأعمال الصعبة التي يعجز عنها البشر، كبناء الصروح الضخمة والقصور العالية والقدور الضخمة العالية الثابتة والجفان التي تشبه الاحواض الكبيرة، يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {ومِنَ الجِنِّ مَن يعمَلُ بينَ يديهِ بإذنِ ربِّهِ ومَن يَزِغْ عَنْ أمرِنا نُذِقهُ مِنْ عذابِ السَّعير} أي وسخّر الله عز وجل له من الجن عُمالاً يعملون له ما يشاء لا يخرجون عن طاعته ومن خرج منهم عن امره وطاعته عذبه ونكل به.

ثم بيّن الله تعالى ما كانت تصنع الجن لنبيه سليمان عليه السلام فقال عز وجل: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سورة سبإ].

وقد جعل الله تعالى لنبيه سليمان عليه السلام سُلطة عالية على جميع الشياطين من الجن يسخر من يشاء منهم في الأعمال الشاقة، ويقيد من يشاء في الأغلال ليكف شرهم عن الناس، يقول الله عز وجل: {والشَّياطينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وغَوَّاصٍ* وءاخَرينَ مُقَرَّنينَ في الأصفاد} [سورة ص] أي الأغلال.

ومن نعم الله تعالى على سليمان عليه السلام أن أسال له عين القِطر وهو النحاس المُذاب، فكان النُحاسُ يتدفّق رقراقًا مُذابًا لسليمان عليه السلام كتدفق الماء العذب، فيصنع منه سليمان عليه السلام ما يشاء من غير نار وكانت تلك العين في بلاد اليمن، يقول الله تبارك وتعالى: {وأرسَلنا لهُ عينَ القِطرِ} [سورة سبإ].

ومن نعم الله تعالى على سليمان عليه السلام أن جُنْدهُ كان مؤلفًا من الجن والإنس والطير، وكان لسليمان عليه السلام قد نظّم لهم أعمالهم ورتب لهم شئونهم، فكان إذا خرج خرجوا معه في موكب حافل مهيب يُحيط به الجند والخدم من كل جانب، فالإنس والجن يسيرون معه سامعين مطيعين خاضعين، والطير بأنواعها تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش نقباء ورؤساء يديرون وينظمون الفرق في عرض رائع وموكب مَلِكي حافل لم تر العين مثله، وهذا كله من فضل الله تعالى على عبده ونبيه سليمان عليه السلام الذي كان عبدًا مطيعًا أوّابًا داعيًا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وكان من عباد الله الشاكرين، يقول الله تعالى: {ووهبنا لداودَ سليمانَ نِعْمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص]، ويقول تعالى: {اعمَلوا ءالَ داودَ شُكرًا وقليلٌ مِنْ عباديَ الشَّكورُ} [سورة سبإ].

 

سليمان عليه السلام والنملة

 

يقول الله تبارك وتعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ* فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [سورة النمل].

يُخبرنا الله تبارك وتعالى عن عبده ونبيه سليمان عليه السلام أنه ركب يومًا في جيشه المؤلف من الجن والإنس والطير {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [سورة النمل].

فهذه النملة تكلمت بصوت أمرت فيه أمة النمل في ذلك الوادي أن يدخلوا مساكنهم حذرًا من أن يحطمهم سليمان عليه السلام وجنوده أثناء سيرهم واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور، وقد ألهم الله عز وجل تلك النملة معرفة نبيه سليمان عليه السلام كما ألهم النمل كثيرًا من مصالحها، فمن ذلك أنها عندما تجد حبوبًا رطبة تحملها وتجففها في الهواء الطلق وتحت أشعة الشمس ثم تقوم بعد ذلك بتدخيرها في مساكنها تحت الأرض.

ومن ذلك أنها تكسر كل حبة تدخرها قطعتين لئلا تنبت، إلا الكزبرة فإنها تكسرها أربع قطع لئلا تنبت، لأن الكزبرة تنبت إذا كسرت قطعتين ولا تنبت إذا كسرت أربع قطع، فسًبحان من ألهمها هذا، وسبحان الخالق الحكيم.

والمقصود أنَّ سليمان عليه الصلاة والسلام سمع كلام النملة وفهم ما خاطبت به تلك النملة أمة النمل وما أمرت به وحذّرت، وتبسَّم من قولها على وجه الفرح والسرور بما أطلعه الله عز وجل عليه من كلام النملة دون غيره، ولهذا قال متضرعًا إلى خالقه: {ربِّ أوزِعني} أي ألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [سورة النمل] فطلب عليه الصلاة والسلام من ربه وخالقه أن يُقيضَه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى والديه، وعلى ما خصه به من نعم دون غيره من الناس وأن يُيَسِّر له العمل الصالح، وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين، وقد استجاب الله تعالى دعاء عبده سليمان بن داود عليهما السلام فكان من عباد الله الشاكرين مع ما أعطاه الله عز وجل من نعم كثيرة ومُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده.

والمراد بوالديه داود عليه السلام وأمه، وكانت أمه من العابدات الصالحات تؤدي الواجبات وتجتنب المحرمات وتكثر من قيام الليل في طاعة الله عز وجل، وهي التي قالت لابنها سليمان عليه السلام: يا بُنَيّ لا تكثر النومَ بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيرًا يوم القيامة.

فائدة: روى الحاكم في المستدرك بالإسناد أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خرج نبيٌّ من الأنبياء فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه شأن النملة"، وقد رواه عبد الرزاق عن الزهري أن سليمان بن داود خرج هو وأصحابه يستقون فرأى نملة قائمة رافعة إحدى قوائمها تستقي فقال لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم، إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها.

 

قصة سليمان عليه الصلاة والسلام مع بلقيس ملكة سبأ

 

قص الله تبارك وتعالى علينا في القرءان الكريم قصة نبيه سليمان عليه السلام مع "بلقيس" ملكة سبأ في اليمن، وهي قصة رائعة فيها حكم كثيرة وفيها مغزى دقيق للملوك والعظماء، وفيها بيان لسعة مًلك سليمان عليه الصلاة والسلام حيثُ امتد من بيت المقدس إلى أقاصي اليمن ودانت له الملوك والأمراء، وقد اتخذ نبي الله سليمان عليه السلام المُلك وسيلة للدعوة إلى دين الإسلام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يترك ملكًا كافرًا ظالمًا إلا ودعاه إلى الدخول في دين الله الإسلام وعبادة الله تعالى وحده، فمن لم يستجب لدعوته كان السيف هو الحكم الفصل، وهكذا انتشر دين الله في أقطار المعمورة وعمّ أرجاء الدنيا.

وتبدأ قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ عندما فصل سليمان عليه السلام عن وادي النمل حيث وقع سليمان مع جنوده في أرض جدباء لا ماء فيها فعطش الجيش فسألوه الماء، وكانت وظيفة الهدهد في جيشه أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء واحتاجوا إليه في القفار والصحارى في حال الأسفار أن يجئ الهدهد فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء، وكان الهدهد يدله على الماء بما خلق الله تعالى له من القوة التي أودعها فيه حيث كان ينظر إلى الماء تحت تخوم الارض، وكان يرى الماء في الارض كما يرى الماء في الزجاجة بمشيئة الله تعالى، فكان الهدهد إذا دلّهم على الماء وقال: ههنا الماء، شقَّقت الشياطين الصخر وفجّرت العيون، واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم.

فعندما عطش جيش سليمان عليه السلام واحتاجوا إلى الماء تنفقّد الطير فلم يره بينهم ولم يجده، فأخذ يتهدده بالذبح أو التعذيب إلا إذا أتاه بعذر مقبول عن سبب تخلفه، يقول الله تبارك وتعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [سورة النمل].

ثم أقبل الهدهد إلى سليمان عليه السلام، فلما سأله عن غيبته أخبره بأنه اطلع على ما لم يطلع عليه، وأخبره بخبر يقين صادق وهو أنه كان في اليمن في بلدة سبأ وأنّ هناك ملكة على هذه البلاد تُدعى "بلقيس" قد ملكت على تلك الأمة في اليمن وأوتيت من كل شيء يُعطاه الملوك ويؤتاه الناس، ولها عرش عظيم مزخرفٌ بأنواع الزينة والجواهر مما يبهر العيون، ثم ذكر لسليمان عليه السلام كفرهم بالله تعالى وعبادتهم الشمس والسجود لها من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصدهم عن عبادة الله تعالى، الذي يُخرج الخَبْءَ والمُستتر في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون وهو رب العرش العظيم، قال الله تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ* إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ* وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ* أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [سورة النمل].

فعند ذلك بعث سليمان عليه السلام كتابًا ليوصله إلى هذه الملكة مختبرًا صدق الهدهد، وكان هذا الكتاب يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله ورسوله والخضوع لملكه وسلطانه قال تعالى: {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ* اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [سورة النمل].

وحمل الهدهد كتاب سليمان عليه السلام وجاء إلى قصر بلقيس فألقاه إليها وهي على سرير عرشها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتاب سليمان عليه السلام، وأخذت الملكة "بلقيس" الكتاب فقرأته ثم جمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها ثم قالت: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} ما أخبر الله به في هذه الآية {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ} [سورة النمل] أي أن الكتاب من عنده {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}. ثم شاورتهم في أمرها وما قد حلّ بها وخاطبتهم بمضمون هذه الآية {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [سورة النمل] تعني ما كنت لأبتّ أمرًا إلا وأنتم حاضرون، فأخذت رجال دولتها العزة بالإثم وثارت فيهم الحماسة للقتال و{قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي لنا قوة على القتال ثم قالوا لها بعد أن عرّضوا لها بالقتال {وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [سورة النمل]، ففكرت بلقيس بالأمر مليًا وبروية ولم تتحمس كتحمسهم واندفاعهم وكان رأيها أتمّ وأسد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب قوي السلطان يغلب أعداءه ولا يخالف ولا يُخادع و{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [سورة النمل] تعني أن هذا الملك لو غلب على هذه المملكة لم يخلص الامر من بينكم إلا إليّ ولم تكن الشدة والسطوة البليغة إلا عليّ.

ثم عرضت بلقيس على رجال دولتها ووزرائها رأيًا وجدته أقرب إلى حلّ تلك القضية المستجدّة، وهي أن ترسل إلى سليمان عليه السلام هدية تصانعه بها وتستنزل مودته بسببها وتُحمّل هذه الهدية لرجال دهاة من رجالها حتى ينظروا مدى قوة سليمان عليه السلام، ثم بعد ذلك تقرر ما ستفعله في أمر سليمان على ضوء ما يأتيها من أخبار عن سليمان عليه السلام وقوته، يقول الله تعالى إخبارًا عن بلقيس: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [سورة النمل].

وأرسلت "بلقيس" رجالها بهدية تحتوي على الحليّ والجواهر غالية الثمن، فلما جاؤا سليمان عليه السلام ووضعوا بين يديه هدية بلقيس لم يقبلها، وأظهر لهم أنه ليس بحاجة إلى هديتهم وأن الله سبحانه وتعالى أنعم عليه بنعم كثيرة تفوق بكثير ما أنعم عليهم، ثم توعدهم وملكتهم بأن يرسل إلى بلادهم بجنود لا قدرة لهم على قتالهم ويخرجهم من بلادهم أذلة صاغرين يقول الله تعالى: {فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة النمل].

 

 عرش بلقيس عند سليمان وكرامة لأحد أتباعه المؤمنين

 

لما رجعت رُسل بلقيس إليها أخبروا ملكتهم بخبر سليمان عليه السلام، ووصفوا لها ما شاهدوه من عظمة مُلك سليمان عليه السلام وكثرة جنده وقوة بأسه، وأخبروها بأنه رد الهدايا إليها ولم يرض المصانعة، وأنه مصمم على غزو بلادهم بجيش كبير عرمرم لا قدرة لهم عليه، ولما سمعت الملكة "بلقيس" أخبار رسلها عن سليمان عليه السلام وعظيم ملكه أيقنت بعظم سلطانه ومهابته وعدم طاقتها على مقاومته، فبعثت إليه: إني قادمة إليك لانظر ما تدعو إليه، ثم أمرت بعرشها فجعل وراء سبعة أبواب، ووكلت به حرسًا يحفظونه وسارت إلى سليمان عليه السلام بجيش كبير مع رجالها وجماعتها.

وكان نبي الله سليمان عليه السلام عظيم الهيبة كثيرًا ما كان الناس لا يبدأونه بشيء حتى يسأل هو عنه فجلس يومًا على سرير ملكه فرأى رهجًا قريبًا منه فقال: ما هذا؟ فقالوا: "بلقيس" قد نزلت بهذا المكان وكان قدر فرسخ، وكان قد بلغه أن بلقيس عملت هلى حراسة عرشها قبل خروجها، فلما علم سليمان عليه السلام بقدومها إليه، شيّد لها قصرًا عظيمًا من زجاج وجعل في ممره ماء وجعل عليه سقفًا من زجاج، وجعل فيه السمك وغيره من دواب الماء بحيث يخيل للناظر أنه في لجة من الماء.

وأراد سليمان عليه السلام أن يظهر لبلقيس من دلائل عظمته وسلطانه ما يبهرها وأن ترى بعينها ما لم تره من قبل قط، وهو أن ياتي بعرشها إلى قصره ليكون جلوسها عليه في ذلك الصرح العظيم دليلاً باهرًا على نبوته لأنها خلفته في قصرها واحتاطت عليه، فأمر عليه السلام جنوده وخواصه أن يخبروه عن مخلوق قوي ليأتيه بعرش بلقيس، فتطوع عفريت قوي من الجن وأخبره أنه قادر على إحضار عرش بلقيس في مدة قصيرة لا تتجاوز نصف نهار، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن سليمان عليه السلام: {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ* قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} [سورة النمل] أي مجلسك، وكان سليمان عليه السلام يجلس للقضاء بين الناس من وقت الفجر إلى نصف النهار، ثم قال له: {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [سورة النمل] أي وإني لذو قدرة على إحضاره إليك وذو أمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة.

وكان هناك عند سليمان عليه السلام رجل من أهل الإيمان مشهور بالتقوى والولاية أعطاه الله معرفة اسمه الأعظم ويدعى ءاصف بن برخيا ويقال إنه ابن خالة سليمان فقال لسليمان عليه السلام ما أخبر الله تعالى بقوله: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [سورة النمل] أي قبل أن يرجع إليك بصرك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته، وكان الأمر كما قال وإذا بعرش بلقيس بعظمته وحليّه قائم وحاضر في القصر أمام نبي الله سليمان عليه السلام، فلما رأى سليمان عليه السلام عرش بلقيس عنده في هذه المدة القريبة قال ما أخبر الله به عنه في هذه الآية في قوله: {قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [سورة النمل] أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [سورة النمل] أي يعود نفع ذلك عليه {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [سورة النمل] أي ترك الشكر.

ثم أمر نبي الله سليمان عليه السلام أن يغير بعض معالم العرش ليمتحن بها قوة ملاحظتها وانتباهها وليختبر فهمها وعقلها، قال الله تعالى: {قالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ* فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [سورة النمل] وهذا من فطانتها وغزارة فهمها لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن تحت حراسة شديدة، ولم تكن تعلم أن أحدًا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب، قال الله تعالى إخبارًا عن سليمان عليه السلام: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ* وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ} [سورة النمل] ولمعنى صدها عن عبادة الله تعالى وحده عبادتها للشمس والقمر اتباعًا لدين ءابائها لأنها نشأت ولم تعرف إلا قومًا كافرين يعبدون الشمس من دون الله تعالى.

وكان سليمان عليه السلام قد أمرها بدخول القصر وكان جالسًا على سرير عرشه، قال الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ} [سورة النمل].

فلما رأت الدلائل الباهرة والخوارق العجيبة أعلنت إسلامها وتبرأت مما كانت عليه من كفر وضلال، يقول الله تعالى حكاية عن بلقيس: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة النمل].

وبعد أن أسلمت بلقيس ودخلت تحت سلطان سليمان عليه السلام يقال إنه تزوجها وأقرها على مملكة اليمن وردّها إلى بلدها وكان يزورها في مملكتها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وأمر الجن المسخرين له أن يبنوا له ثلاثة قصور هناك. والله أعلم.

 

قصة سليمان والجياد

 

قال الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ* إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ* فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ* رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} [سورة ص].

يُذكر أن سليمان عليه السلام عرضت عليه الجياد بالعشي فاشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس، قيل إنه بعد ذلك طلب ردها إليه ومسح عراقيبها وأعناقها بالسيف، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

 

وفاة نبي الله سليمان عليه السلام وكم كانت مدة ملكه وحياته

 

يقول الله تبارك وتعالى في كيفية موت سليمان عليه السلام: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سورة سبأ].

يذكر الله تبارك وتعالى كيفية موت نبيه سليمان عليه السلام وكيف أخفى الله تعالى موته على الجان المسخرين له في الاعمال الشاقة لأن الجن كانوا يقولون للناس: إننا نعلم الغيب فأراد إظهار كذبهم فقُبض سليمان وهو متوكئ على عصاه وظل ميتًا على عصاه سنة كاملة، فلما أكلت دابة الأرض وهي الأرضة – وهي دويبة صغيرة تأكل الخشب- عصاه خرّ وسقط إلى الأرض وعُلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة، وتبيّنت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويُوهمون الناس.

وروى الحافظ ابن عساكر بالإسناد عن ابن عباس موقوفًا أن سليمان نبي الله عليه السلام كان إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإذا كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء أنبتت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخونوب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم أخف عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصًا فتوكأ عليها حولاً والجن تعمل فأكلتها الأرضة فتبيّنت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهين، ويقال إن الشياطين ينقلون إلى الأرضة الماء والطين حيث كانت.

ويقال إنه كان عمر نبي الله سليمان عليه السلام حين توفاه الله اثنتين وخمسين سنة، ولبث عليه الصلاة والسلام في الملك أربعين سنة ودفن في بيت المقدس في فلسطين.

 فائدة: كان لسيدنا سليمان عليه السلام ثلاثمائة زوجة من الحرائر وسبعمائة أمة مملوكة ومع ذلك لم يكن قلبه متعلقًا بالنساء ولم يكن همه إشباع الشهوة بكثرة التلذذ بالنساء وإنما كان غرضه أن يخرج من ظهره ذرية يقاتلون الكفار. والجهاد لم يبدأ بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بل أيام الانبياء كان الجهاد، فإن إبراهيم قاتل كفارًا كانوا ءاذوا لوطًا عليه السلام.

ومن نعم الله على سليمان أنه كان يوجد في مجلس حكمه ستمائة ألف كرسي ثلاثمائة ألف عن يمينه لكبراء الإنس وثلاثمائة ألف عن يساره لكبراء الجن، وقد كانت العفاريت الذين كانوا يستطيعون أن ينقلوا الصخرة الكبيرة من مكان إلى مكان بعيد يطيعونه ويخافون أن ينزل الله عليهم عذابًا في الدنيا إن لم يطيعوا سليمان عليه السلام.

 

قال الله تبارك وتعالى: {واذكُر عبدَنا داودَ ذا الأيدِ إنَّهُ أوَّاب} [سورة ص]، وقال الله تعالى: {ولقد فضَّلنا بعضَ النَّبِيِّنَ على بعضٍ وءاتينا داودَ زبورًا} [سورة الإسراء].

 

عدد المرات التي ذُكر فيها داود عليه السلام في القرءان

 

داود عليه الصلاة والسلام هو من الأنبياء والرسل الكرام، وقد ءاتاه الله تعالى النبوة والمُلك وجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، وقد ورد اسمُ داود عليه الصلاة والسلام في القرءان الكريم في ستة عشر موضعًا.

 

نسبه عليه الصلاة والسلام

 

هو داود بن ايشا بن عويد بن عابر، إلى أن ينتهي النسب إلى يهوذا بن بعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وقد جمع الله تبارك وتعالى له بين النبوة والمُلك وأنزل عليه الزبور.

 

مقدمة في بدء أمر داود، ومكانته بين بني إسرائيل وبيان قوة

جهاده في سبيل الله

 

بعد وفاة هارون وموسى عليهما السلام تولى أمر بني إسرائيل نبيٌّ من أنبيائهم يُدعى يوشع بن نون عليه السلام، فدخل بهم بلاد فلسطين التي كانوا قد وُعدوا بها على لسان موسى عليه السلام في التوراة، وقام بأمره عليه الصلاة والسلام إلى وفاته، ولما توفي تولى أمرهم قضاة منهم وبقوا على ذلك مدة طويلة من الزمن، وفي هذه الفترة دَبَّ إلى بني إسرائيل الوَهَن والضعف وفشت فيهم المعاصي والمنكرات، ودخلت الوثنية وعبادة الأوثان والاصنام في صفوفهم فسلّط الله تعالى عليهم الأمم القريبة منهم، فغزاهم العمالقة والآراميون والفلسطينيون وغيرهم، وكانوا إلى الخذلان أقرب منهم إلى النصر في كثير من حروبهم مع أعدائهم، وكان بنو إسرائيل قد قتلوا كثيرًا من الأنبياء فسلط الله عليهم ملوكًا جبارين يسفكون دماءهم وسلط عليهم الاعداء من غيرهم، وكانوا إذا قاتلوا أحدًا من الأعداء يكون معهم "تابوت الميثاق" وفيه ألواح موسى وعصاه وهو ما أشارت إليه الآية الكرمة: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [سورة البقرة].

وقد كان بنو إسرائيل يُنصرون ببركته ولوجود التوراة بينهم منذ قديم الزمان وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال والفساد حتى إذا كانوا في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان غلبهم هؤلاء الأعداء على أخذ التابوت فانتزعوه من بين أيديهم وأُخِذت التوراة من أيديهم ولم يبقَ من يحفظها فيهم إلا القليل، وفي هذه الحروب ماتَ ملكهم الذي كان يقودهم كمدًا وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راع، حتى هيأ الله تبارك وتعالى لهم غلامًا يقال له "شمويل" نشأ فيهم وتولاه الله بعنايته وأنبته نباتًا حسنًا، ثم جعله الله نبيًا وأوحى إليه وبعثه إلى بني إسرائيل، وأمره بالدعوة إلى دينه الإسلام وتوحيده تعالى وترك عبادة الأصنام، فلما دعا قومه بني إسرائيل إلى دين الله طلبوا منه أن يُقيم عليهم ملكًا يُقاتلون معه أعداءهم لأنّ ملكهم كان قد هلك وباد فيهم، فكان من أمرهم ما قصّ الله تعالى علينا في القرءان يقول الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} [سورة البقرة] أي وقد أخذت منا البلاد وسُبيت الأولاد، قال الله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [سورة البقرة] أي ما وفَوا بما وعدوا بل نكلوا عن الجهاد إلا القليل منهم والله عليم بهم.

وأوحى الله تعالى إلى نبيه يقال إنه شمويل – والله أعلم- أن يجعل عليهم "طالوت" مَلِكًا وكان رجلاً من أجنادهم ولم يكن من بيت المُلك فيهم، فملَّكه الله تعالى عليهم لقوته الجسمية والعلمية، ولكن بني إسرائيل تمردوا على توليه المُلك وقالوا لنبيهم: {قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَال} [سورة البقرة] أي مع هذا هو فقير لا مال له يقومُ بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاءً، فأجابهم نبيهم قائلاً: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة] أي اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم وهو مع هذا قد وهبه الله وزاده بالعلم والجسم، فهو أشد قوة وصبرًا في الحرب ومعرفة بها، أي هو أتم علمًا وقوة في الجسم وقامة منكم.

وأصبح "طالوت" مَلكًا على بني إسرائيل وأيّده الله تعالى على المُلك بعودة التابوت الذي فيه ألواح موسى وعصاه إليهم وكان قد نزع منهم على يد أعدائهم وكان هذا علامة على بركة مُلك "طالوت" عليهم، يقول تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ} [سورة البقرة].

واختار مَلكهم "طالوت" الجنود الأقوياء الاشداء وخرج بهم لقتال عدوهم، وفي الطريق اشتد بهم الظمأ في رحلة برية طويلة وشاقة وكانوا ثمانين ألفًا، ومروا في طريقهم بنهر قيل بين الأردن وفلسطين، فأراد ملكهم أن يختبرهم فأمرهم ألا يشربوا منه إلا من أخذ جرعة من الماء ليبل بها ظمأه، وكان ذلك اختبارًا وامتحانًا من "طالوت" لجنوده في قوة بأسهم وإرادتهم، قال الله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً} [سورة البقرة].

ولم يبق مع طالوت عليه السلام إلا عدد قُدِّر بثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً على عدد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه في غزوة "بدر الكبرى"، وتابع بهم ملكهم "طالوت" لقتال أعدائهم الكافرين المشركين، وأما بقية الجنود الثمانين ألفًا فقد رجعوا حيث إن إرادتهم كانت ضعيفة خَوّارة، فلذلك لم يصحبهم طالوت معه لقتال خصومه المشركين والذين كان على رأسهم الملك "جالوت" الذي كان جبارًا طاغيًا يهابه الناس من بني إسرائيل.

ولما جاوز طالوت عليه السلام والمؤمنون الذين بقوا معه النهر استقل أصحابه هؤلاء أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم ولجبروت ملكهم إلا قليلاً منهم ممن ثبّت الله تعالى قلوبهم وقوّى عزيمتهم، وكان فيهم العلماء العاملون، لذلك أخذوا يثبتون إخوانهم المؤمنين ويقوون عزائمهم ويذكرونهم بنصر الله وأن النصر من عند الله ينصر من يشاء من عباده، يقول الله تعالى إخبارًا عن هذين الفريقين الذينَ جاوز بهم طالوت النهر لقتال الكافرين: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة البقرة].

ولمّا تقدم طالوت ومن معه من المؤمنين من بني إسرائيل إلى جالوت ومن معه من المشركين وتصافوا للقتال، طلب ملكهم جالوت قبل بدء المعركة المبارزة فتقدم إليه فتى شجاع يُسمى داود وهو من سبط يهوذا بن يعقوب وكان هو وأبوه "إيش" في جيش طالوت.

فلما أقبل داود على جالوت احتقره جالوت وازدراه وقال له: "ارجع فإني أكره قتلك" فما كان من داود إلا أن قال له بكل شجاعة وجُرأة: ولكني أحبُّ قتلك، ثم حصلت مبارزة بين "جالوت" الطاغية وبين داود عليه السلام، فقتل داودُ جالوتَ شرّ قتلة ثم التحم القتال، وانهزم جيش جالوت من المشركين شر هزيمة، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن ذلك: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ* فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} [سورة البقرة].

وكان طالوت عليه السلام قد وعد داود إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه في أمره، فوفى له وعده. ثم ءال الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله تعالى من النبوة العظيمة والعلم الوافر، ومنذ ذلك الحين لمع اسم داود بين شعب بني إسرائيل وتتابعت الانتصارات على يديه، وأعز الله تعالى بني إسرائيل بعد أن كانوا في ذل وهوان، وكان بنو إسرائيل قد اجتمعوا بعد وفاة ملكهم طالوت على مبايعة داود عليه السلام على المُلك فأصبح ملكهم وكان عمره لا يزيد على ثلاثين سنة وقد حكم شعبه بالعدل، وطبّق عليهم أحكام شريعة التوراة.

 

دعوته عليه الصلاة والسلام

 

بلغ داود عليه الصلاة والسلام من العمر أربعين سنة فآتاه الله تعالى النبوة مع الملك وجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، فدعا داود عليه الصلاة والسلام قومه بني إسرائيل إلى تطبيق الشريعة التي أنزلت عليه وهي شريعة التوراة المبنية على الإسلام، والإيمان بأنه رب هذا العالم كله وأنه الذي خلقه وأبدعه وأنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله تعالى وحده، وأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه داود عليه الصلاة والسلام الزبور وفيه مواعظ وعِبر ورقائق وأذكار، وءاتاه الحكمة وفصل الخطاب يقول الله تبارك وتعالى: {ولقد فضَّلنا بعضَ النَّبيِّنَ على بعضٍ وءاتينا داودَ زبورًا} [سورة الإسراء]، وقال تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} [سورة البقرة].

 

ما جاء في فضائل داود عليه الصلاة والسلام وشمائله ودلائل نبوته

وكثرة عبادته لله تعالى

 

أعطى الله تبارك وتعالى عبده داود عليه الصلاة والسلام فضلاً كبيرًا وحَباه من لدنه خيرًا عظيمًا، فقد كان داود عليه الصلاة والسلام حسن الصوت وكان عندما يصدح بصوته الجميل فيسبّح الله تعالى ويحمُده نسبح معه الجبال والطير يقول الله تعالى: {ولقد ءاتيْنا داودَ مِنَّا فضلاً يا جبالُ أَوِّبي معهُ والطَّيرُ وأَلَنَّا لهُ الحديدَ} [سورة سبأ]، ويقول تعالى: {وسَخَّرنا معَ داودَ الجِبالَ يُسَبِّحنَ والطيرَ وكُنَّا فاعلين} [سورة الأنبياء] وكان داود عليه الصلاة والسلام إذا قرأ الزبور وما فيه من رقائق وأّكار تكف الطيرُ عن الطيران وتقف على الأغصان والاشجار لتسمع صوته النديّ العذب وتسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه، وكذلك الجبال تُردد معه في العشي والإبكار تجيبُه وتسبح الله معه كلما سبح بكرة وعشيا وتعكف الجن والإنس والطير والدواب على صوته، يقول الله عز وجل: {إنَّا سخَّرنا الجبالَ معهُ يُسَبِّحنَ بالعِشيِّ والإشراق* والطيرَ مَحْشورةً كلٌّ بهُ أوَّابٌ} [سورة ص]، وكان مع ذلك الصوت الرخيم سريع القراءة مع التدبر والتخشع فكان صلوات الله وسلامه عليه يأمر أن تسرج دابته فيقرأ الزبور كلَّه قبل أن تسرج، روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثال: "خُفف على داود – عليه السلام- القرءان فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرءان قبل أن تُسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده".

والمراد بالقرءان في هذا الحديث الزبور الذي أنزله الله تعالى عليه وأوحاه إليه. ولقد ورد أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وقف يومًا يستمع إلى صوت الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري وكان يقرأ القرءان بصوته العذب الحنون، فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد أعطيت مزمارًا من مزامير ءال داود"، فقال يا رسول الله أكنت تستمع لقراءتي، قال: "نعم"، فقال: لو علمتُ أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا، أي لجملته تجميلاً.

تنبيه معنى مزمار داود صوته الجميل الذي كان يقرأ به التوراة، وليس المزمار المعروف المحرّم.

 

وكان نبي الله داود عليه الصلاة والسلام مع هذه العظمة والمُلك والجاه الذي تفضل الله به عليه كثير العبادة لله سبحانه وتعالى ليلاً ونهارًا، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه يقوم الليل ويصوم في النهار ويقضي جزءًا كبيرًا من يومه في عبادة الله عز وجل، يقول الله تبارك وتعالى: {واذكُر عبدَنا داودَ ذا الأيدِ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص] ومعنى "ذا الأيد" أي ذا القوة في العبادة والعمل الصالح، فكان داود عليه السلام ذا قوة عالية في عبادة الله وطاعته عمل الصالحات إنه أوّاب مطيع لله. وقد ثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى".

ومما أنعم الله تبارك وتعالى على داود عليه الصلاة والسلام أن علَّمه منطق الطير وألان له الحديد فكان بين يديه بإذن الله كالعجين، حتى كان يفتله بيده ولا يحتاج إلى نار ولا مطرقة فكان يصنع منها الدروع ليحصّن بها جنوده من الأعداء ولدرء خطر الحرب والمعارك.

قال الله تبارك وتعالى: {وألَنَّا لهُ الحديدَ* أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السِّردِ} [سورة سبإ]، ويقول الله تعالى: {وعلَّمناهُ صَنْعةَ لبوسٍ لكم لِتُحْصِنَكُم من بأسِكُم فهلْ أنتُم شاكرون} [سورة الأنبياء]، ومن فضل الله تبارك وتعالى على عبده داود أن قوّى مُلكه وجعله منصورًا على أعدائه مُهابًا في قومه قال الله تعالى: {وشَدَدْنا مُلكهُ وءاتيناهُ الحِكمةَ وفَضْلَ الخِطابِ} [سورة ص]، وقيل: معنى الحكمة أي النبوة، وأما فصل الخطاب فقد قيل: هو إصابة القضاء وفهم ذلك، وقيل: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وقيل: هو قوله في الخطاب، أما بعد.

 

قصة الخصمين مع داود عليه السلام ورد الفرية العظيمة

على داود في هذه القصة

 

قال الله تبارك وتعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ* إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ* قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [سورة ص].

ليعلم أن بعض المفسرين أورد في تفسير هذه الآيات في قصة الخصمين مع نبي الله داود عليه السلام قصصًا إسرائيليات لا تليق بني الله داود الذي خصه الله تعالى بنبوته وأكرمه برسالته، لأنّ الأنبياء جميعهم تجب لهم العصمة من الكفر والرذائل وكبائر الذنوب وصغائر الخسة كما تقدم، لذلك لا يجوز الاعتماد على مثل هذه القصص المنسوبة للأنبياء ولا يجوز اعتقادها لأنها تنافي العصمة الواجبة لهم، لذلك ينبغي الاقتصار في فهم قصة الخصمين مع داود عليه السلام على ظاهر ما أوردها الله تعالى في القرءان، فقد جاء في تفسيرها أن ذينك الخصمين كانا في الحقيقة من البشر من بني ءادم بلا شك وأنهما كانا مشتركين في نعاج من الغنم على الحقيقة، وأنه بغى أحدهما على الآخر وظلمه على ما نصّت الآية، وقد تسور هذان الخصمان محراب داود عليه السلام وهو أشرف مكان في داره، وكان داود عليه السلام مستغرقًا في عبادة ربه في ذلك المحراب فلم يشعر داود عليه الصلاة والسلام بالشخصين إلا وهما أمامه فلما قال لهما: من أدخلكما عليّ، طمأناه وقالا له: لا تخف، ثم سألاه أن يحكم في شأنهما وقضيتهما إلى ءاخر القصة التي نص الله تعالى عليها في القرءان.

وقد امتحن الله تعالى نبيه داود عليه السلام في هذه الحادثة التي جرت معه مع هذين الخصمين، وأما استغفاره عليه الصلاة والسلام فلأجل الذنب الصغير الذي وقع فيه وهو أنه تعجل بالحكم على الخصم الآخر قبل التثبيت في الدعوى، وكان يجب عليه لما سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها ولا يقضي عليه بالحكم قبل سؤاله، وقد تاب داود عليه السلام من ذلك الذن الذي ليس فيه خسة ولا دناءة وغفر الله تعالى له هذا الذنب بنص القرءان الكريم قال الله تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [سورة ص].

ومن القصص المفتراة على نبي الله داود عليه السلام زورًا وبهتانًا وهي من الاسرائيليات المدسوسة على الأنبياء أن داود عليه الصلاة والسلام كان يومًا في محرابه إذ وقعت عليه حمامة من ذهب، فأراد أن يأخذها فطارت فذهب ليأخذها فرأى امرأة تغتسل فوقع في حبها وعشقها وأعجب بها وأغرم، وكانت زوجة أحد قواده ويُسمى "أوريا" فأراد أن يتخلص منه ليتزوج بها فأرسله في أحد الحروب وحمّله الراية وأمره بالتقدم وكان قد أوعز إلى جنوده أن يتأخروا عنه إذا تقدم نحو الاعداء حتى قُتل ذلك القائد وبهذه الوسيلة – كما تقول هذه القصة المفتراة- قتل القائد "أوريا" وتزوج داود عليه السلام زوجته من بعده، ويزيد بعضهم فيقول: إن داود زنى بهذه المرأة قبل تدبير هذه المكيدة {كَبُرَتْ كلمةً تخرُجُ مِن أفواهِهِم إن يقُولون إلا كذبًا} [سورة الكهف].

وقد قال العلماء المعتبرون: إن هذه الروايات لا تصح لا من طريق النقل ولا تجوز من حيث المعنى لأن الأنبياء منزهون عن مثل هذه الامور كلها، وقالوا: لا يُلتفت إلى ما سطّره بعض المفسرين والقصصيين عن أهل الكتاب الذين بدّلوا وغيّروا ولم يكن اعتقادهم بداود عليه الصلاة والسلامأنه رسول الله بل مَلِك من الملوك، وهذا الذي حكاه بعض المفسرين عن سيدنا "داود" وهو أنه عشق امرأة "أوريا" فاحتال حتى قتل زوجها فتزوجها لا يليق بالأنبياء بل لو وصف به أفسق الملوك لكان مُنكرًا، وفي السورة التي ذكرت فيها هذه القصة من أولها إلى ءاخرها فيها محاجة منكري النبوة، فكيف يلائمها القدح في بعض أكابر الأنبياء بهذا الفسق القبيح، وقد وصف الله تبارك وتعالى سيدنا داود في هذه الآية بمحامد كثيرة منها قوله تعالى: {ذا الأيدِ} أي القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين والعبادة لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في الملوك الكفار وما استحقوا بها مدحًا، والقوة في الدين لا معنى لها إلا في القوة والعزم الشديد على أداء الواجبات واجتناب المحرمات، وما روى بعض المفسرين في تفسيرهم أن الخصمين اللذين اختصما إلى داود عليه السلام كَنيا بالنعاج عن المرأة تنبيهًا إلى قصته على زعمهم مع "أوريا" فغير صحيح، والصحيح أنهما خصمان في نتاج غنم على ظاهر الآية في القرءان.

وقد تكنى العرب عن النساء بالنعاج، لكن لا يجوز تفسير النعاج في قصة داود عليه السلام مع الخصمين المذكورة في القرءان بالنساء كما فعل هؤلاء المفسرون فقد أساءا بتفسيرهم هذا لأن ما ذكروه لا يليق بنبي الله داود عليه الصلاة والسلام، يقول الحافظ تقي الدين السبكي العالم الجليل: النعجة في الآية هي النعجة الحقيقية، والخصمان من البشر. فافهم ذلك أخي المسلم رحمك الله بتوفيقه.

فائدة: في تفسير قول الله تبارك وتعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [سورة ص].

هذا خطابٌ من الله تبارك وتعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام، وفيه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور وحكام الناس أن يحكموا بين الناس بالحق والعدل واتباع الحق المنزل من عنده تبارك وتعالى لا ما سواه من الآراء والاهواء، وتوعّد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك وضل عن سبيل الله بأنَّ لهم العذاب الشديد يوم القيامة، وقد كان نبي الله داود عليه الصلاة والسلام هو المقتدى به في ذلك الزمان في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات، قال الله تعالى: {اعمَلوا ءال داودَ شُكرًا وقليلٌ مِن عباديَ الشَّكور} [سورة سبإ].

 

من حكم نبي الله داود عليه الصلاة والسلام

 

كان لنبي الله داود عليه الصلاة والسلام حكمٌ عظيمة فيها المعاني العظيمة ومنها:

قال عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد" بالإسناد عن وهب بن منبه قال: "إنّ من حكمة ءال داود: حقّ على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يُحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويَصْدُقونه عن نفسه، وساعة يُخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويُجمل، فإن هذه الساعة عونٌ على هذه الساعات وإحجام للقلوب" وقال: "حق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل على شأنه".

وقد كان نبي الله داود صلى الله عليه وسلم مع ما ءاتاه الله تبارك وتعالى من المُلك والنعم الكثيرة يأكل من كسب يده، ويقوم الليل والنهار في طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد ثبت في الحديث: "انَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده".

 

وفاة داود عليه الصلاة والسلام

 

كان نبي الله داود عليه السلام فيه غيرة شديد فكان إذا خرج أُغلق الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع، فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لِمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة والله لنفضحن بداود، فلما جاء داود إذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود: من أنت؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك ولا يمنع مني الحجّاب، فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت مرحبًا بأمر الله، ثم مكث حتى قبضت روحه، ولما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس وكانت شديدة فقال ابنه سليمان للطير: أظلّي على داود، فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض فقال سليمان للطير: اقبضي جناحًا وغلبت على التظليل عليه المضرحية وهي طيور الصقور الطوال الأجنحة، رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد.

وقيل إن عمر داود عليه السلام لما مات كان مائة سنة، وقيل: إن الناس الذين حضروا جنازة داود عليه السلام جلسوا في الشمس وكانوا في يوم صائف شديد الحرارة.

قال الله تعالى: {وإسماعيلَ واليسعَ ويونسَ ولوطًا وكُلاً فضَّلنا على العالمين} [سورة الأنعام]، وقال تعالى: {واذكُرْ إسماعيلَ واليسعَ وذا الكفلِ وكلٌّ مِنَ الأخيارْ } [سورة ص].

هو اليسع من ذرية يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، ويقال غير ذلك. ذكر المؤرخون من قصته أنه كان بعد إلياس فقام بأمر بني إسرائيل فكان فيهم ما شاء الله أن يمكث يدعوهم إلى عبادة الله متمسكًا بنهج إلياس وشريعته وكثرت الجبابرة. وكان فيهم التابوت فيه بقية مما ترك ءال موسى وءال هارون يتوارثونه، فكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو.

وقال بعضهم: إن اليسع ابن عم إلياس النبي عليه السلان، ويقال كان مستخفيًا معه بجبل قاسيون من ملك بعلبك، ثم ذهب معه إليها فلما مات إلياس خلفه اليسع في قومه ونبّأه الله بعده.

قال الله تعالى: {وإنَّ إلياسَ لَمِنَ المُرسَلين} [سورة الصافات].

 

عدد المرات التي ذكر فيها إلياس عليه السلام في القرءان

 

ذكر إلياس عليه الصلاة والسلام في القرءان الكريم ثلاث مرات، مرة في سورة الأنعام، ومرتين في سورة الصافات في ءايتين أولاهما ذُكر فيها لفظ إلياس والثانية ذكر فيها لفظ إل ياسين، وهي قوله تعالى: {سلامٌ على إل ياسين} [سورة الصافات] أي إلياس لأن العرب تُلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها مثل إسماعيل يقولون: إسماعين، وإسرائيل يقولون: إسرائين.

 

نسبه عليه الصلاة والسلام

 

قيل: إنه إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون، إلى أن يصل نسبه إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام.

 

دعوته عليه الصلاة والسلام

 

ذكر أهل التاريخ والتفسير أنه لما كثرت الاحداث بعد قبض النبي حزقيل عليه السلام وعبد بنو إسرائيل الأوثان والأصنام، بعث الله تعالى إليهم نبيه إلياس عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام وكان إرساله إلى أهل بعلبك من قرى لبنان فدعاهم إلى ترك عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلا، قال تعالى: { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ* أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ* اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} [سورة الصافات] فلم يؤمنوا به إلا نفر قليل من بني إسرائيل، فدعا عليهم بحبس المطر عنهم جزاءً لكفرهم. وحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والشجر وجهد الناس جهدًا شديدًا واستخفى إلياس عليه الصلاة والسلام عن أعينهم، وكان يأتيه رزقه حيث كان، فكان بنو إسرائيل كلما وجدوا ريح الخبز في دار قالوا هنا إلياس فيطلبونه وينال أهل المنزل منهم الشر والضر.

ثمّ إن نبي الله إلياس قال لبني إسرائيل: إذا تركتم عبادة الأصنام دعوت الله أن يفرج عنكم، فأخرجوا أصنامهم بعد أن دعوها فلم تستجب لهم فعرفوا ضلالهم، ثم طلبوا من نبي الله إلياس أن يدعو الله لهم ليفرج عنهم ما بهم من جُهد وضيق، فدعا الله تعالى ففرج عنهم كُربتهم وأرسل عليهم المطر والرخاء وأغاثهم، فحييت بلادهم ولكنهم لم يرجعوا عما كانوا عليه من عبادة الأوثان ولم يستقيموا على الصراط المستقيم كما أمرهم نبيهم، فلما رأى نبيهم إلياس عليه السلام عنادهم وإصرارهم على الكفر، دعا ربه أن يقبضه إليه ويُريحه منهم فقبضه الله تعالى، قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ* إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ* وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ* سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ* إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الصافات]. ويروى أن إلياس احتفى من ملك قومه في غار عشر سنين حتى أهلك الله الملك وولي غيره فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام فأسلم وأسلم من قومه خلق كثير، ويروى أنه أقام مختفيًا من قومه في كهف جبل عشرين ليلة، وقيل غير ذلك. والله أعلم بالصواب.

ويقال: إن إلياس عليه السلام توفي ودفن في بعلبك، والله أعلم.

 

قصة اليسع عليه السلام

 

قال الله تعالى: {وإسماعيلَ واليسعَ ويونسَ ولوطًا وكُلاً فضَّلنا على العالمين} [سورة الأنعام]، وقال تعالى: {واذكُرْ إسماعيلَ واليسعَ وذا الكفلِ وكلٌّ مِنَ الأخيارْ } [سورة ص].

هو اليسع من ذرية يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، ويقال غير ذلك.

ذكر المؤرخون من قصته أنه كان بعد إلياس فقام بأمر بني إسرائيل فكان فيهم ما شاء الله أن يمكث يدعوهم إلى عبادة الله متمسكًا بنهج إلياس وشريعته وكثرت الجبابرة. وكان فيهم التابوت فيه بقية مما ترك ءال موسى وءال هارون يتوارثونه، فكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو.

وقال بعضهم: إن اليسع ابن عم إلياس النبي عليه السلان، ويقال كان مستخفيًا معه بجبل قاسيون من ملك بعلبك، ثم ذهب معه إليها فلما مات إلياس خلفه اليسع في قومه ونبّأه الله بعده.

 

يقول الله تبارك وتعالى: {وإنَّ يونسَ لَمِنَ المُرسلينَ* إذْ أبَقَ إلى الفُلكِ المَشحونِ* فساهَمَ فكانَ مِنَ المُدْحَضينَ* فالتَقَمهُ الحوتُ وهُوَ مُليمٌ} [سورة الصافات].

 

نسبه عليه الصلاة والسلام

 

الذي عُلمَ من نسبه من الحديث ومن كتب التفسير والتاريخ أنه يونس بن متى، ويتصل نسبه ببنيامين وهو أخو يوسف عليه السلام من أبيه وأمه.

 

عدد المرات التي ذكر فيها في القرءان الكريم

 

ذكر نبي الله يونس بن متى باسمه "يونس" في القرءان أربع مرات في سورة النساء والأنعام ويونس والصافات، وذكر بوصفه ولقبه "ذي النون" و"صاحب الحوت" في موضعين من سورتي "الأنبياء" و"القلم" قال الله تعالى في سورة الأنبياء: {وذا النُّونِ إذ ذهبَ مُغاضِبًا فظنَّ أن لنْ نقدرَ عليهِ فنادى في الظُّلُماتِ أن لا إلهَ إلا أنتَ سُبحانكَ إنِّي كنتُ مِنَ الظالمين* فاستجبنا لهُ ونجَّيناهُ مِنَ الغمِّ وكذلكَ نُنجي المؤمنين} [سورة الأنبياء]، وقال تعالى في سورة القلم: {فاصْبرْ لِحُكمِ ربِّكَ ولا تكُن كصاحبِ الحوتِ إذْ نادى وهُوَ مكظومٌ* لولا أن تداركهُ نعمةٌ من ربِّهِ لَنُبِذَ بالعراءِ وهُوَ مذمومٌ* فاجتباهُ ربُّهُ فجعلهُ مِنَ الصَّالحين} [سورة القلم].

 

دعوته عليه الصلاة والسلام

 

جعل الله تبارك وتعالى عبده يونس بن متى نبيًا ورسولاً وأرسله إلى أهل نينوى الذين كانوا في أرض الموصل بالعراق ليدعوهم إلى دين الإسلام ويعبدوا الله وحده، وكان أهل نينوى عددهم أكثر من مائة ألف قال تعالى: {وأرسلناهُ إلى مائةِ ألفٍ أوْ يزيدون} [سورة الصافات]. وكان قد دخلت فيهم الوثنية وانتشرت فيهم عبادة الأصنام وكان لهم صنمٌ يعبدونه يسمى "عشتار"، فذهب نبي الله يونس عليه السلام إلى نينوى في العراق امتثالاً لأمر الله وليبلغ رسالة الله فدعا هؤلاء المشركين إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، فكذبوه وتمردوا وأصروا على كفرهم ولم يستجيبوا لدعوته، وبقي يونس عليه الصلاة والسلام بينهم صابرًا على الأذى يدعوهم إلى الإسلام ويذكرهم ويعظهم، ولكنه مع طول مكثه معهم لم يلق منهم إلا عنادًا وإصرارًا على كفرهم ووجد فيهم ءاذانًا صُمًا وقلوبًا غلفا. وقيل: أقام فيهم ثلاثًا وثلاثين سنة يدعوهم إلى الإسلام ولم يؤمن به خلال هذه المدة غير رجلين، ولما أصروا على كفرهم وعبادة الأصنام ووقفوا معارضين لدعوة نبي الله يونس عليه السلام، أيس يونس عليه الصلاة والسلام منهم بعدما طال ذلك عليه من أمرهم وخرج من بين أظهرهم ءايسًا منهم ومغاضبًا لهم لكفرهم قبل أن يأمره الله تعالى بالخروج وظنّ أن الله تعالى لن يؤاخذه على هذا الخروج من بينهم ولن يضيق عليه بسبب تركه لأهل هذه القرية وهجره لهم قبل أن يأمره الله تبارك وتعالى بالخروج.

يقول الله تبارك وتعالى: {وذا النونِ إذ ذهبَ مُغاضِبًا فظنَّ أن لن نقدرَ عليهِ فنادى في الظُّلُماتِ أن لا إلهَ إلا أنتَ سبحانكَ إني كنتُ من الظالمين} [سورة الأنبياء].

وقوله تعالى: {ذا النون} يعني يونس بن متى عليه السلام و"النون" أي الحوت وأضيف عليه السلام إليه لابتلاعه إياه، وقوله تعالى: {إذ ذهب مُغاضبًا} أي ذهب مغاضبًا لقومه من أهل نينوى لأنهم كذبوه ولم يؤمنوا بدعوته وأصروا على كفرهم وشركهم وأبطؤوا عن تلبية دعوته والإيمان به بما جاء به من عند الله.

فائدة: لا يجوز أن يعتقد أن نبي الله يونس عليه السلام ذهب مُغاضبًا لربه هذا كفر وضلال ولا يجوزُ في حق أنبياء الله الذين عصمهم الله وجعلهم هُداةً مهتدين عارفين بربهم، فمن نسب إلى يونس عليه السلام أنه ذهب مغاضبًا لله فقد افترى على نبي الله ونسب إليه الجهل بالله والكفر به وهذا يستحيل على الأنبياء لأنهم معصومون من الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها، وأما قوله تعالى: {فظنَّ أن لن نقدرَ عليه} أي ظنَّ أن الله تعالى لن يُضيّق عليه بتركه لقومه قبل أن يؤمر بذلك، ولا يجوز أيضًا أن يعتقد أن نبي الله يونس عليه السلام ظن أن الله تعالى لا يستطيع عليه لأن هذا مما لا يعذر فيه أحد العوام فضلاً عن نبي كريم. فأنبياء الله تعالى جميعهم عارفون بالله وهم أفضل خلق الله وقد عصمهم الله تعالى من الجهل به ومن كل فعل وقول واعتقاد ينافي العصمة، ومن نسب إلى نبي الله انه ظن أن الله تعالى لا يستطيع عليه فقد نسب إليه الكفر والجهل بالله، وهذا لا يجوز في حق الأنبياء للعصمة الواجبة في حقهم. فجميع الأنبياء منذ نشأتهم كانوا عارفين بالله، وقد أفاض الله تبارك وتعالى على قلوبهم معرفته، فكانوا مؤمنين مسلمين معصومين من الكفر والضلال، فهم لا يعتقدون ما ينافي العقيدة الصحيحة التي أمرهم اتباعها وتعليمها للناس.

 

إيمانُ قوم يونس عليه السلام ورفع العذاب عنهم

 

حذّر يونس أهل نينوى من العذاب إن لم يؤمنوا به ويتبعوا دين الإسلام، ثم خرج مغاضبًا لهم لإصرارهم على كفرهم وعدم اتباعهم دعوته، ولما خرج عليه السلام وهو ءايسٌ منهم تغشاهم صباحًا العذاب وصار قريبًا جدًا منهم، وقيل: ظهرت السُّحُب السوداء في السماء وثار الدخان الكثيف وهبطت السحب بدخانها حتى غشيت مدينتهم واسودت سطوحهم ولما أيقنوا بالهلاك والعذاب أنه واقع بهم طلبوا يونس عليه السلام فلم يجدوه، وألهمهم الله التوبة والإنابة فأخلصوا النية في ذلك وقصدوا شيخًا وقالوا له: قد نزل بنا ما ترى فماذا نفعل؟ فقال لهم: ءامنوا بالله وتوبوا، عند ذلك ءامنوا بالله وبرسوله يونس عليه السلام وكانوا خرجوا من القرية ولبسوا المُسوح وهي ثياب من الشعر الغليظ، وحثوا على رءوسهم الرماد، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، ثم عجوا ورفعوا أصواتهم في الدعاء إلى الله وتضرعوا وبكى النساء والرجال والبنون والبنات وجأرت وصاحت الانعام والدواب، وكانت ساعة عظيمة هائلة وعجوا إلى الله بالتوبة الصادقة وردوا المظالم جميعًا حتى إنه كان أحدهم ليقلع الحجر من بنائه فيرده إلى صاحبه فاستجاب الله منهم وكشف عنهم بقدرته ورحمته العذاب الشديد الذي كان قد دار على رءوسهم وصار قريبًا جدًا منهم كَقِطع الليل المظلم، ويقال إن توبتهم في يوم عاشوراء يوم الجمعة، يقول الله عز وجل: {فلولا كانتْ قريةٌ ءامَنَتْ فنفعَها إيمانُها إلا قومَ يونسَ لمَّا ءامنوا كشَفنا عنهُم عذابَ الخِزيِ في الحياةِ الدُّنيا ومتَّعناهُم إلى حينٍ} [سورة يونس].

 

ما حصل لسيدنا يونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت

 

لما وعد يونس بن متى قومه بالعذاب بعد ثلاثة أيام إن لم يؤمنوا وخرج من بينهم مغاضبًا لهم بسبب كفرهم وإصرارهم وتماديهم في غيّهم وضلالهم سار حتى وصل إلى شاطئ البحر فوجد قومًا في سفينة في البحر، فطلب من أهلها أن يركبوه معهم فتوسموا فيه خيرًا فأركبوه معهم في السفينة، وسارت بهم السفينة تشقُ عُباب البحر فلمّا توسطوا البحر جاءت الرياح الشديدة وهاج البحر بهم واضطرب بشدة حتى وجلت القلوب فقال من في السفينة: إنّ فينا صاحب ذنب فأسهموا واقترعوا فيما بينهم على أنّ من يقع عليه السهم يلقونه في البحر، فلمّا اقترعوا وقع السهم على نبيّ الله يونس عليه الصلاة والسلام، ولكن لما توسموا فيه خيرًا لم يسمحوا لأنفسهم أن يلقوه في البحر، فأعادوا القرعة ثانيةً فوقعت عليه أيضًا، فشمّر يونس عليه السلام ليلقي بنفسه في البحر فأبوا عليه ذلك لما عرفوا منه خيرًا، ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت القرعة عليه أيضًا، فما كان من يونس عليه السلام إلا أن ألقى بنفسه في البحر لأنه كان يعتقد أنه لا يصيبه هلاك بالغرق فلا يجوز أن يظن أن ذلك انتحار منه لأن الانتحار أكبر الجرائم بعد الكفر وذلك مستحيل على الأنبياء وعلى هذا يحمل ما ورد في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فتر الوحي عنه في أوائل البعثة همَّ أن يلقي بنفسه من ذِروة الجبل ولم يكن همه بذلك إلا لتخفيف شدة الوجدِ الذي حصل له من إبطاء الوحي عليه لا للانتحار فإنه حصل لكثير من الأولياء أنهم مشوا على الماء ولم يغرقوا، فمن حمل ما ورد في البخاري من هذه القصة أن الرسول أراد أن ينتحر فقد كفر.

وعندما ألقى يونس عليه السلام بنفسه في البحر وكّل الله تبارك وتعالى به حوتًا كبيرًا فالتقمه وابتلعه ابتلاء له على تركه قومه الذين أغضبوه دون إذن، فدخل نبي الله يونس عليه السلام إلى جوف الحوت تحفُّهُ عنايةُ الله حتى صار وهو في بطن الحوت في ظلمات حالكة ومدلهمة ثلاث وهي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. ثم إن الحوت بقدرة الله تعالى لم يضر يونس ولم يجرحه ولم يخدش له لحمًا ولم يكسر له عظمًا، وسار الحوت وفي جوفه يونس عليه السلام يشق به عباب البحر حتى انتهى به إلى أعماق المياه في البحر، وهناك سمع يونس عليه الصلاة والسلام وهو في بطن الحوت حِسًا وأصواتًا غريبة فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إنَّ هذا تسبيح دواب البحر، فما كان من نبي الله يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت وفي تلك الظلمات المدلهمة إلا أن أخذ يدعو الله عز وجل ويستغفره ويسبّحه تبارك وتعالى قائلاً ما ورد عنه في القرءان: {وذا النونِ إذ ذهبَ مُغاضِبًا فظنَّ أن لن نقدرَ عليهِ فنادى في الظُّلُماتِ أن لا إلهَ إلا أنتَ سُبحانكَ إنِّي كنتُ مِنَ الظالمينَ} [سورة الأنبياء] وسمعت ملائكة السماء تسبيحه لله عز وجل وسألوا الله تعالى أن يُفرّج الضيق عنه، واستجاب الله تعالى دعاءه ونجاه من الغمّ والكرب والضيق الذي وقع فيه لأنه كان من المُسبّحين له في بطن الحوت والذاكرين، وأمر الله تعالى الحوت أن يلقيه في البرّ فألقاهُ الحوت بالعراء وهو المكان القفر الذي ليس فيه أشجار والأرض التي لا يُتوارى فيه بشجر ولا بغيره، ويونس عليه السلام مريض ضعيف. وقد مكث نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، وقيل غير ذلك. ولولا أنه سبح الله وهو في بطن الحوت وقال ما قال من التسبيح والتهليل للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة ولبُعث من جوف الحوت، قال الله تبارك وتعالى: {وإنَّ يونسَ لَمِنَ المُرسلينَ* إذْ أبَقَ إلى الفُلكِ المَشحون* فساهَمَ فكانَ مِنَ المُدحضين* فالتقمهُ الحوتُ وهُوَ مُليمٌ* فلولا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسبِّحين* للَبِثَ في بطنِهِ إلى يومٍ يُبعثون* فنبذناهُ بالعراءِ وهُوَ سقيمٌ* وأنبتنا عليهِ شجرةً مِن يقطين* وأرسلناهُ إلى مائةِ ألفٍ أو يزيدونَ* فآمنوا فمَتَّعناهُم إلى حين} [سورة الصافات].

فائدة: إذا قيل: ما الفائدة في إنبات شجرة اليقطين عليه دون غيرها؟

فالجواب: أنّ يونس عليه السلام خرج من بطن الحوت كان ضعيفًا مريضًا وهزيلاً في بدنه وجلده، فأدنى شيء يمرُّ به يُؤذيه، وفي ورق اليَقطين – القرع- خاصّيةٌ وهو أنه إذا تُرك على شيء لم يقربه ذباب، فأنبته الله سبحانه وتعالى على يونس ليغطيه ورقها ويمنع الذباب ريحُه أن يسقط عليه فيؤذيه. وفي إنبات القرع عليه حكمٌ كثيرة منها: أن ورقه في غاية النعومة، وأهمية تظليل ورقه عليه لكبره ونعومته، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى ءاخره نيئًا ومطبوخًا وبقشره وببذره أيضًا، وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأكل منه.

وقد سخّر الله تبارك وتعالى لنبيه يونس عليه السلام بعد أن ألقاه الحوت من بطنه أرْوِيَّة – وهي الأنثى من الوعول- يستفيد من لبنها فكانت ترعى بالبرية وتأتيه بكرة وعشية ليتغذى بلبنها وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى وعنايته بنبيه يونس عليه الصلاة والسلام.

 

عودة نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام إلى قومه

 

ولما أصاب نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام ما أصابه من ابتلاع الحوت له، علم عليه السلام أنّ ما أصابه حصل له ابتلاء له بسبب استعجاله وخروجه عن قومه الذين أُرسل إليهم بدون إذن من الله تعالى، وعاد عليه الصلاة والسلام إلى قومه أهل نينوى في العراق فوجدهم مؤمنين بالله تائبين إليه منتظرين عودة رسولهم يونس عليه السلام ليأتمروا بأمره ويتبعوه، فمكث عليه الصلاة والسلام معهم يعلمهم ويرشدهم، ومتّع الله تعالى أهل نينوى في مدينتهم مدة إقامة يونس فيهم وبعده ءامنين مُطمئنين إلى حين، ثم لما ضلوا بعد ذلك عن الصراط المستقيم الذي جاءهم به نبيهم وتولوا عن الإيمان دمّر الله تعالى لهم مدينتهم وأنزل عليهم العذاب وصارت مدينتهم عبرة للمعتبرين، يقول الله تبارك وتعالى: {وأرسلناهُ إلى مائةِ ألفٍ أو يزيدون* فآمنوا فمتَّعناهُم إلى حين} [سورة الصافات].

فائدة: كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يلتجئ إلى الله عند الكرب والغم والشدائد فكان يكثر الصلاة والدعاء ويكثر ذكر الله تعالى، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أكربه أمرٌ قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث".

وروى الحاكم في مستدركه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دعوةُ ذي النون إذ دعا ربهُ وهو في بطن الحون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدْعُ بها رجل في شيء قطُّ إلا استجاب له" قال الحاكم أبو عبد الله: هذا صحيح الإسناد، ورواه الترمذي والنسائي.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلمُ كلمةً لا يقولها مكروبٌ إلا فرّج الله عنه كلمة أخي يونس صلى الله عليه وسلم" {فنادى في الظُّلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين} [سورة الأنبياء].

 

فضل يونس بن متى عليه السلام

 

قال تعالى: {وإنَّ يونسَ لَمِنَ المرسلين} [سورة الصافات]، وروى البخاري وغيره بالإسناد عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك "لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى".

ويقال: إن سيدنا يونس دفن على ساحل البحر قبل مدينة صيدا، وقيل: هذا الموضع الذي ألقاه فيه الحوت، والله أعلم بصحة ذلك.

ذو الكفل عليه الصلاة والسلام قال الله تبارك وتعالى: {وإسماعيلَ وإدريسَ وذا الكفلِ كلٌّ مِنَ الصابرينَ* وأدخلناهم في رحمَتِنا إنَّهُم منَ الصالحينَ} [سورة الأنبياء].

 

نسبه عليه الصلاة والسلام

قيل: هو ذو الكفل عليه السلام ابن سيدنا أيوب نبي الله صلى الله عليه وسلم، واسمه في الأصل بِشر، وقد بعثه الله نبيًا بعد أبيه أيوب، وسماه ذو الكفل لأنه كان قد تكفل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم ويقضي بينهم بالعدل، ولم يذكر في القرءان شيئًا عن دعوته ورسالته والقوم الذين أرسلَ إليهم لا بالإجمال ولا بالتفصيل. ذكر الاختلاف في نبوة ذي الكفل اختلف العلماء في ذي الكفل فمنهم من قال: إنه كان رجلاً صالحًا وحكمًا مقسطًا عادلاً من بني إسرائيل وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم، ويقضي بينهم بالعدل ففعل فسُمّي ذا الكفل، وجاء في الأخبار أنّ نبيًا من الأنبياء قال: من يتكفل لي أن يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب؟ فقام شاب فقال: "أنا" فقال: اجلس، ثم عاد فقال: من يتكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم عاد فقال: من يتكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب، فقال: أنا، فقال: تقوم الليل وتصوم النهار ولا تغضب، ثم مات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بين الناس ولا يغضب فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليُغضبه وهو صائم يريد أن يقيل [أن ينام بعد الظهر] فضرب الباب ضربًا شديدًا فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل معه رجلاً فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه ءاخر، فقال: لا أرضى بهذا، فخرج إليه وأخذه بيده وانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاه هناك وذهب فسمي ذا الكفل. ومن العلماء من قال إنه كان نبيًا وهذا الصحيح لأنه الظاهر من ذكره في القرءان الكريم بالثناء عليه مقرونًا مع هؤلاء السادة الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين، يقول الله تبارك وتعالى بعد ذكر قصة أيوب في سورة الأنبياء: {وإسماعيلَ وإدريسَ وذا الكفلِ كلٌّ مِنَ الصابرينَ* وأدخلناهم في رحمَتِنا إنَّهُم منَ الصالحينَ} [سورة الأنبياء]، ويقول الله جل جلاله أيضًا بعد ذكر أيوب عليه السلام أيضًا: {واذكرْ عبدنا إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ اولي الأيدي والأبصارِ* إنَّا أخلصناهم بخالصةٍ ذكرى الدَّارِ* وإنَّهُم عندنا لَمِنَ المُصطفينَ الأخيارِ* واذكر إسماعيلَ واليسعَ وذا الكفلِ وكُلٌّ مِنَ الأخيار} [سورة ص].

فائدة: وينبغي التنبيه هنا إلى أن ذا الكفل هذا هو غير "الكفل" الذي ذكر في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد بالإسناد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين – حتى عد سبع مرار- لم أحدث به، لكني قد سمعته أكثر من ذلك قال: "كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارًا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال لها: ما يُبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملتني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط! قال: ثم نزل فقال: اذهبي فالدنانير لك. ثم قال: والله لا يعصي الله الكفلُ أبدًا، فمات من ليلته فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل". ورواه الترمذي من حديث الأعمش به وقال: حسن، قال بعضهم: حديث غريب جدًا وفي إسناده نظر. وفاته: قيل: مات ذو الكفل وكان عمره خمسًا وسبعين سنة على ما يرويه أهل التواريخ، ويقال إن قبره في قرية كفل حارس من أعمال نابلس في فلسطين.

قال الله تعالى: {وخُذ بيدِكَ ضِغْثًا فاضرِبْ بهِ ولا تَحْنث إنّا وجدناهُ صابرًا نِعمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص].

 

نسبه عليه الصلاة والسلام

 

قيل: هو أيوب بن موص بن رازح بن العيص بن اسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام، وقيل غير ذلك في نسبه، إلا أن الثابت أنه من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام.

وحُكي أن أمه بنت نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام. وأما زوجته فقيل: إنّ اسمها رحمة بنت يوسف بن يعقوب، وقيل غير ذلك.

وسيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام من الأنبياء المنصوص على الوحي إليهم في القرءان الكريم قال الله تبارك وتعالى: {إنَّا أوحينا إليكَ كما أوحينا إلى نوحٍ والنَّبيِّنَ مِنْ بعدِهِ وأوحينا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ وعيسى وأيوب} [سورة النساء].

وكان عليه الصلاة والسلام عبدًا تقيًا شاكرًا لأنعم الله رحيمًا بالمساكين، يُطعم الفقراء ويُعين الأرامل ويكفل الأيتام، ويكرم الضيف، ويؤدي حق الله عليه على أكمل وجه.

 

إبتلاء الله لأيوب عليه الصلاة والسلام

 

يقول الله تبارك وتعالى: {واذكُر عبدنا أيوبَ إذْ نادى ربَّهُ أنِّي مَسَّني الشيطانُ بنُصبٍ وعذابٍ} [سورة ص].

كان أيوب كثير المال ءاتاه الله الغنى والصحة والمال وكثرة الأولاد، وابتلاه بالنعمة والرخاء ولم تفتنه زينة الحياة الدنيا ولم تخدعه ولم تشغله عن طاعة الله، وكان عليه السلام يملك الأراضي المتسعة من أرض حوران، ثم ابتلاه الله بعد ذلك بالضرّ الشديد في جسده وماله وولده فقد ذهب ماله ومات أولاده جميعهم، فصبر على ذلك صبرًا جميلاً ولم ينقطع عن عبادة الله تعالى بأنواع من الأمراض الجسيمة في بدنه وهو في كل هذا البلاء صابرٌ محتسب يرجو ثواب الله في الآخرة، ذاكرًا لمولاه في جميع أحواله في ليله ونهاره وصاحبه ومسائه. وطال مرضه عليه الصلاة والسلام ولزمه ثماني عشرة سنة وكانت زوجته لا تفارقه صباحًا ولا مساء إلا بسبب خدمة الناس بالأجرة لتطعمه وتقوم بحاجاته، وكانت تَحْنو عليه وترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها وحسن معاشرتها لها في حالة السراء، لذلك كانت تتردد إليه فتصلح من شأنه وتعينه على قضاء حاجته ونوائب الدهر، وكانت تخدم الناس لتطعمه الطعام وهي صابرة معه محتسبة ترجو الثواب من الله تبارك وتعالى.

 

دعاء أيوب وشفاؤه عليه الصلاة والسلام، ورفع البلاء عنه بعد ثماني عشرة سنة من الضر والعذاب

 

كثرت البلايا والأمراض على نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام طيلة ثماني عشرة سنة، وهو صابرٌ محتسبٌ يرجو الثواب من الله تعالى، فدعا الله وابتهل إليه بخشوع وتضرع قائلاً: {أنِّي مَسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ} [سورة الأنبياء]، ثم خرج عليه الصلاة والسلام لقضاء حاجته وأمسكت زوجته بيده إلى مكان بعيد عن أعين الناس لقضاء حاجته فلما فرغ عليه الصلاة والسلام أوحى الله تبارك وتعالى إليه في مكانه: {اركُض برجلكَ هذا مُغتسلٌ باردٌ وشرابٌ} [سورة ص] فأمره تعالى أن يضرب برجله الأرض، فامتثل عليه الصلاة والسلام ما أمره الله به وأنبع الله تبارك وتعالى له بمشيئته وقدرته عَينين فشرب من إحداهما واغتسل من العين الأخرى فأذهب الله عنه ما كان يجده من المرض وتكاملت العافية وأبدله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة، ولما استبطأته زوجته وطال انتظارها، أقبل نبي الله عليه الصلاة والسلام إليها سليمًا صحيحًا على أحسن ما كان فلما رأته لم تعرفه فقالت له: بارك الله فيك هل رأيت نبي الله أيوب هذا المبتلى؟ فوالله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحًا، فقال لها عليه الصلاة والسلام: فإني أنا هو.

وكان لنبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام بَيدران بيدرٌ للقمح وبيدر للشعير فبعث الله تبارك وتعالى بقدرته سحابتين، فلما كانت إحداهما على بيدر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت السحابة الأخرى على بيدر الشعير الفضة حتى فاض وعمّ، وبينما كان أيوب عليه الصلاة والسلام يغتسل خرّ عليه وسقط جراد من ذهب وهذا إكرامٌ من الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام ومعجزة له، فشرع عليه السلام يحثي ويجمع في الثوب الذي كان معه استكثارًا من البركة والخير الذي رزقه الله إياه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيك عمّا ترى، فقال عليه الصلاة والسلام: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك، رواه البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، ورواه أحمد في مسنده موقوفًا، ورواه بنحوه ابن أبي حاتم وأحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بإسناد على شرط الصحيح.

وأغنى الله تبارك وتعالى عبده أيوب عليه السلام بالمال الكثير بعد أن كان قد فقد أمواله، وردَّ الله تبارك وتعالى لأيوب عليه السلام أولاده فقد قيل: أحياهم الله تبارك وتعالى له بأعيانهم، وزاده مثلهم معهم فضلاً منه وكرمًا، والله يؤتي فضله من يشاء ويرزق من يشاء بغير حساب.

يقول الله تبارك وتعالى: {واذكر عبدنا أيوبَ إذ نادى ربهُ أنِّي مسَّني الشيطانُ بنُصْبٍ وعذابٍ* اركُض برجلكَ هذا مُغتَسَلٌ باردٌ وشرابٌ* ووهَبْنا لهُ أهلهُ ومثلهم معهم رحمةً مِنَّا وذكرى لأولي الألبابِ} [سورة ص]، ويقول عز من قائل: {وأيوبَ إذ نادى ربَّهُ أنِّي مَسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ* فاستجبنا لهُ فكشفنا ما بهِ من ضرٍّ وءاتيناهُ أهلهُ ومثلهم معهم رحمةً مِنْ عِندنا وذكرى للعابدين} [سورة الأنبياء].

 

أيوب عليه الصلاة والسلام يبرُّ بيمينه ولا يحنث

 

يقولُ الله تبارك وتعالى: {وخُذْ بيدِكَ ضِغثًا فاضربْ بهِ ولا تَحْنَث إنَّا وجدناهُ صابرًا نِعْمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص] ضاق الحال بزوجة أيوب عليه السلام ذات يوم فباعت نصف شعرها لبعض بنات الملوك فصنعت له من ثمنه طعامًا فحلف أيوب عليه الصلاة والسلام إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة، ولما أراد أيوب عليه الصلاة والسلام أن يبرّ بيمينه بعد شفائه أمره الله أن يأخذ ضغثًا وهو الحُزْمة من الحشيش أو الريحان أو ما أشبه ذلك فيه مائة قضيب فيضرب بها زوجته ضربة واحدة وبذلك لا يحنث في يمينه، ولقد شرع الله تعالى له ذلك رحمة بها ولحسن خدمتها إياه وإحسانها إليه وشفقتها عليه أثناء مرضه ومصائبه التي ابتُلي بها طوال الثماني عشرة سنة التي ابتلاه الله بها، ولأنها امرأة مؤمنة صالحة تقية صابرة تؤدي حق زوجها عليها وتحسن معاشرته في السراء والضراء، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه وخافه، ولهذا قال الله تعالى: {إنَّا وجدناهُ صابرًا نِعْمَ العبدُ إنَّهُ أوَّابٌ} [سورة ص]، قيل: أي رجّاع منيب مقبل على طاعة الله.

 

موت أيوب عليه الصلاة والسلام

 

لقب نبي الله أيوب عليه السلام بالصدّيق وضرب به المثل في الصبر بسبب صبره الجميل طيلة الثماني عشرة سنة على المصائب والبلايا، وعاش أيوب عليه الصلاة والسلام بعد رفع الضر والمصائب عنه مُسَارعًا في طاعة الله لا تغرّه الحياة الدنيا وزهرتها يؤدي ما فرض الله عليه ويدعو إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده لا شريك له، ويستعمل ما رزقه الله من أموال كثيرة في طاعة الله، إلى أن توفاه الله وهو عنه راضٍ.

وقيل إنه لما توفي كان عمره ثلاثًا وتسعين سنة، وقيل أكثر من ذلك.

 

عصمة نبي الله أيوب من الأمراض المنفرة

 

اعلم رحمك الله بتوفيقه أنّ علماء العقيدة قد قرروا أن أبياء الله ورسه هم صفوة خلق الله، فيجب للأنبياء الصدق ويستحيل عليهم الكذب، ويجب لهم الفطانة [الذكاء] ويستحيل عليهم البلادة والغباوة، ويجب لهم الصيانة فيستحيل عليهم الرذيلة والسفاهة والجبن، ويجب لهم الأمانة ويستحيل عليهم الخيانة، فالأنبياء سالمون من الكفر وكبائر الذنوب وصغائر الخسة كسرقة حبة عنب، وكذلك يستحيل عليهم الأمراض المنفرة التي تنفر الناس عنهم، وهذا من العصمة الواجبة لهم.

لذلك قال العلماء: إن من نسب إلى نبي من الأنبياء الكذب أو الخيانة أو الرذائل أو السفاهة أو الجُبن أو نحو ذلك من صفات النقصان فقد كفر، فإذا علم ذلك تبيّن أن ما يرويه وينسبه بعض الناس إلى سيدنا أيوب من أنه ابتلي في جسمه بأمراض منفرة لا أساس ولا صحة له، بل هو أكاذيب لا تقوم بها الحجة. ومن هذه الأخبار الكاذبة في بلاء أيوب أن الله سلط عليه إبليس فنفخ عليه فأصابه مرض الجذام الخبيث حتى صار الدود يتناثر من بدنه وجسمه ويقول لها: كلي من رزقك يا مُباركة، إلى ءاخر ما يذكره أهل القصص وبعض المفسرين وهي لا تجوز في حق الأنبياء بل تستحيل عليهم وذلك للعصمة التي عصمهم الله بها. فهذا تكذيب للدين وكفر لأن هذا لا يليق بنبي من الأنبياء، وكيف يرد الدود إلى جسمه ليتأذى به والله تعالى يقول: {وأنفِقوا في سبيل اللهِ ولا تُلقوا بأيديكُم وأحسنوا إنَّ اللهَ يحبُّ المُحسنينَ} [سورة البقرة]، ويقول: {يا أيها الذينَ ءامنوا لا تأكلوا أموالكُم بينكم بالباطلِ إلا أن تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكُم ولا تقتلوا أنفُسَكم إنَّ اللهَ كانَ بكم رحيمًا} [سورة النساء].

ولا صحة لما ذكر في كتاب الإبريز أن مرضه كان شهرين خلاف ما جاء في حديث رسول الله، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "كان بلاء أيوب ثمانية عشر عامًا" رواه ابن حبان وصححه ولم يقل عليه الصلاة والسلام في حق أيوب أصابته الجدري أو كان الدود يغلي في جسمه، والتفاسير الصحيحة ليس فيها شيء من هذه الأكاذيب هذا وأن الأنبياء لتمكنهم في الصبر وبلوغهم في ذلك إلى ما لم يبلغه غيرهم جعل الله في الدنيا حظهم من البلاء أكثر ليتأسى بهم أتباعهم المؤمنون. والله أعلم وأحكم.

قال الله تعالى: {لقد كانَ في يوسفَ وإخوتِهِ ءاياتٌ للسائِلينَ} [سورة يوسف]، وقال الله تعالى في حق نبيه يوسف عليه السلام: {ولمَّا بلغَ أشُدَّهُ ءاتيناهُ حُكمًا وعِلمًا وكذلكَ نَجْزي المُحسنينَ} [سورة يوسف].

 

نسبه عليه السلام

 

هو يوسف ابن نبي الله يعقوب – إسرائيل- بن إسحاق بن إبراهيم، وقد أعطي يوسف عليه السلام شطرَ الحُسن.

وقد أثنى الله عليه ووصفه بالعفة والنزاهة والصبر والاستقامة قال تعالى: {كذلكَ لِنَصرِفَ عنهُ السُّوءَ والفحشاءَ إنَّهُ من عبادنا المُخلصينَ} [سورة يوسف].

كما أثنى عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنّ الكريمَ ابنَ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" رواه البخاري.

 

عدد المرات التي ذكر بها في القرءان

 

ذكر اسم يوسف عليه السلام في القرءان الكريم في ست وعشرين ءاية، منها أربع وعشرون ءاية في سورة يوسف، وءاية في الأنعام، وءاية في سورة المؤمن [غافر].

وهو من أشهر أنبياء بني إسرائيل، وقد ذُكرت قصة سيدنا يوسف عليه السلام في سورة يوسف مُفصلة، وفيها بيانٌ لحياته ومحنته مع إخوته ومحنته مع امرأة العزيز، ودخوله السجن ودعوته فيه إلى الله تعالى، ثم خروجه من السجن وتفسيرُه الرؤيا للملك واستلامه لخزائن الأرض أي أرض مصر، ثم مجيء إخوته إلى مصر بسبب القحط، وإبقاؤه لأخيه بنيامين عنده، ثم اجتماعه بأبيه وإخوته ودخولهم عليه وسجودهم له على وجه التحية والتعظيم وكان ذلك جائزًا في شريعتهم، إلى غير ذلك من إشارات دقيقة وعظات بالغة يُستفاد بها من حياة هذا النبي الكريم.

 

إخوته عليه السلام والأسباط

 

تقدم أن يعقوب عليه السلام تزوج ابنتي خاله "ليّا" و"راحيل" وجمع بينهما وكان ذلك جائزًا في شريعتهم، ثم نسخ في شريعة التوراة، وأنهما ولدتا له عددًا من الأولاد.

وليعلم أن الأسباط هم ذرية إخوة يوسف عليه السلام وهم شعوب بني إسرائيل، وكان يوجد فيهم أنبياء نزل عليهم الوحي، ولم يكن من أولاد يعقوب نبي غير يوسف عليه السلام إلا أن هناك احتمالاً أن يكون بنيامين نبيًّا، وأما ما ذهب البعض إليه من القول بنبوة أخوته فمردودٌ لأنّ النبوة لا تصح لإخوة يوسف الذين فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة وهم من سوى بنيامين، فالأسباط الذين أنزل عليهم الوحي هم من نُبّئ من ذريتهم.

 

قصة يوسف الصديق في القرءان

 

كان يعقوب عليه السلام يحب ابنه يوسف وبنيامين كثيرًا ويؤثرهما بزيادة المحبة على إخوتهما لما لهما من المحاسن كحسن الخلق وكان ذلك سببًا في حقد إخوتهما عليهما، وسببًا في محنة يوسف التي ابتُلي بها ونال بها الدرجات العلى عند الله.

 

رؤيا يوسف عليه السلام في المنام

 

رأى يوسف عليه السلام في المنام وهو صغير لم يحتلم أن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر تسجد له، قال المفسرون: كانت الكواكب في التأويل إخوته، والشمس أمه، والقمر أباه، فقصَّ يوسف عليه السلام هذه الرؤيا على أبيه قيل: كان عمره وقتئذ اثنتي عشرة سنة، فأشفق عليه أبوه يعقوب من حسد إخوته له، قال تعالى إخبارًا عن قول يعقوب: {قالَ يا بُنَيَّ لا تقصُص رُءياكَ على إخوتك فيكيدوا لكَ كيدًا} [سورة يوسف] أي يدبروا حيلة لإهلاكك لأن الشيطان للإنسان عدو مبين.

قال الله تعالى: {إذ قالَ يوسفُ لأبيهِ يا أبتِ إنِّي رأيتُ أحدَ عشرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ رأيتهم لي ساجدينَ* قالَ يا بنيّ لا تقصُص رُءياكَ على إخوتكَ فيكيدوا لكَ كيدًا إنَّ الشيطانَ للإنسانِ عدوٌ مبينٌ} [سورة يوسف].

ولقد علم يعقوب عليه السلام أنه سيكون لابنه يوسف شأن عظيم وسينالُ رتبة علية ورفعة سامية في الدنيا والآخرة، لذلك أمره بكتمان ما رأى في المنام وألا يقصها على إخوته خوفًا عليه من كيدهم وحسدهم.

 

حسد إخوته وحقدهم عليه وعزمهم على التخلص منه

 

كان بقية أبناء يعقوب عليه السلام يحسدون يوسف وشقيقه بنيامين على هذه المحبة والخصوصية لهما وهم يعتبرون أنفسهم جماعة أقوياء نافعين له أحق بمحبته قال تعالى: {إذ قالوا ليوسفُ وأخوهُ أحبُّ إلى أبينا مِنَّا ونحنُ عُصبةٌ إنَّ أبانا لفي ضلالٍ مبينٍ} [سورة يوسف] وازداد كره إخوته وحسدهم ليوسف خاصة لمّا علموا بأمر رؤياه، ولذلك تآمروا فيما بينهم على أن يُفرقوا بينه وبين أبيه، وتشاوروا فيما بينهم على قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم عن شغله بيوسف، وقالوا سنتوب بعد ذلك لنكون من الصالحين، قال الله تعالى حكاية عنهم: {اقتُلوا يوسفَ أوِ اطرحوهُ أرضًا يَخْلُ لكم وجهُ أبيكُم وتكونوا من بعدهِ قومًا صالحينَ} [سورة يوسف].

ولكنّ قائلاً منهم قيل هو أخوه يهوذا وقيل غيره، قال لهم: لا تقتلوا يوسف، وأمرهم أن يلقوه في قعر البئر فيلتقطه بعض المارة من المسافرين فيأخذونه وبذلك يتخلصون منه.

قال الله تبارك وتعالى: {قالَ قائلٌ منهُم لا تقتلوا يوسفَ وألقوهُ في غَيَبَتِ الجُبِّ يلتقطهُ بعضُ السَّيارةِ إن كنتم فاعلينَ} [سورة يوسف] وأخذ عليهم أخوهم يهوذا العهود أنهم لا يقتلونه، فأجمعوا عند ذلك على أن يدخلوا على يعقوب ويكلموه في إرسال يوسف معهم إلى البرية ليلعب معهم ويأكل، لذلك دخلوا على أبيهم وطلبوا منه أن يسمح لهم باصطحاب يوسف إلى الصحراء وتعهدوا له أن يحافظوا عليه: {قالوا يا أبانا ما لكَ لا تَأمَنَّا على يوسف وإنَّا لهُ لناصِحونَ* أرسِلهُ معنا غدًا يَرْتع ويلعب وإنَّا لهُ لحافظنَ} [سورة يوسف].

وكان يعقوب عليه السلام قد خطر له ما يضمره بنوه لأخيهم يوسف، وكان يعزّ عليه أن يذهبوا به لأنه كان يخشى عليه منهم، لذلك أراد أن يثنيهم عن هذا الأمر بقوله: {قالَ إنِّي ليُحزنني أن تذهبوا بهِ وأخافُ أن يأكلهُ الذئبُ وأنتم عنهُ غافلون} [سورة يوسف].

وهو كان يتخوّف على يوسف من عدوانهم أكثر مما يتخوف عليه عدوان الذئب ولكنهم كانوا بارعين في الدهاء لذلك قال تعالى: {قالوا لئن أكلَهُ الذئبُ ونحنُ عُصبةٌ إنَّا إذًا لخاسرونَ} [سورة يوسف] أي لئن أكله الذئب ونحن جماعة كثيرون نكون إذًا عاجزين هالكين.

 

تنفيذ إخوة يوسف مؤامرتهم بإلقاء يوسف في البئر لإهلاكه

 

أرسل يعقوب يوسف مع إخوته لئلا يشعروا أن أباهم يخشى عليه منهم فيدبوا له مكيدة في غيابه فأرسله معهم على كِره ومضض، وما إن غابوا به عن عينيه انطلقوا به إلى البئر ليطرحوه فيه فخلعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، لِمَ نزعتم قميصي؟ رُدُّوه عليّ أستر بع عورتي ويكن كفنًا لي في مماتي، فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبًا تؤنسك، ثم أدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها وجعل يبكي، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرجموه بالحجارة فمنعهم أخوه يهوذا، ولما ألقوه في قعر البئر أوحى الله إليه أنه لا بُدّ من فرج ومخرج من هذه الشدة والضيق ولتُخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا في وقت يكون لك فيه العزة والسيادة عليهم وهم لا يعلمون أمرك، قال الله تعالى: {فلمّا ذهبوا بهِ وأجمعوا أن يجعلوهُ في غَيَبتِ الجُبّ وأوحينا إليهِ لَتُنَبّئَنّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرونَ} [سورة يوسف].

 

تلطيخ قميص يوسف بدم مكذوب لإخفاء الجريمة

 

بعد أن ألقى إخوة يوسف أخاهم في البئر أرادوا أن يُخفوا جريمتهم، لذلك عمدوا إلى جّدْي من الغنم فذبحوه ثم غمسوا قميص يوسف في دمه ورجعوا إلى أبيهم يعقوب في وقت العشاء يبكون، وإنما جاءوا وقت العتمة ليكونوا أجرأ في وقت الظلام على الاعتذار بالكذب، فلما دنوا منه صرخوا صراخ رجل واحد ورفعوا أصواتهم بالبكاء والعويل، فلما سمع يعقوب عليه السلام صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ، هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم وأين يوسف؟ فقالوا له كاذبين: يا أبانا إنّا ذهبنا للسباق والرمي بالسهام وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وأنت لستَ بمصدقنا ولو كنا صادقين.

قال تعالى: {وجاءُو أباهُم عِشاءً يبكون* قالوا يا أبانا إنّا ذهبنا نَسْتبقُ وتركنا يوسفَ عندَ متاعنا فأكلهُ الذئبُ وما أنتَ بمؤمنٍ لنا ولو كُنّا صادقين} [سورة يوسف].

وعندما سمع يعقوب عليه السلام كلام أبنائه وما ادعوه بكى وقال لهم: أين القميص؟ فجاءوا بالقميص عليه دم كذب وليس فيه خرقٌ، ويُروى أنّ يعقوب عليه السلام أخذ القميص وأخذ يقبله وقال لهم متهكمًا: ما أحلم هذا الذئب الذي أكل ابني دون أن يمزق ثوبه!! وقال هذا الكلام تعريضًا بكذبهم وإيذانًا لهم بأن صنيعهم ومكرهم هذا لم يمر عليه، قال الله تعالى: {وجاءو على قميصِهِ بدمٍ كذبٍ قالَ بل سَوَّلَتْ لكُم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميلٌ واللهُ المُستعانُ على ما تصِفونَ} [سورة يوسف] أي لقد زينت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون فصبر جميل وربي المعين على ما تصفون من الكذب.

 

إنقاذ يوسف عليه السلام من البئر

 

أقام يوسف عليه السلام في البئر ثلاثة أيام وكان البئر قليل الماء ومرت قافلة من القوم أمام البئر الذي أُلقيَ فيه يوسف عليه السلام فبعثوا من يستقي لهم الماء من البئر، فلمّا أدلى دلوه في البئر الذي فيه يوسف عليه السلام تعلق به، فلما نزع الدلو يحسبها قد امتلأت ماء، إذا بها غلامٌ جميل حسن الوجه مُشرق المُحيّا فاستبشر الرجل به وقال لأصحابه: يا بُشرى هذا غلام، فأقبل أصحابه يسألونه الشركة فيه واستخرجوه من البئر، فقال بعضهم لبعض: اكتموه عن أصحابكم لئلا يسألوكم الشركة فيه، فإن قالوا: ما هذا؟ فقولوا: استبضعناه أهل الماء – أي وضعوه معنا بضاعة- لنبيعه لهم بمصر ولمّا استشعر إخوة يوسف عليه السلام بأخذ القافلة ليوسف عليه السلام لحقوهم وقالوا: هذا غلامنا [أي عبد لنا] أبقَ وهرب منا فصدقهم أهل القافلة فاشتروه منهم بثمن بخس وقليل من الدراهم المعدودة، قال الله تعالى: {وجاءتْ سيَّارةٌ فأرسلوا واردهم فأدلى دلوهُ قال يا بشرى هذا غلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعةً واللهُ عليمٌ بما يعملون* وشروهُ بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودةٍ وكانوا فيهِ مِنَ الزَّاهدين} [سورة يوسف].

 

بيعُ يوسف عليه السلام لعزيز مصر ووزيرها

 

لما ذهبت القافلة ومعها يوسف عليه السلام إلى مصر، وقفوا في سوق مصر يعرضونه للبيع، فأخذ الناس في مصر يتزايدون في ثمنه حتى اشتراه منهم عزيزُها وهو الوزير المؤتمن على خزائنها يقال له "قطفير" وكان ملك مصر يومئذٍ "الرَّيان بن الوليد" وهو رجلٌ من العمالقة، وذهب الوزير الذي اشترى يوسف عليه السلام به إلى منزله فرحًا مسرورًا وقال لامرأته واسمها زَليخا وقيل: راعيل: {أكرمي مَثواهُ عسى أن ينفعنا أو نتَّخذهُ ولدًا} [سورة يوسف] وكان هذا الوزير لا يأتي من النساء ولا يميل لهنّ وكانت امرأته "زليخا" امرأة جميلة حسناء ناعمة في ملكٍ ودنيا.

ولما رأى هذا الوزير في يوسف عليه السلام الذكاء والأمانة والعلم والفهم جعله صاحب أمره ونهيه والرئيس على خدمه وهذا إكرام من الله حيث قيَّض الله تبارك وتعالى ليوسف الصدّيق عليه السلام العزيز وامرأته يُحسنان إليه ويعتنيان به، كما أنقذه من إخوته حين همُّوا في البداية بقاله إلى أن ألقوه في البئر ثم أخرجه منه وصيّره إلى هذه الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر ووزيرها، ومكن له في الأرض وجعله على خزائنها وتولاه الله بعنايته وعلّمه من لدنه علمًا عظيمًا وأعطاه علمَ تعبير الرؤيا والله تعالى غالبٌ على أمره نافذ المشيئة في مخلوقاته، فعّال لما يريد لا أحد يمنع ما شاءه الله وقدّره، يقول تعالى: {وكذلكَ مَكَّنَّا ليوسفَ في الأرضِ ولِنُعلِّمَهُ مِن تأويل الأحاديثِ واللهُ غالبٌ على أمرهِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون} [سورة يوسف].

ولما بلغ يوسف عليه السلام شدته وقوته في شبابه وبلغ أربعين سنة ءاتاه الله الحكم والعلم وجعله نبيًا وكذلك يجزي الله المحسنين من عباده القائمين بأمره المهتدين إلى طاعته، قال تعالى: {ولمّا بلغَ أشُدَّهُ ءاتيناهُ حُكمًا وعِلمًا وكذلكَ نجزي المُحسنين} [سورة يوسف].

 

محنة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز

 

أقام يوسف عليه السلام في بيت عزيز مصر ووزيرها مُنعمًا مُكرمًا وكان فائق الحسن والجمال، فلما شب وكبر أحبته امرأة العزيز حبًا جمًا وعشقته وشغفها حبُّه لما رأت من حسنه وجماله الفائق. وذات يوم وقيل: كان عمر يوسف سبعة عشر عامًا أرادت امرأة العزيز أن تحمله على مُواقعتها وما يريد النساء من الرجال عنوة، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وغلقت الأبواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخرها ودعته صراحة إلى نفسها من غير حياء وطلبت منه ما لا يليق بحاله ومقامه، والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحِرص، ولكن هيهات هيهات.. وهو النبي العفيف الطاهر المعصوم عن مثل تلك الرذائل والسفاهات والفواحش وهو نبيٌّ من سلالة الأنبياء الذين يستحيل عليهم الرذائل والفواحش. لذلك أبى يوسف عليه السلام ما دعته إليه امرأة العزيز، وامتنع أشد الامتناع وأصر على عصيان أمرها وقال: معاذ الله، أي أعوذ بالله أن أفعل هذا، ثم قال لها: {إنَّهُ ربي أحسنَ مَثوايَ إنَّهُ لا يُفلحُ الظالمونَ} [سورة يوسف] يريدُ أن زوجها صاحب المنزل سيدي – أي بحسب الظاهر للناس- أحسن إليّ وأكرم مقامي عنده وائتمنني فلا أخونه في أهله، وأنّ الذي تدعينني إليه لظلمٌ فاحش ولا يفلح الظالمون، يقول الله تعالى: {وراودتهُ التي هوَ في بيتِها عن نفسهِ وغلَّقت الأبوابَ وقالت هَيْتَ لكَ قالَ معاذَ اللهِ إنَّهُ ربي أحسنَ مثوايَ إنَّهُ لا يُفلح الظالمون} [سورة يوسف].

وأمام إباء يوسف عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز، وأمام عفته وإصراره على عدم الوقوع معها في الحرام، ازدادت هي إصرارًا على الهَمّ بالرذيلة فأمسكت به تريدُ أن تجبره على مواقعتها وارتكاب الفاحشة معها من غير حشمة وحياء، فصار عليه السلام يحاول التخلص منها، فأفلت من يدها فأمسكت ثوبه من خلف فتمزق قميصه، وظلت تلاحقه وهما يستبقان ويتراكضان إلى الباب هو يريد الوصول إليه ليفتحه ليتخلص منها يدفعه إلى ذلك الخوف من الله مولاه، وهي تريد أن تحول بينه وبين الباب تدفعها إلى ذلك الشهوة الجامحة والاستجابة لوساوس الشيطان، وفي تلك اللحظات وصل زوجها العزيز فوجدها في هذه الحالة، فبادرته بالكلام وحرضته عليه وحاولت أن تنسب إلى يوسف عليه السلام محاولة إغوائها والاعتداء عليها مدعية أنها امتنعت وهربت منه فنسبت إلى يوسف الخيانة وبرّأت نفسها، لذلك ردّ نبي الله يوسف عليه السلام التهمة عن نفسه وقال: هي راودتني عن نفسي، يقول الله تبارك وتعالى: {واستَبقا البابَ وقدّتْ قميصهُ من دُبُرٍ وألفيا سيِّدها لدا البابِ قالت ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلكَ سوءًا إلا أن يُسجنَ أو عذابٌ أليمٌ* قالَ هيَ راودتني عن نفسي} [سورة يوسف].

وأما قوله تعالى: {ولقد همَّت بهِ وهمَّ بها لولا أن رءا بُرهانَ ربِّهِ} [سورة يوسف] فمعناه أن امرأة العزيز همت بأن تدفعه إلى الأرض لتتمكن من قضاء شهوتها بعد وقوعه على الأرض وهو هم بأن يدفعها عنه ليتمكن من الخروج من الباب لكن لم يفعل هو لأن الله ألهمه أنه لو دفعها لكان ذلك حجة عليه عند أهلها بأن يقولوا إنما دفعها ليفعل بها الفاحشة، وهذا معنى قول الله تعالى: {ولولا أن رءا برهان ربه} أي لولا أن رأى برهانًا من الله لدفعها، فلم يدفعها بل أدار لها ظهره ذاهبًا إلى الباب فلحقته فشقت قميصه من خلف فكان الدليل والحجة عليها ولو ضربها ودفعها لكان ضربه ودفعه إياها حجة لها عليه، لأنها تقول: راودني فمنعته فضربني.

والذي يجب أن يُعتقد أن الله تبارك وتعالى عصم نبيه يوسف عليه السلام ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، كما صان وعصم سائر أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام لأن الأنبياء كما أجمع علماء الإسلام أنه تجب للأنبياء الصيانة، فيستحيل عليهم الرذائل والسفاهة والجبن، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في حق يوسف عليه السلام نافيًا عنه السوء والفحشاء ومُطهرًا إياه من قصد الفاحشة والهم بالزنى: {كذلكَ لِنصرف عنهُ السوءَ والفحشاءَ إنَّهُ مِن عبادنا المُخلصين} [سورة يوسف].

لذلك لا يصح ما يروى عن بعض المفسرين أنه حلّ السراويل وقعد منه مقعد الرجل من امرأته، فإن هذا باطل لا يليق بنبي من أنبياء الله تعالى، وكذلك ما في تفسير الجلالين وغيره أن يوسف قصد الزنى بها فإنه لو كان حصل هذا من يوسف لكان فيه دليل على العزم والأنبياء صلوات الله عليهم معصومون من العزم على الزنى والفاحشة ومقدماتها، قال تعالى في بيان براءة يوسف عليه السلام: {قالتِ امرأتُ العزيزِ الئنَ حَصْحَصَ الحقُّ أناْ راودتهُ عن نفسهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصادقينَ} [سورة يوسف].

 

تبرئة يوسف عليه السلام مما اتهمته به امرأة العزيز

 

بعد أن اتهمت امرأة العزيز يوسف عليه السلام بأنه حاول الاعتداء عليها بالفاحشة وبرأت نفسها ردّ يوسف عليه السلام هذه التهمة عنه وقال: هي راودتني عن نفسي، وفي هذا الموقف أنطق الله القادر على كل شيء شاهدًا من أهلها وهو طفل صغير في المهد لتندفع التهمة عن يوسف عليه السلام وتكون الحجة على المرأة التي اتهمته زورًا ولتظهر براءة يوسف عليه السلام واضحة أمام عزيز مصر ووزيرها، فقال هذا الشاهد من أهلها: {إنْ كانَ قميصهُ قُدَّ من قُبُلٍ فَصَدقت وهُوَ مِنَ الكاذبينَ} [سورة يوسف] أي لأنه يكون قد راودها فدفعته حتى شقّت مُقَدَّم قميصه فتكون التهمة بذلك على يوسف، ثم قال: {وإن كان قميصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فكذَبت وهوَ من الصادقين} [سورة يوسف] أي لأنه يكون قد تركها وذهب فتبعته وتعلقت به من خلف فانشقّ قميصه بسبب ذلك وتكون التهمة بذلك على امرأة العزيز، فلما وجد العزيز أنّ قميص يوسف قد انشق من خلف خاطب زوجته وقال لها: {إنَّهُ مِن كَيْدكُنَّ إنَّ كيدكُنَّ عظيمٌ} [سورة يوسف] أي هذا الذي جرى من مكركنّ، أنت راودته عن نفسه ثم لتدفعي التهمة عن نفسك اتهمته بالباطل والبهتان.

ثم قال زوجها ليوسف عليه السلام بعد أن ظهرت براءته: {يوسف أعرِض عن هذا} [سورة يوسف] أي لا تذكره لأحد لأن كتمان مثل هذه الأمور في ذلك الحين أحسن، ثم أمر زوجته بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها وقال لها: {واستغفري لذنبك إنَّكِ كنتِ من الخاطئين} [سورة يوسف] يعني من المذنبين الآثمين.

وبذلك ظهرت براءة يوسف عليه السلام ظهور الشمس في وضح النهار، وظهر للعزيز عفى يوسف عليه السلام، وأنه نزيه العِرض سليم الناحية، وأنه منزه عن التهمة التي اتهمته بها امرأته زورًا وبُهتانًا.

 

شيوع الخبر في المدينة وتحدث النساء به

 

شاع خبر امرأة العزيز ويوسف عليه السلام في أرجاء المدينة وأخذت ألسنة النساء من نساء الأمراء وبنات الكُبراء في الطعن على امرأة العزيز وعَيبها، والتشنيع عليها على فعلتها، كيف تعشق سيدة ذات جاه ومنصب فتاها وتراوده عن نفسه فتطلب منه مواقعتها، وبلغ ذلك امرأة العزيز فأرسلت إلى هؤلاء اللائمات من ذوات الثراء والجاه ودبرت لهنّ مكيدة حتى يعذرنها في حبّها وغرامها ليوسف عليه الصلاة والسلام فجمعتهنّ في منزلها وأعدّت لهنّ ضيافة تليقُ بحالهنّ، فقد هيأت لهن مكانًا أنيقًا فيه من النمارق والوسائد ما يتّكئنَ عليه، وقدمت إليهنّ طعامًا يحتاج إلى القطع وسكينًا، وقيل: ناولت كل واحدة منهُنّ أُترُجَّة – نوع من الفاكهة- وسكينًا وقالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أُعلمكنّ، ثم قالت ليوسف عليه السلام: اخرج عليهنّ، فلما خرج عليه السلام إلى مكان جلوس هؤلاء النسوة ورأينه بَهَرَهنّ حُسنه الفائق وتَشاغلن عمّا في أيديهنّ فصرن يحززنَ أيديهن ويقطعنها وهن يحسبنَ أنهن يقطعن الطعام والفاكهة، وهنَّ لا يشعرن بألم الجُرح، وأعلنَّ إكبارهن وإعظامهن لذلك الجمال الرائع الذي كان عليه سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، حيث ما ظننَّ أن يكون مثلُ هذا الجمال في بني ءادم. ثم قُلنَ: حاشَ لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا مَلَك كريم، عند ذلك باحت امرأة العزيز بحبها وشغفها بيوسف عليه السلام الذي بهرها جماله وملكَ عليها قلبها، وقالت للنسوة معتذرة في عشقها يوسف وحبها إياه: فذلكنَّ الذي لُمتني فيه، ثم مدحت يوسف عليه السلام بالعفة التامة والصيانة، واعترفت وأقرت لهنّ بأنها هي التي راودته عن نفسه وطلبت منه ما تريد ولكنه استعصم وامتنع، وأخبرتهنّ أنه إن لم يُطاوعها إلى ما تريدُ من قضاء شهوتها ليُحبسن في السجن ويكون فيه ذليلاً صاغرًا.

قال الله تبارك وتعالى: {وقالَ نسوةٌ في المدينةِ امرأتُ العزيزِ تراودُ فتاها عن نفسهِ قد شغفها حُبًّا إنَّا لنراها في ضلالٍ مبينٍ* فلمّا سمعت بمكرهنَّ أرسَلت إليهنَّ وأعْتَدَتْ لهُنَّ مُتَّكئًا وءاتَتْ كُلَّ واحدةٍ منهُنَّ سكينًا وقالتِ اخرُجْ عليهنَّ فلمَّا رأينهُ أكبرنهُ وقطعنَ أيديهنَّ وقُلنَ حاشَ للهِ ما هذا بشرًا إنْ هذا إلا ملكٌ كريمٌ* قالتْ فذلكُنَّ الذي لُمتني فيهِ ولقد راودتهُ عن نفسهِ فاستعصمَ ولئن لم يفعل ما ءامرهُ لَيُسجَنَنَّ وليكونًا من الصَّاغرينَ} [سورة يوسف].

وقامت النساء يحرضن يوسف عليه السلام على السمع والطاعة لسيدته ولكنه عليه السلام أبى أشد الإباء ودعا ربه مستغيثًا به فقال في دعائه: {ربِّ السِّجنُ أحَبُّ إليَّ ممَّا يدعونني إليهِ وإلا تَصْرِفْ عني كيدهُنَّ أصْبُ إليهنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهلينَ} [سورة يوسف]، يعني إن وكلتني إلى نفسي فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وأحطتني بحولك وقوتك. فاستجاب الله تعالى دعوة نبيه يوسف عليه السلام وصرف عنه كيدهن ونجّاه من ارتكاب المعصية معهن قال الله تعالى: {فاستجابَ لهُ ربُّهُ فصرفَ عنهُ كيدهُنَّ إنَّهُ هوَ السميعُ العليمُ} [سورة يوسف].

 

دخول يوسف عليه الصلاة والسلام السجن ودعوته فيه إلى دين الله وعبادة الله وحده

 

قال الله تعالى: {ثُمَّ بدا لهُم من بعدِ ما رأوا الأياتِ ليسجُنُنَّهُ حتى حينٍ} [سورة يوسف] يذكر الله تعالى عن العزيز وامرأته وغيرهما أنهم بدا لهم وظهر لهم من الرأي سجن يوسف مع علمهم ببراءته إلى وقت، ليكون ذلك تخفيفًا لكلام الناس في تلك القضية، وليظن الناس بحبس يوسف عليه السلام أنه هو الذي راودها عن نفسها ودعاها إلى ذلك، ولذلك سجنوا يوسف الصديق ظُلمًا وعُدوانًا من غير جريمة اقترفها وارتكبها، ودخل السجن مع يوسف عليه السلام فَتَيان أحدُهما رئيس سقاة الملك، والثاني رئيس الخبازين عنده، وكان الملك قد اتهمهما في دسّ السم له لاغتياله والتخلص منه، فسجنهما ورأى كل من ساقي الملك وخبازه في ليلة واحدة رؤيا شغلت فكرهما، أما الساقي فقد رأى كأن ثلاثة قضبان من الكرم والعنب قد أورقت وأينعت فيها عناقيد العنب فأخذها واعتصرها في كأس الملك وسقاه منها، ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضواري الطيور تأكل من السلة العليا، فقصّ كل من الساقي والخباز رؤييهما على يوسف عليه السلام وطلبا منه أن يفسر لكل واحد منهما رؤياه ويعبرها لهما بعدما أعلمهما يوسف عليه السلام وأعلم أهل السجن بأنه يعبّر الأحلام ويفسرها، وبعدما رأيا من يوسف الصديق في السجن من حُسن السيرة وعظيم الاخلاق وكثرة عبادته لربه ما أعجبهما أشد الإعجاب، يقول الله تبارك وتعالى: {ودخل معهُ السِّجنَ فَتَيانِ قالَ أحدُهما إني أراني أعصِرُ خمرًا وقالَ الآخرُ إني أراني أحملُ فوقَ رأسي خُبزًا تأكُلُ الطيرُ منهُ نبِّئنا بتأويله إنَّا نراكَ مِنَ المُحسنين} [سورة يوسف].

فلما استمع يوسف عليه السلام إلى الرجلين وسمع ما رأيا في منامهما من رؤيا قال لهما: {لا يأتيكما طعامٌ تُرزقانهِ إلا نَبَّأتُكُما بتأويلِهِ قبلَ أن يأتيكُما} [سورة يوسف] أي مهما رأيتما من حلم ومنام فإني أعبره وأفسره لكما قبل وقوعه فيكون كما أقول، ثم قال لهما: {ذلكما ممَّا علَّمني ربي إنِّي تركتُ مِلَّةَ قومٍ لا يؤمنونَ باللهِ وهُم بالآخرةِ هُم كافرون} [سورة يوسف].

أخذ نبي الله يوسف الصديق وهو في السجن يدعو إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الاصنام، فدعا الرجلين اللذين طلبا منه أن يفسر لهما رؤييهما إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام وأخذ يُصغر لهما أمر الأصنام ويحقرها لأنها لا تضرُّ ولا تنفع، وبيّن لهما أنّ ما هما عليه وءاباؤهم من عبادة أحجار هي عبادةٌ باطلة لأن الله تبارك وتعالى هو وحده الذي يستحق العبادة لأنه هو المتصرف في خلقه وهو الفعال لما يريد الخالق لكل شيء الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لقد أراد يوسف عليه السلام بحكمته أن يتحدث معهما في الأهم والأولى، وكانت دعوته لهما إلى عبادة الله وحده وإلى دين الإسلام في هذه الحال في غاية الكمال لأن نفوسهما كانت مُعظمة ليوسف عليه السلام سهلة الانقياد على تلقي ما يقول بالقبول، فناسب من نبي الله يوسف عليه السلام أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن يوسف عليه السلام وما قاله لصاحبيه في السجن: {إنِّي تركتُ مِلَّةَ قومٍ لا يؤمنونَ باللهِ وهُم بالآخرةِ هُم كافرون* واتَّبعتُ مِلَّةَ ءاباءي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ما كانَ لنا أن نُشركَ باللهِ مِن شيءٍ} [سورة يوسف] الآية أي اتبعت دين الإسلام دين ءابائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، {ما كانَ لنا أن نُشركَ باللهِ من شيء} أي إن الله عصمنا من الكفر والشرك فلم نشرك بالله ولم نعبد إلا الله وحده.

وقال لهما: {ذلكَ مِنْ فضلِ اللهِ علينا} [سورة يوسف] أي إنَّ اتباعنا الإيمان بتوفيق الله {وعلى الناسِ} يعني المؤمنين بأنه دلهم على دينه وهداهم للإيمان والإسلام.

ثم قال لهما: {يا صاحبَيِ السجنِ ءأربابٌ مُتَفرقونَ خيرٌ أمِ اللهُ الواحدُ القهَّارُ} [سورة يوسف]، فبيّن لهما أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد القهار الذي يستحق الألوهية بخلاف الأصنام صغيرها وكبيرها، ثم قال لهما: {ما تعبدونَ مِن دونِهِ إلا أسماءً سمَّيتموها أنتُم وءابؤُكم ما أنزلَ اللهُ بها مِن سُلطانٍ إنِ الحكمُ إلا للهِ أمرَ ألا تعبدوا إلا إيَّاهُ ذلكَ الدينُ القيِّمُ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون} [سورة يوسف].

بعد أن تحدث يوسف عليه السلام مع صاحبيه في السجن عن الأهم والأولى وهو دعوتهما إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، أخبرهما بعد ذلك بتأويل رؤياهما فقال للأول وهو الساقي: أما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يبعث إليك الملك بعد انقضائها فيردك إلى عملك ساقيًا.

ثم قال للخباز: السلال الثلاث ثلاثة أيام ثم يبعث إليك الملك عند انقضائهما فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك، قال الله تعالى إخبارًا عن يوسف عليه السلام: {يا صاحبيِ السجنِ أمَّا أحدُكما فيسقي ربَّهُ خمرًا وأما الآخرُ فيُصلبُ فتأكلُ الطيرُ من رأسهِ} [سورة يوسف].

يقال: إن الرجلين لما سمعا تأويل رؤييهما وتعبيرهما من يوسف عليه السلام قالا: ما رأينا شيئًا، فقال لهما: قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

وبعد أن عبّر وفسّر نبي الله يوسف عليه السلام رؤييهما طلب من الذي ظنه ناجيًا من هذين الرجلين وهو الساقي: {اذكرني عند ربكَ} [سورة يوسف] يعني اذكر أمري وما أنا فيه عند سيدك وهو الملك وأخبره أني محبوس ظُلمًا قال الله تعالى: {فأنساهُ الشيطانُ ذِكرَ ربِّهِ فلبثَ في السجنِ بِضعَ سنينَ} [سورة يوسف] أي فأنسى الناجي منهما الشيطانُ أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام، فلبث يوسف عليه السلام في السجن سبع سنوات، وكل هذا بمشيئة الله وإرادته.

تنبيه: تفسير كلمة ربك بالعزيز في الأول وبالملك في الثاني بمعنى السيد لأن يوسف كان صورة عبدًا مملوكًا للعزيز وهذا الثاني كان عبدًا مملوكًا للملك حقيقة وذلك جائز لغة أن يقول العبد المملوك لسيده ربي بمعنى الذي يصرفني في أموره لا بمعنى خالقي، وذلك لأن هذه الكلمة في لغة العرب لها معانٍ متعددة فهذا اللفظ يطلق بمعنى الخالق وهو الله تعالى، وبمعنى السيد المتصرف في شأن من يملكه، وبمعنى المصلح، وبمعنى المربي وغير ذلك، ولا يجوز شرعًا إطلاقه على غير الله مُعَرَّفًا بالألف واللام فلا يجوز أن يقال لغير الله الرب بل يجوز أن يقال فلان رب فلان أي سيده، ويجوز أن يقال فلان رب هذا البيت رب هذا البستان رب هذا الفرس ونحو ذلك بمعنى مستحق الانتفاع به، لكن لا يجوز أن يقال لشخص له متجر ومعمل رب العمال لأنه لا يملكهم إنما يستحق الانتفاع بهم في مقابل ما يدفعه من الأجرة لهم.

وذكر المفسرون في تفسير قول الله تعالى: {إنَّهُ ربِّي أحسنَ مَثوايَ}، أنه عنى الله وهذا أحسن من التفسير الآخر لأن يوسف لم يكن عبدًا مملوكًا ولا تطرأ عليه العبودية الحقيقية لخلق من خلق الله لكنه كان صورة مشترى على أنه عبد مملوك ليس حرًا.

 

رؤيا الملك وخروج يوسف عليه السلام من السجن وظهور براءته

 

يقول الله تبارك وتعالى: {وقالَ الملكُ إني أرى سبعَ بقراتٍ سِمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عِجافٌ وسبعَ سُنبلاتٍ خُضرٍ وأُخرَ يابساتٍ يا أيها الملأُ أفتوني في رُءيَاي إن كنتم للرءيا تعبرون* قالوا أضْغاثُ أحلامٍ وما نحنُ بتأويل الأحلامِ بعالمين} [سورة يوسف].

قدر الله تبارك وتعالى بتقديره الأزلي أسبابًا لخروج نبيه يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام، وذلك أن ملك مصر رأى في منامه سبع بقرات سمان خرجن من البحر وخرجت في ءاثارهن سبع بقرات هزال ضعاف فأقبلت على البقرات السمان فأكلتهن، فاستيقظ الملك من نومه مذعورًا، ثم نام ثانية فرأى سبع سنبلات خضر وقد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلتهن حتى أتين عليهن، فدعا أشراف قومه فقصها عليهم وطلب منهم أن يفتوه في رؤياه هذه، ولما لم يكن فيهم من يُحسن تعبيرها قالوا له: {أضغاثُ أحلامٍ وما نحنُ بتأويل الأحلامِ بعالمين} أي أخلاط أحلام من الليل وما نحن بتأويل الأحلام التي هذا وصفها بعالمين أي أنهم لا خبرة لهم بذلك، ولمّا سمع الناجي من السجن وهو ساقي الملك برؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف عليه السلام وما وصاه به، قال الله تعالى: {وقال الذي نجا منهما وادّكَرَ بعد أمّة} [سورة يوسف] أي تذكر بعد مدة من الزمان وهي بضع سنين التي قضاها يوسف عليه السلام في السجن: {أناْ أنبئكم بتأويله فأرسلون} [سورة يوسف] الآية أي الى يوسف، فأرسلوه الى يوسف عليه السلام فلمّا جاءه وقصّ عليه رؤيا الملك أجابه يوسف عليه السلام الى طلبه فعبّر منام الملك بوقوع سبع سنين في الخصب والرخاء ثم سبع سنين جدب وذلك تأويله قوله تعالى: {ثمّ يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاثُ الناس} [سورة يوسف] يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية {وفيه يعصرون} يعني ما كانوا يعصرونه من الأعناب والزيتون والسمسم وغيرها. فعبّر يوسف عليه السلام لهم رؤيا الملك ودلّهم على الخير وأرشدهم الى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم، وما يفعلونه من ادخار الحبوب في السنين السبع الأولى التي يكون فيها الخصب في سنبله الا ما يُرصد بسبب الأكل، لأن ادخار الحب في سنابله أبقى له وأبعد من الفساد، ثم يأتي بعدها سبع سنين مجدبة يحصل فيها الجدب والقحط فتأتي على المخزون من السنين السبع التي تقدمتها أي نصحهم عليه السلام أن يدخروا الحبوب في سنابله الا ما يرصد للأكل حتى اذا حلّ الجدب والقحط وجدوا في مخازنهم ما يسد الرمق ويمسك عنهم الضيق، حتى يأتي الله بالخصب والغيث، ففسر عليه السلام البقرات السمان بالسنين التي يكون فيها خصب، والبقرات العجاف بالسنين التي يكون فيها قحط وجدب، وكذلك السنبلات الخضر والسنبلات اليابسات، يقول الله تبارك وتعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {قال تزرعون سبع سنين دَأباً فما حصدتّم فذروه في سنبله الا قليلاً ممّا تأكلون* ثمّ يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكُلنَ ما قدّمتم لهنّ الا قليلاً ممّا تحصنون* ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يُعصرون} [سورة يوسف].


وقيل: ان ساقي الملك لمّا أرسل الى يوسف عليه السلام في السجن وقصّ عليه رؤيا الملك قال يوسف للساقي: قل للملك هذه سبع سنين مخصبات ومن بعدهن سبع سنين شداد الا أن يحتال لهن، فانطلق الساقي الى الملك فأخبره، فقال له الملك: ارجع اليه فقل له: كيف نصنع؟ فقال: {تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فَذَروه في سنبله الا قليلاً ممّا تأكلون* ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن الا قليلاً ممّا تحصنون} [سورة يوسف].


ولمّا رجع الساقي الى الملك وأخبره بتأويل رؤياه التي سمعها من يوسف عليه السلام وقع في نفسه صحة ما قال عليه السلام، وأدرك ما عند يوسف من علم وعقل تام ورأي سديد فقال: ائتوني بالذي عبر رؤياي، وأمر باحضاره اليه ليكون من جملة خاصته ومن المقربين اليه، فلما جاء رسول الملك الى يوسف عليه السلام أبى يوسف أن يخرج من السجن حتى يتبين لكل واحد أنه حُبس ظلماً وعدواناً وأنه برىء الساحة مما نسبوه اليه في شأن امرأة العزيز قال تعالى: {وقال الملك ائتوني به فلمّا جاءه الرسول قال ارجع الى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطّعن أيديهن انّ ربي بكيدهن عليم} [سورة يوسف].


أي ارجع الى سيدك وهو الملك فاسأله أن يتعرف ما شأن تلك النسوة اللاتي قطعن أيديهن فانّ الله عليم بكيدهن ليعلم صحة براءتي، وانما أشفق يوسف أن يراه الملك بعين الشاك في أمره أو متهم بفاحشة وأحب أن يراه بعد استقرار براءته عنده، فرجع رسول الملك الى الملك وأخبره بما قاله يوسف، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن ومعهن امرأة العزيز وقال لهن: {ما خطبكن} أي ما كان شأنكم وقصتكم اذ راودتن يوسف عن نفسه؟ فأجبنه وقلن للملك: {حاش لله ما علمنا عليه من سوء} وأنكرن أن يكنّ علمن عليه سوءاً، وأعلم النسوة الملك براءة يوسف من السوء الذي نسب اليه كذباً وبهتاناً.


ولما رأت امرأة العزيز أنّ يوسف عليه السلام الذي زجت به في السجن ظلما وعدوانا قد أكرمه الله تعالى لعصمته وطهارته حتى صار من اهتمام الملك به أنّه يستدعيه ليستخلصه لنفسه اعترفت بما اقترفته وقالت: {الآن حصحص الحق} أي ظهر الحق وصار واضحاً جلياً واعترفت بأنها هي التي راودته عن نفسه وطلبت منه فعل الفاحشة.


يقول تعالى اخبارا عما جرى بين الملك والنسوة: {قال ما خَطبُكنّ اذ راودتنّ يوسف عن نفسه قُلنَ حاشَ لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أناْ راودته عن نفسه وانّه لمن الصادقين* ذلك ليعلم أنى لم أخُنْهُ بالغيب وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين* وما أبَرّئُ نفسي انّ النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي انّ ربي غفور رحيم} [سورة يوسف].

 

يوسف عليه السلام بحضرة الملك

ولمّا ظهر وتبيّن للملك براءة يوسف عليه السلام ونزاهة ساحته عمّا كانوا نسبوه اليه رأى يوسفُ الصديق عليه السلام أن ليس هناك مانع من الخروج من السجن، فخرج وجاء يوسف عليه السلام الملك وكلمه فقال له الملك: انّك من اليوم لدينا ذو مكانة وأمانة، يقول الله تعالى في ذلك: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلمّا كلّمه قال انّك اليومَ لدينا مكين أمين} سورة يوسف].


وطلب يوسف عليه السلام من الملك أن يوليه النظر فيما يتعلق بخزائن الأرض، قيل: هي خزائن الطعام لما يعلم من عدله ولما يتوقع من حصول الخلل في خزائن الطعام بعد مُضي السنين التي يكون فيها الخصب لينظر فيها ويحتاط فيها للأمر، وأخبر ملك البلاد أنه قوي على حفظ ما لديه وأمين على خزائن الأرض وما يخرج منها من الغلات والخيرات عليم بوجوه تصريفها وضبطها، يقول تعالى: {قالَ اجعلني على خزائن الأرض اني حفيظ عليم} [سورة يوسف]. ولما سمع الملك ما يريد يوسف عليه السلام وما يطلب، استجاب طلبه واستعمله وولاه على خزائن الأرض في مصر، وقيل: ردّ اليه عمل وزيره السابق العزيز "قطفير" بعدما مات وهلك.


يقول الله تبارك وتعالى: {وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض يَتَبَوّأ منها حيث يشاء نُصيبُ يرحمتنا من نشاء ولا نضيع أجرَ المحسنين* ولأجر الآخرة خير للذين ءامنوا وكانوا يتقون} [سورة يوسف].


هذا وإن يوسف عليه السلام بعدما مكّنه الله في الأرض وفوضه الملك أمر مصر وخزائن الأرض كان يدعو أهل مصر الى دين الاسلام وعبادة الله وحده وأن لا يشرك به شىء بالحكمة والرفق، فآمن به من ءامن من أهل مصر وأحبوه لما وجدوا في دعوته من خير وسعادة ولما وجدوا فيه من تلطف معهم في المعاملة وحسن الخلق.

 

قدوم اخوة يوسف عليه السلام الى مصر لجلب الطعام

 

مرت السنين السبع المخصبة وأعدّ يوسف عليه السلام عدته فيها، واتخذ الخزائن وخزن الغلات في غلفها، ثم جاءت السبع سنين المجدبة واشتدّ الجَدبُ والقحط في أنحاء الأرض، فأما أهل مصر فصار يوسف عليه السلام يبيعهم من الطعام ما يكفيهم، وأحسّ أهل فلسطين في بلاد الشام بالجوع والبلاء الذي عمّ في كثير من البلاد وعلموا أن الطعام بمصر، وذاع أمر نبيّ الله يوسف عليه السلام الموكل على خزائن الطعام في الآفاق، وانتشر عدله ورحمته ورأفته، فقال يعقوب عليه السلام لأولاده: يا بنيّ انه قد بلغني أن بمصر ملكاً صالحاً فانطلقوا اليه وأقرئوه مني السلام وانتسبوا اليه لعله يعرفكم، فانطلق أولاده ومعهم الجمال والحمير لحمل الطعام ومعهم الثمن الى مصر لشراء قوت أهلهم، وقدموا مصر ودخلوا على يوسف عليه السلام فرءاهم فعرفهم وهم لم يعرفوه، لأنهم شاهدوا من لباسه وزيّه ما لم يكن عرفوه في أخيهم من قبل، وأما اخوته فهم على حالهم في ملبسهم ولغتهم ومنظرهم وحالهم، فجهز يوسف عليه السلام اخوته بجهازهم واعطاهم من الطعام ما جرت به عادته من اعطاء كل انسان حمل بعير بعد أن أكرمهم وأحسن ضيافتهم واظهر لهم السماحة والكرم، قال لهم: ائتوني بأخ لكم من أبيكم وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم؟ وذلك أنه رأى اخوته جميعاً الا شقيقه بنيامين وهو أصغر منه، فأخذ عليه السلام في استدراجهم حتى علم منهم حياته وأنه عند أبيه لم يسمح بمفارقته لشدة تعلق قلبه بمحبته فقالوا له: كنّا اثني عشر رجلاً فذهب منّا واحد وبقي شقيقه عند أبينا، فقال لهم عليه السلام: اذا قدمتم العام المقبل فأتوني به معكم وقد أحسنتُ نزلكم وضيافتكم ورغبهم ليأتوه به ثم رهبهم وأخبرهم أنهم ان لم يأتوه به فلن يعطيهم الطعام، فأخبروه بأنهم سيطلبونه من ابيه ويجهدون في طلبه.


وخشي عليه السلام ألا يكون عند اخوته البضاعة التي يُبادلون بها الطعام لما يرجعون به مرة ثانية، فأمر فتيانه ان يضعوا بضاعتهم التي جاءوا بها ليبادلوا بها الطعام وغيره في أمتعتهم من حيث لا يشعرون لعلهم يرجعون اليه مرة ثانية، وقد جعل يوسف عليه السلام ذلك ليكون وسيلة ليعود اخوته اليه قال الله تبارك وتعالى: {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ* وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ* فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ* قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ* وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة يوسف].

 

اخوة يوسف عليه السلام عند أبيهم يعقوب

 

عاد اخوة يوسف عليه السلام الى أبيهم يعقوب عليه السلام وجمالهم محملة بالطعال وقالوا له: يا أبانا ان عزيز مصر قد أكرمنا اكراماً زائداً وانّه ارتهن "شمعون" وقال: ائتوني باخيكم الصغير من أبيكم، فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربوا بلادي، فأرسل معنا أخانا بنيامين يكتل لنفسه كيل بعير ءاخر زيادة على كيلنا وانا لحافظون له من ان يناله مكروه معنا في سفره، قال الله تبارك وتعالى: {فلمّا رجعوا الى أبيهم قالوا يا أبانا مُنعَ منَا الكيل فأرسِل معنا أخانا نكتل وانا له لحافظون} [سورة يوسف].


ولمّا قال اخوة يوسف لأبيهم مقالتهم هذه ليحثوه على ارسال أخيهم الصغير معهم قال لهم يعقوب: {هل ءامَنُكُم عليه الاّ كما امنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين} [سورة يوسف] والمعنى هل ءامنكم على أخيكم من أبيكم الذي تسألونني ان أرسله معكم الا كما أمنتكم على أخيه يوسف من قبل، يريد بذلك أنه لم ينفعه الأمن منهم اذ خانوه وأفقدوه اياه، ثم بيّن لهم أن الله تبارك وتعالى خير حافظاً منهم وهو أرحم الراحمين بخلقه.

ثم انّ اخوة يوسف عليه السلام فتحوا متاعهم لاستخراج الطعام الذي أتوا به من مصر فوجدوا بضاعتهم [فضتهم] التي كانوا دفعوها ليوسف عليه السلام في مقابل ما أخذوه من الطعام بحالها لم تمس، فكان ذلك ممّا قوّى عزائمهم في الكلام مع أبيهم فقالوا له: يا أبانا ما نبغي! معناه أي شيء تريد بعد هذا وهذه بضاعتنا رُدّت الينا! فاذا سمحت بأخينا ليذهب معنا فاننا نجلب لأهلنا طعاماً ونحفظ أخانا ونزداد بسببه على أحمالنا من الطعام حمل بعير من الطعام يكال لنا وهذا يسير عند الملك الذي طلب منا أخانا.

قال الله تبارك وتعالى: {ولمّا فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدّت اليهم قالوا يا ابانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت الينا ونميرُ أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيلَ بعير ذلك كيل يسير} [سورة يوسف] وكان نبي الله يعقوب عليه السلام شديد التعلق بولده بنيامين لأنه يشمّ فيه رائحة أخيه يوسف عليه السلام ويتسلى به عنه، والظاهر أن القحط والجدب في بلاد يعقوب كان شديداً وقاسياً ممّا جعل يعقوب يسمح بسفر ابنه بنيامين مع اخوته الى مصر ولولا حاجته وحاجة قومه الى الميرة والطعام لما كان ليبعث ولده العزيز على قلبه معهم، قال الله تعالى: {قال لنْ أرسله معكم حتى تُؤتون مَوثقاً من الله لَتَأتُنّني به الاّ أن يُحاط بكم فلمّا ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل} [سورة يوسف] والمعنى: لن أرسل أخاكم الى عزيز مصر حتى تعطوني ميثاقاً وعهداً من الله أي تحلفوا بالله بأنكم تأتونني بأخيكم وترجعوا به الا أن تُغلبوا جميعكم عن الاتيان به.

ولمّا أعطى أولاد يعقوب عليه السلام أباهم عهدهم وميثاقهم على الوفاء بما اشترطه عليهم قال: الله على ما نقول وكيل أي شهيد، ولمّا أراد أولاد يعقوب عليه السلام الخروج من عند ابيهم والسفر الى مصر ليمتاروا ويجلبوا الطعام أوصاهم بعد أن أذن لأخيهم بنيامين في الرحيل معهم قال لهم: "يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة" حيث كان لمصر كما قيل: أربعة أبواب، حيث خاف عليهم أن يصيبهم أحد بالعين والحسد وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وأشكال حسنة جميلة، ثم بيّن لهم أنه لا يستطيع أن يدفع عنهم شيئاً مما قدره الله عليهم وشاءه لهم، لأنه لا رادّ لما قضى ولا مانع لما حكم، فمشيئته تعالى نافذة في كل شيء، يفعل ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء.

يقول الله تبارك وتعالى: {وقال يابني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شيء ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون* ولمّا دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يُغني عنهم من الله من شيء الا حاجةً في نفس يعقوب قضاها وانّه لذو علم لما علّمناه ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون} [سورة يوسف].

 

رجوع اخوة يوسف عليه السلام الى مصر ومعهم أخوهم بنيامين
ودخولهم على يوسف عليه السلام


رجع اخوة يوسف عليه السلام الى مصر ودخلوا من ابوابها المتفرقة كما أمرهم أبوهم يعقوب عليه السلام ثم دخلوا على يوسف الصديق عليه السلام فأنزلهم منزلا رحباً واكرمهم وأحسن ضيافتهم وقدّم لهم الطعام والشراب وأجلس كل اثنين من اخوته على مائدة واحدة، فبقي بنيامين وحيداً وقال بحزن ورأفة: لو كان أخي حيّاً لأجلسني معه، فسمع يوسف عليه السلام كلام أخيه من أبيه وأمه فضمه اليه وقال لاخوته الحاضرين: اني أرى هذا وحيداً فأجلسه معه على مائدته، فلمّا جاء الليل جاءهم بالفُرُش فنام كل اثنين من اخوته على فراش فبقي بنيامين وحيداً، فقال يوسف الصديق: هذا ينام معي. فلمّا خلا وانفرد به قال له: هل لك أخ من أمك؟ فقال له بنيامين: كان لي أخ من أمي فمات، فقال له: اني أنا أخوك يوسف فلا تبتئس أي لا تحزن ولا تبأس بما كانوا يعملون فيما مضى من حسدنا وما حرصوا على صرف وجه أبينا عنا ولا تعلمهم بما أعلمتك، قال الله تبارك وتعالى: {ولمّا دخلوا على يوسف ءاوى اليه أخاه قال اني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون} [سورة يوسف].

 

عمل يوسف عليه الصلاة والسلام لابقاء أخيه بنيامين عنده [1]

 

أكرم يوسف عليه الصلاة والسلام اخوته وأحسن ضيافتهم، ثم أوفى لهم الكيل من الطعام وحمّل بنيامين بعيراً باسمه كما حمّل لهم، ثم لمّا وفّاهم كيلهم وقضى حاجتهم جعل السقاية -وهو الاناء الذي يشرب فيه الملك ويكيل به الطعام وقيل: كان مرصعاً بالجواهر الثمينة- في رَحل أخيه ومتاعه واخوته لا يشعرون، فلمّا ارتحلوا مسافة قصيرة أرسلَ الطلب في أثرهم فأدركوهم ثم نادى مناد فيهم قائلا: أيتها العير - أي القافلة التي فيها الأحمال- انكم لسارقون قفوا، قيل: ثم وصل اليهم رسول يوسف ووكيله وأخذ يوبخهم ويقول لهم: ألم نكرم ضيافتكم ونوفّكم كيلكم ونحسن منزلتكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم وأدخلناكم علينا في بيوتنا وأنتم تسرقون؟.



فائدة: فان قيل: كيف نادى المنادي بأنهم سارقون وهم في الحقيقة لم يسرقوا؟ أجيب: أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف عليه السلام أمر بوضع السقاية في رحل أخيه، أو يكون المعنى انكم لسارقون فيما يظهر لمن لا يعلم حقيقة أخباركم. قال الله تعالى: {فلما جهّزهم بجَهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثمّ أذّنَ مؤذن أيتها العير انكم لسارقون} [سورة يوسف].


ولمّا أقبل المنادي ومن معه على اخوة يوسف يتّهمهم بالسرقة قال اخوة يوسف عليه السلام: ماذا تفقدون؟ أي ما الذي ضلّ عنكم وضاع؟ فقالوا لهم: نفقد صواع الملك ولمن جاء به ودلّ عليه فله حمل بعير من الطعام وأخبرهم المنادي أنه الكفيل بالوفاء بالحمل لمن ردّه.


يقول تعالى: {قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون* قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حملُ بعير وأناْ به زعيم} [سورة يوسف]. فلما سمع اخوة يوسف عليه السلام ما قاله المنادي ومن معه من حاشية الملك قالوا لهم: ما جئنا لنفسد ولسنا سارقين كما قال الله تعالى: {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كُنّا سارقين} [سورة يوسف] فحلفوا بالله وقالوا: أنتم تعلمون أننا ما جئنا للفساد والسرقة، ونفوا أن يكونوا سارقين، وهنا ردّ عليهم منادي الملك واصحابه: فما جزاء من توجد في متاعه سقاية الملك ان كنتم كاذبين في قولكم وما كنا سارقين، فأجابهم اخوة يوسف: انّ جزاء من توجد في متاعه ورحله سقاية الملك أن يُستعبد بذلك وقيل: ان هذه كانت سنة ءال يعقوب وهذه كانت من شريعتهم وهي شريعة يعقوب وهي أن السارق يُدفع ويسلم الى المسروق منه. {قالوا فما جزاؤه ان كنتم كاذبين* قالوا جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الطالمين} [سورة يوسف].

ولمّا قال اخوة يوسف عليه السلام مقالتهم وأن جزاء من توجد معه سقاية الملك أن يؤخذ ويستعبد فتّش رسول الملك الأوعية وبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيهم بنيامين مبتدئاً بالكبير ومنتهياً بالصغير لازالة التهمة وليكون أبلغ في الحيلة، فوجد سقاية الملك في وعاء أخيهم بنيامين فاستخرجها منه، فأخذ بنيامين وانصرف به الى يوسف عليه الصلاة والسلام، يقول الله تعالى: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثمّ استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك الا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} [سورة يوسف].


ومعنى قوله تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} أي لولا اعتراف اخوة يوسف بأن جزاء من وجد المسروق في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف عليه السلام على أخذ بنيامين منهم في سياسة وقانون ملك مصر حينئذ، وذلك لأنه كان من سياسة وقضاء الملك الحاكم وقانونه أنّ من سرق انّما يُضرب ويغرّم، وبيان ذلك أيضاً أنه لو أجرى يوسف أخاه على حكم الملك وقانونه وسياسته لما أمكن ليوسف الصديق عليه السلام أن يحبس أخاه بنيامين عنده، فأجرى الله على ألسنة اخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان ذلك مما ألهمه الله ليتوصل الى حجز بنيامين عنده لما سيترتب على ذلك الأمر من مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وأمه وأخوته وقومه ووفودهم اليه في بلاد مصر.


وأما معنى قوله تعالى: {نرفع درجات من نشاء وفوق كلّ ذي علم عليم} المعنى نرفع الدرجات بصنوف العطاء وأنواع الكرامات وأبواب العلوم وقهر الهوى والتوفيق كما رفعنا يوسف عليه السلام، {وفوق كلّ ذي علم عليم} أي فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم الى الله تبارك وتعالى الموصوف باحاطة علمه لكل شيء.

ولما شاهد اخوة يوسف عليه السلام رسول الملك ومناديه يستخرج سقاية الملك وصواعه من متاع بنيامين ملئوا غيظاً على بنيامين لما وقعوا فيه من الورطة والغم والهم {قالوا ان يَسرق فقد سرق أخ له من قبل} [سورة يوسف] يقصدون أخاهم يوسف عليه السلام، قيل: انهم يقصدون بذلك السرقة التي نسبوها ليوسف وهي أنه رأى مرة صنماً في بيت بعض أقاربه من جهة أمه، فأخذه وكسره وأتلفه فاعتبروا ذلك سرقة جهلاً بحقيقتها، وقيل: قصدوا بالسرقة أنه كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء والمساكين، وأخفى يوسف عليه السلام هذه التهمة في نفسه ولم يجاهرهم بها.


يقول الله تبارك وتعالى: {فأسرّها يوسف في نفسه ولم يُبدها لهم قال أنتم شر مكاناً والله بما تصفون} [سورة يوسف] ولمّا أراد يوسف عليه السلام أن يحبس بنيامين عنده ووجد اخوته أنه لا سبيل لهم الى تخليصه منه، سألوه أن يطلقه ويعطوه واحداً منهم بديلاً عنه وقالوا ليوسف: يا أيها العزيز انّ له أباً شيخاً كبيراً متعلق به مغرم بحبه فخذ أحداً منا بدلاً من بنيامين وأخل سبيله انّا نراك من المحسنين، قال تعالى: {قالوا يا أيها العزيز انّ له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه انّا نراك من المحسنين} [سورة يوسف].


لكن يوسف الصديق رفض اخلاء سبيل بنيامين وقال لاخوته ما حكاه الله عنه {قال معاذ الله أن نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده انّا اذاً لظالمون} [سورة يويف]. ولما استيأس اخوة يوسف عليه السلام من أخذ أخيهم من يوسف بطريق المبادلة وأن يجيبهم الى ما سألوه، خلا بعضهم ببعض واعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم وصاروا يتناجون ويتناظرون ويتشاورون ثم قال كبيرهم وهو روبيل: لقد أخذ أبوكم عليكم ميثاقاً وعهداً في حفظ أخيكم بنيامين وردّه اليه الا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به، وها أنتم تفرطون فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلن أزال مقيماً ها هنا في بلاد مصر لا أفارقها حتى يأذن لي أبي في القدوم أو يقدرني الله على ردّ أخي الى أبي، ثمّ أشار اليهم وطلب منهم الرجوع الى أبيهم يعقوب واخباره بما كان من سرقة أخيهم بنيامين لصواع الملك، وأنهم ما شهدوا عليه بالسرقة الا بما علموا من مشاهدة اذ وجدوا الصواع في أمتعته، ثم طلب منهم أخوهم الكبير روبيل أن يقولوا لأبيهم: ان كنت متهماً لنا ولا تصدقنا على ما نقول من أن ابنك سرق فاطلبوا منه أن يسأل أهل القرية التي كنّا فيها وهي مصر وأهل العير وهي القافلة التي أقبلنا فيها وانّا لصادقوك فيما أخبرناك، يقول تبارك وتعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ* ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ* وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [سورة يوسف].

 

رجوع اخوة يوسف الى أبيهم بعد حبس اخيهم بنيامين

 

رجع اخوة يوسف عليه السلام الى بلدهم فلسطين وهم مهمومون في ضيق وغم حيث أخوهم الصغير بنيامين الذي ائتمنهم عليه أبوهم محبوس عند عزيز مصر، وأخوهم الكبير روبيل مُتَخَلّف هناك في بلاد مصر لأجل أخيه بنيامين. ودخلوا على أبيهم يعقوب عليه السلام فأخبروه خبر أخيهم الصغير بنيامين وأخيهم روبيل كما طلب منهم أخوهم الكبير، فلم يدخل عليه هذا القول ولم يصدقهم وقال لهم والحزن يملأ قلبه: بل زيّنت لكم أنفسكم أمرأً هممتم به وأردتموه، فصبري على ما نالني من فقد ولدي صبر جميل لا جزع فيه ولا شكاية، عسى الله أن يأتيني بأولادي جميعاً فيردهم اليّ انّه هو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في أفعاله، قال تعالى: {قال بل سَوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً انّه هو العليم الحكيم} [سورة يوسف].

وتولّى وأعرض نبي الله يعقوب عليه السلام حزيناً على أولاده وهيّج حزنه الجديد على بنيامين وأخيه روبيل حزنه القديم على فلذة كبده يوسف عليه السلام وحرك ما كان كامناً، وقال: يا حزني على يوسف ويا أسفي الشديد عليه وأخذ يبكي بكاءً شديداً على يوسف حتى ابيضت عيناه من شدة الحزن والبكاء وذهب بصره وصار كاظماً لغيظه ممسكاً على حزنه لا يُظهره لأحد من أهله من شدة الأسف والشوق الى يوسف عليه السلام الذي فارقه ما يقارب الأربعين سنة، وظل نبي الله صابراً شاكراً لربه غير معترض، فهذا من جملة البلاء الذي يصاب به الأنبياء لرفع درجاتهم وعلو مقامهم، يقول الله تبارك وتعالى: {وتولّى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} [سورة يوسف].

ولمّا رأى أولاده قالوا له حزناً عليه: لا تزال تذكر يوسف ولا تفتر ولا تنقطع عن حبه حتى تكون حرضاً -اي تكون مريضاً في جسمك مشرفاً على الهلاك ويذيبك الحب والحزن عليه- او تكون من الموتى الهالكين، يقول الله تبارك وتعالى: {قالوا تالله تفتَؤا تذكر يوسف حتى تكون حَرَضاً أو تكون من الهالكين} [سورة يوسف].

ولما رأى يعقوب عليه السلام الغلظة والجفاء من أولاده في مخاطبتهم له قال لهم: انّما أشكوا بثي وحزني الى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، ثم طلب من أولاده، يذهبوا الى المكان الذي جاءوا منه في مصر وخلفوا فيه أخويهم ويتحسسوا ويلتمسوا أخبار يوسف وأخيه بنيامين ولا يقنطوا من رحمة الله وفرجه، قال الله تبارك وتعالى: {قال انّما أشكوا بثّي وحزني الى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون* يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف واخيه ولا تيأسوا من روح الله انّه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون} [سورة يوسف].

 

تعرف اخوة يوسف بيوسف عليه السلام

وعطفه عليهم واعترافهم بذنبهم

 


رجع اخوة يوسف عليه السلام الى مصر كما أمرهم أبوهم يعقوب عليه السلام وقصدوا يوسف عليه السلام في مصر في مُلكه، فلما دخلوا عليه قالوا متعطفين مترحمين: يا أيّها العزيز لقد مسّنا وأهلنا الحاجة والفقر وضيق الحال من الجدب والقحط وجئنا لحلب الطعام ببضاعة ضعيفة قليلة رديئة نبادلها بالطعام وهي لا يُقبل مثلها الا أن تتجاوز عنا وتقبلها منا، وطلبوا منه أن يوفي لهم الكيل ويتصدق عليهم بردّ أخيهم بنيامين عليهم، قال الله تعالى: {فلمّا دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضّرّ وجئنا ببضاعة مزجاة فأوفِ لنا الكيل وتصدّق علينا انّ الله يجزي المتصدقين} [سورة يوسف].

ولمّا سمع يوسف عليه السلام هذا الكلام من اخوته ورأى ما وصلوا اليه من سوء الحال رق قلبه وحنّ عليهم ورحمهم وبكى وباح لهم بما كان يكتمهم من شأنه، كاشفاً عن سرّه حاسراً عن جبينه الشريف قائلاً لهم: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه اذ أنتم جاهلون} [سورة يوسف] المعنى: ما أعظم ما ارتكبتم من قطيعة الرحم وتضييع الحق اذ فرّقتم بين يوسف وأخيه وسببتم بذلك الأذى والمكروه وأنتم جاهلون بعاقبة ما تفعلون بيوسف وما يؤول اليه أمره، يقول الله تبارك وتعالى: {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه اذ أنتم جاهلون} وعندما واجه يوسف عليه السلام اخوته بهذه الحقيقة تعجبوا وذهبت سكرتهم وتيقظوا وعرفوا الحقيقة أنه هو يوسف {قالوا أءنّك لأنت يوسف قال أناْ يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا انّه من يتّق ويَصبر فانّ الله لا يضيع أجر المحسنين} [سورة يوسف] فما أكبر وأعظم ما قاله نبيّ الله يوسف عليه السلام لاخوته تحدثاً بنعمة الله، وما أعظم نصحه لهم حيث بين لهم عاقبة من يتق الله ويصبر فيطيع الله مولاه، فيؤدي ما فرض الله، ويجتنب ما حرّم ونهى عنه، ويصبر على المصائب والشدائد ابتغاء الثواب من الله، وبيّن لهم أنّ الله لا يضيع اجر هؤلاء المتقين المحسنين، وأن الله تبارك وتعالى قد منّ عليه وعلى أخيه بما أسلفا من طاعة الله وتقواه وصبرهما على الأذى من جاني اخوتهما.


وعندما سمع اخوة يوسف عليه السلام كلام أخيهم وعظيم موعظته اعترفوا له بالفضل وعظيم القَدر والمنزلة، وانّ الله تعالى قد اختاره وفضّله عليهم بالعلم والحلم والفضل والمنزلة وما أعطاه وحباه من سائر الفضائل والمواهب، واعترفوا له بأنهم كانوا ءاثمين خاطئين بما ارتكبوا من تلك الأفاعيل الخسيسة.

يقول الله تبارك وتعالى: {قالوا تالله لقد ءاثرك الله علينا وان كنّا لخاطئين} [سورة يوسف] وعندما اعترف اخوة يوسف عليه السلام باثمهم وخطئهم ووقفوا بين يدي أخيهم يوسف عليه السلام ملك مصر والحاكم النافذ الكلمة على بلاد مصر وخزائنها، وهم ينتظرون حكم اخيهم عليهم {قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} [سورة يوسف] أي لست أعاتبكم ولا أعيركم بعد هذا اليوم أبدا بما صنعتم.

 

سؤال يوسف عليه السلام عن أبيه وتوقع الفرج بلقائه

 

ولما عرّفهم يوسف عليه السلام بنفسه سألهم عن حال أبيه الذي طال الفراق بينهما واشتد به الشوق والحنين للقائه قالوا: قد هزل جسمه ولان عظمه وذهب بصره من شدة البكاء والحزن فأخذت يوسف عليه السلام الشفقة والرحمة على أبيه يعقوب، ثم أعطاهم قميصه وهو الذي يلي جسده الشريف، وأمرهم أن يذهبوا به فيضعوه على عيني أبيه فانّه يرجع اليه بصره ويعود بصيراً كما كان سابقاً وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوة، ثم أمرهم أن يأتوا بأهاهم أجمعين الى ديار مصر الخيرة.
يقول الله تبارك وتعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً وأتوني بأهلكم أجمعين} [سورة يوسف].


وكان يوسف عليه السلام لمّا أعطاهم قميصه ليذهبوا به الى أبيه، قال له أخوه يهوذا: أنا أذهب به اليه لأني ذهبت اليه بالقميص ملطخاً بالدم وأخبرته أن يوسف أكله الذئب، فأنا أخبره أنه حي فأفرحه كما احزنته، وكان هو البشير، وقيل: خرج حافياً يعدو ليبشر أباه يعقوب، قيل: ولمّا خرجت القافلة التي فيها اخوة يوسف عليه السلام وانفصلت عن أرض مصر متوجهة الى أرض كنعان في فلسطين، وكان يعقوب عليه السلام يتوقع الفرج بلقاء ابنه يوسف الصديق بعد طول بعاده وطول حزنه عليه، وهبّت ريح الصّبا التي يستروح بها كل محزون ومكروب، فذهبت بريح يوسف الصديق بمشيئة الله وقدرته الى يعقوب عليه السلام، وبين يوسف ويعقوب مسافات طويلة، قال يعقوب لأبنائه: اني لأجد وأشم ريح يوسف لولا خوفي من أن تسفهوني وتنسبوا اليّ ضعف العقل.

يقول الله تبارك وتعالى: {ولمّا فصلت العير قال أبوهم اني لأجد ريح يوسف لولا أن تُفَنِدون} [سورة يوسف]. فقالوا له: تالله انك في حبّ يوسف وذكره لفي ضلالك القديم، في اعتقادك أن يوسف باقي الى اليوم يقول تعالى: {قالوا تالله انّك لفي ضلالك القديم} [سورة يوسف].
كانوا في الأول مسلمين ولكن لما أهانوا أباهم صاروا مرتدين ثم لما اجتمعوا بيوسف وعدهم أن يطلب لهم المغفرة بالاسلام.
وقال بعض العلماء: في خطئك القديم معناه كما كنت مخطئاً في ايثار يوسف علينا بعدُ أنت على ذلك الخطأ.
ونحن نقول أسلموا ولكن ما طلع منهم نبي الا في ذريتهم الأسباط، وقول بعضهم انهم بعد ذلك صاروا أنبياء غير صحيح، لكن أخوه الأصغر بنيامين الذي ما شاركهم يجوز أن يكون نبياً لذلك يوسف أفرده من بينهم.


فائدة: الأسباط توالدوا في أيام يوسف الى زمن فرعون فصاروا نحو ستمائة ألف من الرجال ثم خلصهم موسى من فرعون الذي كان هدم مساجدهم، وقد أوحى الله الى موسى أن يجعلوا بيوتهم قبلة فصاروا يصلون في بيوتهم قال الله تعالى: {وأوحينا الى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصرَ بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} [سورة يونس].

 

البشارة بقرب اجتماع يوسف بأبيه يعقوب عليهما السلام

 

لم يطل الانتظار حتى جاء البشير يعقوب عليه السلام فبشره بلقاء يوسف عليه السلام، ثم ألقى البشير قميص يوسف على وجهه فعاد مبصراً بعينيه كما كان سابقاً بعدما كان ضريراً، وقيل: انه لما جاء البشير يعقوب قال له: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الاسلام، قال: الآن تمت النعمة، ثم قال لأولاده: ألم أقل لكم اني أعلم من سلامة يوسف ما لا تعلمون وأن الله سيجمع شملي بيوسف.

يقول الله تبارك وتعالى: {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيراً قال ألم أقل لكم اني أعلم من الله ما لا تعلمون} [سورة يوسف]. ولما اجتمع عند نبي الله يعقوب عليه السلام أولاده ورأوا قميص يوسف وخبره طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم الله عز وجل عما ارتكبوا وفعلوا من الاساءة في حق أخيهم يوسف وأبيهم لأن أباهم نبي مجاب الدعوة.


فأجابهم أبوهم الى ما سألوا وأخبرهم أنه سوف يستغفر ربه لهم انه هو الغفور الذي يغفر الذنوب الرحيم بعباده، يقول الله تبارك وتعالى: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا انّا كنّا خاطئين* قال سوف أستغفر لكم ربي انّه هو الغفور الرحيم} [سورة يوسف].

فائدة: قيل: ان يعقوب عليه السلام أرجأ الاستغفار لأولاده عندما سألوه أن يستغفر الله لهم لانتظار الوقت الذي هو مظنة الاجابة، وقيل: أرجأهم الى وقت السحر.

 

لقاء يوسف الصديق لأبيه يعقوب واخوته وتصديق وتفسير رؤياه

 

روي أنه بعث يوسف عليه السلام مع البشير الى يعقوب جهازاً ومائتي راحلة وسأله أن يأتيه بأهله وأولاده، فلمّا ارتحل يعقوب عليه السلام هو وأولاده وجميع أهله من بلاد الشام في فلسطين ودنا من بلاد مصر للقاء يوسف الصديق ملك مصر، استأذن يوسف عليه السلام الملك الذي فوقه في تلقي يعقوب عليه السلام واستقباله، فأذن له وأمر الملأ من أصحابه بالركوب معه، فخرج عليه السلام في أربعة ءالاف من الجند وخرج معهم أهل مصر، وقيل ان الملك العام خرج معهم أيضاً، وعندما جاء يعقوب عليه السلام مع أهله وأولاده الى مصر دخلوا على يوسف عليه السلام فأوى اليه أبويه واجتمع بهما خصوصا وحدهما دون اخوته، ورحب بأهله وقال لهم: ادخلوا مصر واستوطنوا ءامنين مطمئنين، قيل: وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم ثلاثة وستين انسانا، ورفع يوسف عليه السلام أبويه على العرش أي أجلسهم معه على سرير المملكة، ثم خرّ له أبوه وأمه واخوته الأحد عشر وسجدوا له سجود تحية لا سجود عبادة ليوسف عليه السلام وكان هذا جائزاً لهم في شريعتهم، ولم يزل ذلم معمولا به في سائر شرائع الأنبياء حتى حرّم الله ذلك في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. يقول الله تبارك وتعالى: {فلما دخلوا على يوسف ءاوى أبويه وقال ادخلوا مصر ان شاء الله ءامنين* ورفع أبويه على العرش وخروا له سجّداً} [سورة يوسف] ثم قال نبي الله يوسف عليه السلام لأبيه يعقوب: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل، أي ان هذا السجود الذي سجدته أنت وأمي واخوتي لي هو تصديق وتعبير الرؤيا التي كنت رأيتها من قبل، وقيل: ان المدة التي كانت بين رؤيا يوسف عليه السلام وبين تأويلها وتحقيقها أربعون سنة، ثم قال: وقد أحسن بي ربي اذ أخرجني من السجن، أي بعد الهم والضيق والحزن وجعلني ملكاً وحاكماً نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت، وقد جاء بكم ربي بمشيئته وقدته من البادية من بعد ما أفسد الشيطان بيني وبين اخوتي بما فعلوا من تلك الأفاعيل الخسيسة، ان الله هو العليم بجميع الأمور فلا يخفى عليه شيء.


ثم ان يوسف عليه السلام لما رأى نعمة الله عليه قد تمت وشمله مع أبيه واهله قد اجتمع، أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم احسانه وفضله وسأله أن يتوفاه ويميته على الاسلام الذي فيه السعادة الأبدية في الآخرة، وسأل الله تبارك وتعالى: {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي اذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي انّ ربي لطيف لما يشاء انّه هو العليم الحكيم* ربّ قد ءاتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليّ في الدنيا والآخرة توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين} [سورة يوسف].

 

وفاة يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام



يقال ان يوسف عليه الصلاة والسلام عاش بعد جمع شمله مع أهله ثلاثا وعشرين سنة، وقيل: عاش: مائة وعشر سنوات. وكانت وفاته بعد مولد جده ابراهيم عليه السلام باحدى وستين وثلاثمائة سنة.

ويروى أن يوسف عليه السلام أوصى أن يحمل جسده اذا مات من مصر ويدفن عند ءابائه، فحمله موسى عليه السلام لما خرج ببني اسرائيل، روى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما قبض نبي الا ودفن حيث قبض".

روى ابن حبان وصححه أن موسى عليه السلام عند خروجه من مصر الى الشام اهتدى للمكان الذي دفن فيه يوسف فأخرجه فحمل عظامه أي جثته الى الشام فدفنه في الشام، وليس المراد بالعظام أن التراب كان أكل جلده ولحمه بل هذا تعبير من باب اطلاق الجزء وارادة الكل كما قال الشاعر في رثاء طلحة الطلحات:
رحم الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات

فان طلحة حين دفن دفن كما هو.

 

الهامش:

 

[1] فعل يوسف ذلك لمصلحة دينية، حتى يحصل على استبقاء أخيه بنيامين عنده.

اختر لغتك